دراسة أمريكية تكشف تصدعات تحالفات الحوثيين القبلية وتحذر من تصعيد عسكري أخطر
يني يمن – متابعات
تواجه جماعة الحوثي في اليمن تحديات متزايدة تهدد إحدى أهم الركائز التي اعتمدت عليها في بناء نفوذها العسكري والسياسي، مع تصاعد مؤشرات التصدع في شبكة التحالفات القبلية التي أسهمت في توسعها وسيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، وسط ضغوط اقتصادية وأمنية واجتماعية متشابكة، وتراجع قدرتها على توزيع الامتيازات المالية واحتواء الاعتراضات داخل مناطق سيطرتها.
وكشفت دراسة بحثية نشرها الباحث مايكل هورتون في مجلة «CTC Sentinel»، الصادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية «ويست بوينت»، في مارس 2026، عن تحولات عميقة تشهدها العلاقة بين الحوثيين والقبائل المتحالفة معهم، محذرة من أن تآكل هذه التحالفات قد يضع الجماعة أمام اختبار غير مسبوق لقدرتها على الاحتفاظ بالسلطة.
وتشير الدراسة إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بالخسائر العسكرية أو الضربات الجوية أو احتمالات تراجع الدعم الإيراني، وإنما تمتد إلى طبيعة النظام الذي بنته الجماعة خلال سنوات الحرب، والقائم على الجمع بين التحالفات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والرقابة الأمنية والقوة العسكرية.
ورغم ذلك، لا تتوقع الدراسة انهياراً وشيكاً للحوثيين، بل تؤكد أنهم لا يزالون يحتفظون بقدرات عسكرية وأمنية وشبكات إمداد تسمح لهم بالتكيف مع الضغوط، محذرة من أن اشتداد أزماتهم الداخلية قد يدفعهم إلى تصعيد عسكري أوسع داخل اليمن وخارجه.
جذور التحالفات القبلية.. من العلاقات الاجتماعية إلى السيطرة على صنعاء
تعود جذور العلاقة بين الحوثيين والقبائل إلى فترة سبقت اندلاع الحرب اليمنية بسنوات طويلة، عندما عمل بدر الدين الحوثي، والد مؤسس الجماعة حسين الحوثي وزعيمها الحالي عبدالملك الحوثي، على بناء شبكة من العلاقات داخل المجتمعات القبلية في شمال اليمن خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وبحسب الدراسة، استندت تلك الشبكة إلى المصاهرة والوساطة الاجتماعية والتحكيم في النزاعات القبلية، إلى جانب الأنشطة الدينية والتعليمية التي شكلت لاحقاً قاعدة لنشوء حركة «الشباب المؤمن».
وكانت المصاهرة مع أسر قبلية بارزة إحدى الأدوات التي ساعدت الأسرة الحوثية على توسيع حضورها الاجتماعي، بينما أتاحت الوساطة في النزاعات بناء علاقات مع شخصيات قبلية مؤثرة.
ومع اندلاع حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010، تحولت بعض هذه الروابط إلى تحالفات عسكرية، خصوصاً لدى القبائل التي رأت في المشاركة مع الحوثيين وسيلة للدفاع عن مصالحها ومناطق نفوذها.
وتوضح الدراسة أن الخبرة القتالية التي اكتسبتها قيادات الحوثيين خلال تلك الحروب أسهمت في تعزيز مكانتها لدى بعض حلفائها، وأن الولاء للجماعة لم يكن دائماً ناتجاً عن الاقتناع بمشروعها الديني أو السياسي، بل ارتبط أيضاً باعتبارات قبلية ومصالح محلية وظروف المواجهات العسكرية.
تحالف صالح.. بوابة الحوثيين إلى مؤسسات الدولة
شكّلت سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر 2014 تحولاً حاسماً في مسار الجماعة، بعدما انتقلت من حركة مسلحة تعتمد على التحالفات المحلية إلى سلطة تسيطر على مؤسسات الدولة ومواردها وأجهزتها الأمنية.
وتشير الدراسة إلى أن تحالف الحوثيين مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح مثّل عاملاً أساسياً في هذا التحول، إذ استفادت الجماعة من شبكات النفوذ السياسية والعسكرية والقبلية التي بناها صالح خلال عقود حكمه.
فقد أتاح التحالف للحوثيين الوصول إلى شخصيات نافذة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارة الحكومية، فيما رأى صالح في الجماعة وسيلة لاستعادة جزء من نفوذه بعد خروجه من السلطة.
غير أن هذا التحالف القائم على المصالح المتبادلة انتهى بمواجهة مسلحة في ديسمبر 2017، أعقبها مقتل صالح على يد الحوثيين في الرابع من الشهر نفسه.
وبعد انتهاء التحالف، شرعت الجماعة، وفق الدراسة، في إعادة تشكيل منظومة النفوذ القبلي، من خلال تعيين شخصيات موالية لها في مواقع قيادية، وتقليص نفوذ بعض المشايخ التقليديين، وإخضاع آخرين للرقابة والضغط الأمني.
كما توسعت في فرض نظام «المشرفين» على المؤسسات الحكومية والمجتمعات المحلية، وهو نظام منح شخصيات مرتبطة بقيادة الجماعة سلطة فعلية تتجاوز في حالات كثيرة صلاحيات المسؤولين الرسميين والقيادات القبلية.
وترى الدراسة أن هذه السياسة أسهمت تدريجياً في تغيير طبيعة العلاقة بين الحوثيين وحلفائهم، من شراكة تقوم على المصالح المتبادلة إلى علاقة غير متكافئة تسعى فيها الجماعة إلى فرض الولاء والسيطرة.
أجهزة الاستخبارات.. معلومات القبائل تتحول إلى أدوات للضغط
تخصص الدراسة جانباً مهماً لتأثير سيطرة الحوثيين على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إدارة علاقتهم بالمجتمع القبلي.
فبعد دخول صنعاء، استحوذت الجماعة على أجزاء واسعة من جهاز الأمن السياسي وجهاز الأمن القومي، إلى جانب مؤسسات حكومية كانت مسؤولة عن متابعة الشؤون القبلية وإدارة العلاقات مع المشايخ.
ولم تقتصر استفادتها على المباني والمعدات والموظفين، بل امتدت إلى أرشيف معلوماتي تراكم على مدى عقود، تضمن بيانات عن المشايخ والقبائل وشبكات الولاء والخلافات العائلية والمناصب الحكومية والمساعدات المالية والديون والارتباطات السياسية.
وبحسب الدراسة، ساعدت هذه المعلومات الحوثيين على تحديد مراكز النفوذ داخل القبائل، ومعرفة نقاط الضعف والخلافات التي يمكن استخدامها للتأثير على الشخصيات المحلية.
كما استفادت الجماعة من خبرات ضباط سابقين في الأجهزة الأمنية، سواء ممن انضموا إليها أو جرى استقطابهم للعمل معها.
وبالتوازي مع ذلك، ربطت الجماعة بعض الشخصيات القبلية بشبكات مصالح مالية وتجارية، شملت المناصب والرواتب وتراخيص الاستيراد وتجارة الوقود والقات وعائدات التهريب والرسوم المفروضة على حركة البضائع.
وأصبحت هذه الامتيازات، بحسب الدراسة، إحدى الوسائل الأساسية لضمان استمرار ولاء المشايخ والشخصيات النافذة.
غير أن اعتماد التحالفات على المصالح الاقتصادية جعلها أكثر عرضة للاهتزاز مع تراجع الإيرادات وتزايد الضغوط على الموارد المتاحة للجماعة.
أزمة مالية تهدد منظومة شراء الولاءات
تضع الدراسة التراجع الاقتصادي في مقدمة العوامل التي تهدد قدرة الحوثيين على المحافظة على تحالفاتهم القبلية.
وتشير إلى أن الضربات الجوية التي استهدفت موانئ ومطارات وبنية تحتية في مناطق سيطرة الجماعة، إلى جانب تشديد العقوبات والرقابة على عمليات الاستيراد والتهريب، أثرت في عدد من مصادر إيراداتها.
وبحسب تقديرات أوردتها الدراسة استناداً إلى تقارير أممية وأمريكية، كانت الرسوم المفروضة على واردات المشتقات النفطية وعائدات بيعها تمثل ما يصل إلى نصف الدخل المقدر للحوثيين.
كما تشير إلى تراجع حجم ناقلات النفط التي تصل إلى الموانئ الخاضعة للجماعة إلى نحو النصف، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقيود المفروضة على حركة التجارة.
وتضيف الدراسة أن جهود الحكومة اليمنية لمكافحة التهريب أسهمت في الحد من بعض المسارات التي استفاد منها الحوثيون في الحصول على الإيرادات والمكونات العسكرية.
وتتزامن هذه التطورات، وفق تقييم الباحث، مع اضطراب بعض مسارات الإمداد المرتبطة بإيران وتزايد صعوبة الاعتماد على مصادر الدعم التقليدية.
لكن المشكلة لا تقتصر على تراجع الأموال الواردة إلى الجماعة، بل تشمل أيضاً تدهور النشاط الاقتصادي في مناطق سيطرتها.
فالدراسة، استناداً إلى تقرير للبنك الدولي في عام 2025، تشير إلى توسع التعاملات غير الرسمية والمقايضة، وهو ما يحد من قدرة السلطات الحوثية على تحصيل الضرائب والرسوم بصورة منتظمة.
وأمام هذه الضغوط، اتجهت الجماعة إلى زيادة الجبايات وفرض رسوم إضافية ومصادرة ممتلكات بعض التجار والشركات والأسر الميسورة، في محاولة لتعويض تراجع الموارد.
وترى الدراسة أن هذه السياسات تخلق حلقة اقتصادية سلبية؛ إذ يؤدي تراجع الإيرادات إلى زيادة الجبايات، بينما تدفع الجبايات المرتفعة المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال إلى تقليص أنشطتهم أو مغادرة مناطق سيطرة الجماعة، ما يتسبب في مزيد من الانكماش الاقتصادي.
وتنعكس هذه الأزمة مباشرة على التحالفات القبلية، لأن المشايخ الذين حصلوا سابقاً على امتيازات مالية وتجارية باتوا يواجهون تراجعاً في المكاسب، مقابل ارتفاع الكلفة السياسية والاجتماعية لاستمرار ارتباطهم بالحوثيين.
من غزة إلى إيران.. تراجع فاعلية الخطاب التعبوي
تتناول الدراسة تحول الخطاب السياسي والإعلامي للحوثيين منذ أواخر عام 2023، عندما استغلت الجماعة الحرب في غزة وهجماتها في البحر الأحمر لتقديم نفسها باعتبارها طرفاً مشاركاً في الدفاع عن الفلسطينيين.
وساعد هذا الخطاب، وفق الدراسة، في استقطاب قطاعات من المجتمع اليمني، بما في ذلك بعض الشخصيات والقبائل التي لم تكن متحالفة مع الحوثيين سابقاً.
كما أتاح للجماعة تحويل الاهتمام الشعبي عن الإخفاقات الاقتصادية والخدمية، وتبرير الأعباء التي فرضتها الحرب على السكان.
غير أن الدراسة ترى أن هذا الزخم بدأ يتراجع مع وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، وتزايد الخسائر الناجمة عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مناطق سيطرة الجماعة.
ومع تراجع تأثير الخطاب المرتبط بالقضية الفلسطينية، عادت القضايا المعيشية والخدمية إلى الواجهة، بما فيها تدهور الاقتصاد واستمرار الجبايات وتراجع الخدمات.
وتشير الدراسة إلى أن محاولة الحوثيين توظيف الحرب المرتبطة بإيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026 وفق الإطار الزمني الذي تتناوله الورقة، تواجه صعوبات أكبر في تعبئة المجتمع اليمني.
وتعزو ذلك إلى وجود تحفظات لدى قطاعات من اليمنيين تجاه إيران، بما في ذلك بعض المكونات القبلية المتحالفة مع الجماعة.
كما ترى أن الهجمات الإيرانية على دول عربية، بينها السعودية والإمارات والبحرين والأردن وقطر، تزيد صعوبة تقديم طهران باعتبارها طرفاً يدافع عن المصالح العربية والإسلامية.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن تراجع فاعلية هذا الخطاب لا يعني فقدان الحوثيين قدرتهم على توظيف القضية الفلسطينية، التي لا تزال تحظى بتعاطف واسع داخل المجتمع اليمني.
صراع الأجيال.. الحوثيون بين التعبئة العقائدية والهوية الجمهورية
ترصد الدراسة تحولات اجتماعية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، تتعلق باختلاف طبيعة العلاقة بين الأجيال المتعاقبة والجماعة.
ففي حين ارتبط عدد من القيادات القبلية والمقاتلين الأقدم بالحوثيين عبر المصالح والتحالفات المحلية، تسعى الجماعة منذ سنوات إلى بناء جيل جديد يتبنى أفكارها الدينية والسياسية بصورة أكثر رسوخاً.
وبدأت هذه الجهود عبر الجمعيات والمخيمات الصيفية والبرامج الدينية المرتبطة بحركة «الشباب المؤمن»، قبل أن تتوسع بعد السيطرة على صنعاء لتشمل المناهج التعليمية والدورات الفكرية والأنشطة العسكرية والتعبوية.
وتقول الدراسة إن الهدف من هذه البرامج يتمثل في إعادة تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية للشباب، بحيث يتقدم الولاء للجماعة على الانتماءات القبلية والوطنية.
كما تشير إلى محاولات تقليص حضور الرموز الجمهورية والمناسبات الوطنية، مقابل تكثيف الأنشطة المرتبطة بالمناسبات والشعارات الخاصة بالحوثيين.
لكن هذه الجهود تواجه تحديات، من بينها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح للشباب مقارنة أوضاعهم المعيشية والاقتصادية بفرص الحياة والعمل في دول الخليج وآسيا.
وتبرز ذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962، وفق الدراسة، بوصفها أحد الرموز التي يلجأ إليها بعض الشباب للتعبير عن تمسكهم بالنظام الجمهوري ورفض احتكار السلطة على أساس النسب.
وترى الدراسة أن التنافس بين المشروع التعبوي الحوثي والهوية الجمهورية يمثل أحد أوجه الصراع الاجتماعي طويل المدى في شمال اليمن.
الاعتراض على الهيمنة السلالية يمتد إلى البيئة الزيدية
لا تقتصر التوترات التي تواجه الحوثيين على الخلافات الاقتصادية والسياسية، بل تشمل أيضاً طبيعة التصور الذي تتبناه الجماعة بشأن السلطة والقيادة.
وتشير الدراسة إلى أن فكرة أحقية فئة نسبية معينة بالحكم لا تحظى بقبول عام في المجتمع اليمني، وأن ثورة 26 سبتمبر مثّلت تحولاً تاريخياً في رفض احتكار السلطة على أساس النسب.
وتبرز هذه التوترات بصورة خاصة في المناطق ذات الغالبية الشافعية، مثل إب وتعز وأجزاء من تهامة، حيث تثير سياسات تعيين المشرفين المرتبطين بالجماعة فوق المؤسسات المحلية اعتراضات اجتماعية وسياسية ومذهبية.
لكن الدراسة تؤكد أن الاعتراض لا يقتصر على هذه المناطق، إذ توجد تحفظات داخل البيئة الزيدية نفسها على بعض توجهات الحوثيين.
وتوضح أن العلاقة التاريخية بين القبائل والسادة في شمال اليمن قامت على التفاوض وتبادل الالتزامات، ولم تكن قائمة على الخضوع المطلق.
كما أن التراث السياسي الزيدي يتضمن مبدأ الخروج على الحاكم الجائر، وهو ما يخلق تناقضاً مع بعض ممارسات الجماعة في فرض السلطة.
وتتناول الدراسة أيضاً الجدل داخل الأوساط الزيدية بشأن تأثر الحوثيين ببعض الأفكار المرتبطة بالتشيع الإيراني ونظرية ولاية الفقيه، مع تأكيدها أن الجماعة لم تعلن تبني هذه النظرية بصورة رسمية.
وتشير إلى تعرض علماء زيديين، بينهم شخصيات هاشمية، للاعتقال بعد انتقادهم توجهات الجماعة الدينية والسياسية.
ثروات القيادات.. فجوة متزايدة بين النخبة والقاعدة القبلية
من أبرز التحولات التي ترصدها الدراسة تغير طبيعة بعض القيادات الحوثية التي برزت خلال حروب صعدة ثم تولت مناصب سياسية وعسكرية واقتصادية بعد السيطرة على صنعاء.
فقد تمكنت شخصيات نافذة داخل الجماعة، وفق الدراسة، من تكوين ثروات كبيرة خلال سنوات الحرب، مستفيدة من اقتصاد النزاع والامتيازات التجارية والفساد والاستيلاء على ممتلكات عامة وخاصة.
وترى الدراسة أن الحفاظ على هذه الثروات والمواقع أصبح أحد الاعتبارات الأساسية لدى بعض القيادات، مقارنة بالمراحل الأولى التي كانت تتسم بدرجة أعلى من التماسك والتضحية المشتركة.
وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الامتيازات التي تستحوذ عليها النخبة الحوثية والمنافع التي تصل إلى القاعدة القبلية والمقاتلين.
وتكمن خطورة هذا التحول في أن الجماعة تحتاج، في ظل تراجع الموارد، إلى المزيد من الأموال للحفاظ على ولاء حلفائها، بينما تتزايد لدى بعض قياداتها دوافع الاحتفاظ بمكاسبها الخاصة.
وبذلك، تصبح أزمة التحالفات القبلية مرتبطة ليس فقط بحجم الموارد المتاحة، بل أيضاً بطريقة توزيعها داخل الجماعة، ومدى استعداد القيادات النافذة لتحمل كلفة استمرار شبكة الولاءات.
احتجاجات قبلية واعتقالات.. مؤشرات على تصاعد السخط
تحدد الدراسة عدداً من المناطق التي تظهر فيها التوترات بين الحوثيين والمجتمعات القبلية بصورة أوضح، خصوصاً في أطراف مناطق سيطرة الجماعة.
وتشير إلى مناطق نهم وبني ضبيان وأرحب شرقي صنعاء، بوصفها مناطق شهدت اعتراضات وتحركات قبلية متقطعة رغم الحملات الأمنية التي استهدفت احتواءها.
كما تتحدث عن تزايد الاستياء في أجزاء من تهامة، نتيجة تدهور الخدمات واستغلال الموارد وغياب الفرص الاقتصادية.
وفي المقابل، تصف الدراسة العاصمة صنعاء بأنها أكثر مناطق الجماعة تحصيناً، بفعل تعدد حلقات الدفاع والرقابة الأمنية والاستخباراتية.
وتستعرض الورقة وقائع قالت إنها تعكس طبيعة الاحتقان، بينها مقتل الشيخ صالح حنتوس في محافظة ريمة في يوليو 2025، وما أعقب ذلك من انتهاكات طالت أفراداً من أسرته.
كما تشير إلى اعتقال ما لا يقل عن 200 رجل في ذمار خلال أكتوبر 2025، بتهم تتعلق بالانتماء إلى حزب الإصلاح، فضلاً عن حملات أمنية في تعز وإب استهدفت شخصيات ومجموعات معارضة.
واستناداً إلى بيانات مشروع «ACLED» لرصد النزاعات المسلحة، تذكر الدراسة أن محافظة إب شهدت نحو 40% من حالات الاقتتال الداخلي المسجلة في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة من يناير 2022 إلى يناير 2025.
وفي الجانب الحقوقي، تنقل الورقة عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن توثيق ما لا يقل عن 403 حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري بين أغسطس 2024 ويوليو 2025، نُسبت 306 حالات منها إلى الحوثيين.
كما تتناول حملات الاعتقال المرتبطة بإحياء ذكرى ثورة 26 سبتمبر عام 2025، والتشديد الأمني الذي أعقب مقتل رئيس الحكومة المعين من الحوثيين أحمد الرهوي في ضربة إسرائيلية خلال أغسطس من العام نفسه.
وترى الدراسة أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى دائرة متصاعدة من الاحتقان؛ إذ يدفع تزايد الاعتراضات الجماعة إلى توسيع الإجراءات الأمنية، بينما تؤدي هذه الإجراءات إلى مزيد من السخط وتراجع الثقة داخل المجتمعات المحلية.
لماذا لا يعني تراجع التحالفات قرب انهيار الحوثيين؟
على الرغم من مؤشرات الضعف التي تستعرضها الدراسة، فإن الباحث مايكل هورتون يحذر من الاستنتاج بأن جماعة الحوثي أصبحت على وشك الانهيار.
ويشير إلى أن الجماعة أثبتت قدرة كبيرة على التكيف مع ظروف عسكرية شديدة التعقيد، بدءاً من حروب صعدة الست، مروراً بالحرب التي قادها التحالف بقيادة السعودية، وصولاً إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ولا تزال الجماعة تسيطر، وفق الدراسة، على معظم شمال غربي اليمن، حيث يعيش جزء كبير من سكان البلاد، كما تحتفظ بأجهزة أمنية قادرة على مراقبة المجتمعات المحلية والتعامل مع التحركات المعارضة.
وتستند قوتها أيضاً إلى بنية عسكرية لامركزية تمنح القادة المحليين صلاحيات واسعة في إدارة العمليات والموارد والعلاقات القبلية.
وتوضح الدراسة أن مقتل قيادات عليا لا يؤدي بالضرورة إلى شلل هذه البنية، لأن الوحدات المحلية تمتلك خبرات ميدانية ومعرفة بالطرق والتضاريس وشبكات الإمداد.
كما طورت الجماعة، بحسب الدراسة، وسائل لإخفاء مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومرافق تجميعها، بما في ذلك داخل منشآت محصنة وتحت الأرض.
وتقارن الورقة هذه البنية بمفهوم «الدفاع الفسيفسائي» الإيراني، الذي يقوم على توزيع الصلاحيات بين وحدات شبه مستقلة، لكنها تؤكد أن اللامركزية الحوثية تطورت أساساً خلال حروب صعدة، قبل تعرف الجماعة إلى هذا المفهوم بصيغته الإيرانية.
مخاطر التصعيد.. المنشآت النفطية والملاحة في دائرة التهديد
تحذر الدراسة من أن الضغوط المتزايدة على الحوثيين قد لا تدفعهم بالضرورة إلى تقديم تنازلات، بل ربما تزيد استعدادهم لاستخدام أدوات التصعيد العسكري.
وتشير إلى أن الجماعة تمتلك خبرة في الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية، بعدما نفذت هجمات ضد أكثر من 130 سفينة في البحر الأحمر وخليج عدن، واستهدفت مواقع في السعودية وإسرائيل.
كما تستحضر الدراسة استهداف ناقلة نفط قرب ميناء ينبع السعودي في أواخر أغسطس 2025، بوصفه مثالاً على قدرة الجماعة على تهديد مسارات الطاقة والتجارة.
وتحذر من أن تراجع الدعم الإيراني، أو تصاعد الضربات العسكرية، أو مقتل قيادات مؤثرة، أو تعرض الجماعة لهجوم حكومي واسع، قد يدفعها إلى تبني استراتيجية تصعيدية تستهدف منشآت حيوية داخل اليمن وخارجه.
وتشمل السيناريوهات التي تتناولها الدراسة احتمال استهداف خط أنابيب النفط السعودي الممتد من شرق المملكة إلى غربها، أو مصافي النفط الواقعة ضمن مدى الطائرات المسيّرة، إضافة إلى منشآت يمنية استراتيجية، بينها محطة بلحاف للغاز الطبيعي المسال.
وتؤكد أن أي هجمات واسعة على هذه المنشآت ستكون لها تداعيات تتجاوز الأطراف العسكرية المباشرة، وقد تعرقل التعافي الاقتصادي اليمني وتؤثر في إمدادات الطاقة والتجارة الإقليمية.
وتبرز هنا إحدى أهم خلاصات الدراسة، وهي أن ضعف الجماعة داخلياً لا يعني بالضرورة تراجع خطورتها العسكرية، بل قد يجعلها أكثر ميلاً إلى استخدام التصعيد الخارجي لتعويض خسائرها السياسية والاقتصادية.
شبكات إمداد بديلة.. الحوثيون يبحثون عن خيارات تتجاوز إيران
تتناول الدراسة مساعي الحوثيين لتنويع مصادر الإمداد العسكري واللوجستي، بهدف تقليل اعتمادهم على إيران بوصفها مصدراً رئيسياً للدعم.
وفي هذا السياق، تشير إلى تطور علاقات لوجستية بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب الصومالية، تتعلق باستخدام شبكات التهريب ونقل مكونات الأسلحة ومواد أخرى عبر مسارات القرن الأفريقي.
وتؤكد الدراسة أن هذه العلاقات لا تعني وجود توافق عقائدي بين الأطراف، وإنما تعكس تقاطعاً في المصالح العملية واللوجستية.
كما تتناول اعتراض السلطات اليمنية في عدن، خلال أغسطس 2025، حاوية قادمة من الصين، قال محققون إنها كانت تحتوي على مكونات تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وترى الدراسة أن هذه الوقائع تشير إلى سعي الجماعة لبناء شبكة إمداد متعددة المسارات، تشمل جهات وشبكات تجارية وغير حكومية، بما يقلل من تأثير فقدان أي مصدر منفرد.
وعليه، فإن أي تراجع كبير في الدعم الإيراني قد يرفع كلفة العمليات العسكرية الحوثية ويضاعف الضغوط المالية، لكنه لا يعني بالضرورة توقف قدرات الجماعة بصورة فورية.
الحكومة اليمنية.. هل تستطيع استثمار التصدعات؟
تربط الدراسة مستقبل التحالفات القبلية الحوثية بقدرة الحكومة اليمنية على تقديم بديل سياسي وعسكري أكثر تماسكاً واستقراراً.
وتوضح أن القبائل التي تتراجع ثقتها بالحوثيين لا تتخذ قرار الابتعاد عن الجماعة بناءً على مستوى السخط وحده، وإنما توازن بين ثلاثة اعتبارات أساسية: حجم المنافع التي تحصل عليها، وقدرة الجماعة على معاقبة المعارضين، ووجود بديل قادر على توفير الحماية والاستقرار.
وفي هذا الإطار، تتناول الدراسة التطورات العسكرية والسياسية التي شهدها اليمن مطلع عام 2026، بما فيها العملية العسكرية المدعومة سعودياً في يناير، عقب تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر 2025.
وترى أن هذه التطورات أسهمت في استعادة الحكومة قدراً من سلطتها في معظم مناطق الجنوب، إلى جانب إحراز تقدم محدود في جهود إعادة تنظيم سلاسل القيادة داخل القوات الحكومية.
كما تشير إلى استمرار سيطرة الحكومة على المناطق النفطية في مأرب، وما تمثله من أهمية اقتصادية واستراتيجية في موازين الصراع.
لكن الدراسة لا تتجاهل التحديات التي تواجه الحكومة، وفي مقدمتها تشتت السلطة، وضعف الموارد، والفساد، والاعتماد على الدعم الخارجي.
وتؤكد أن نجاح الحكومة في استثمار التصدعات داخل مناطق الحوثيين يتطلب أكثر من تحقيق تقدم عسكري؛ إذ يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، وتحسين الخدمات، وتوفير الأمن، وإثبات قدرتها على حماية المصالح القبلية والمحلية.
فكلما نجحت الحكومة في تقديم نموذج حكم أكثر استقراراً، زادت احتمالات إعادة بعض القبائل النظر في تحالفاتها القائمة.
اختبار البقاء.. هل تتخلى القبائل عن الحوثيين؟
تخلص الدراسة إلى أن التحالفات القبلية التي أسهمت في صعود الحوثيين لم تكن جميعها قائمة على قناعة عقائدية راسخة، وإنما اعتمد جزء مهم منها على منظومة مصالح متبادلة تجمع بين الامتيازات الاقتصادية والقوة العسكرية والأمنية.
ومع تراجع الموارد، تتقلص قدرة الجماعة على شراء الولاءات وتمويل شبكات الرعاية، بينما يؤدي التوسع في الجبايات والمصادرات والإجراءات القمعية إلى زيادة السخط داخل المجتمعات المحلية.
غير أن هذه التصدعات لا تعني انهيار الجماعة تلقائياً، في ظل استمرار امتلاكها أدوات أمنية وعسكرية وشبكات إمداد قادرة على امتصاص الضغوط.
وتحدد الدراسة عاملين حاسمين لمستقبل هذه التحالفات: قدرة الحوثيين على توزيع المنافع الاقتصادية، وقدرتهم على معاقبة المعارضين وفرض السيطرة.
فإذا تراجعت إحدى هاتين القدرتين، قد تبدأ شبكة الولاءات القبلية بفقدان تماسكها تدريجياً، أما إذا ضعفتا معاً، فقد تتسع فرص حدوث تحولات أكبر في موازين القوى داخل مناطق سيطرة الجماعة.
وفي المقابل، سيظل وجود بديل حكومي قادر على توفير الأمن والاستقرار والخدمات عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه هذه التحولات.
وبذلك، فإن التحدي الذي يواجه الحوثيين لا يقتصر على الجبهات العسكرية أو الضربات الخارجية، بل يمتد إلى البيئة الاجتماعية والقبلية التي شكّلت أحد أهم أعمدة صعودهم.
وتضع الدراسة مستقبل الجماعة أمام سؤال محوري: إلى متى تستطيع القبائل الاستمرار في تحمل كلفة تحالف تتراجع منافعه الاقتصادية، وتتزايد أعباؤه السياسية والأمنية، بينما تتسع الفجوة بين مصالح القيادات الحوثية ومصالح المجتمعات المحلية؟




التعليقات