‏وقفة جماهيرية حاشدة ..مارب ‏تبادل الوفاء بالوفاء ‏
مع الأشقاء في المملكة ودول الخليج




أربعة رؤساء في صورة واحدة بلندن عام 1966؟ حقيقة رواية تجمع القذافي وهادي وعيدي أمين وولد الطايع


يني يمن – تقرير خاص

أثارت صورة قديمة بالأبيض والأسود، يظهر فيها أربعة شبان يرتدون بدلات رسمية ويقفون في مكان مفتوح، تساؤلات واسعة بشأن رواية متداولة تزعم أنها التُقطت في العاصمة البريطانية لندن عام 1966، وأن أصحابها أصبحوا لاحقاً رؤساء لأربع دول عربية وأفريقية.

وتنسب الرواية الصورة إلى الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، والرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، والرئيس الأوغندي الأسبق عيدي أمين دادا، والرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

وتذهب بعض المنشورات المتداولة إلى أبعد من ذلك، إذ تربط الصورة بما تصفه بخطة استخباراتية بريطانية لإعداد ضباط شباب من دول عربية وأفريقية، وتدريبهم على تولي السلطة في بلدانهم، قبل أن يصبحوا لاحقاً قادة عسكريين ورؤساء دول.

غير أن مراجعة الوقائع التاريخية المتاحة تكشف أن الرواية تجمع بين أحداث حقيقية ومعلومات غير دقيقة واستنتاجات لا تستند إلى وثائق منشورة يمكن التحقق منها.

صورة بلا مصدر أصلي.. من هم الأشخاص الأربعة؟

تُظهر الصورة أربعة رجال يقفون متجاورين أمام خلفية تضم أشجاراً ونباتات، ويرتدون ملابس رسمية، فيما تبدو ملامحهم غير واضحة بسبب انخفاض جودة النسخة المتداولة.

وتزعم منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أن الرجال الأربعة أصبحوا لاحقاً رؤساء لليبيا واليمن وأوغندا وموريتانيا.

لكن الصورة المتاحة لا تحمل معلومات توثيقية تحدد تاريخ التقاطها أو مكانها أو اسم المصور، كما لم تتوافر نسخة أرشيفية أصلية تتضمن أسماء الأشخاص الظاهرين فيها.

وبالتالي، لا يمكن تأكيد أن الشخصيات الأربع المذكورة هي بالفعل من يظهرون في الصورة، أو أنها التُقطت في لندن عام 1966.

معمر القذافي.. تدريب في بريطانيا وانقلاب عام 1969

من الوقائع التاريخية المعروفة أن معمر القذافي تلقى تدريباً عسكرياً في بريطانيا خلال ستينيات القرن الماضي، ضمن مسيرته العسكرية قبل وصوله إلى السلطة.

وفي الأول من سبتمبر 1969، قاد القذافي مع مجموعة من الضباط انقلاباً عسكرياً أطاح بالنظام الملكي في ليبيا، واستمر في حكم البلاد حتى سقوط نظامه عام 2011، بعد نحو 42 عاماً.

لكن وجود القذافي في بريطانيا خلال تلك المرحلة لا يثبت أنه ظهر في الصورة المتداولة، ولا أنه التقى بقية الشخصيات المذكورة فيها.

كما أن التدريب العسكري الخارجي، الذي كان شائعاً بين ضباط دول عديدة خلال تلك الحقبة، لا يشكل بحد ذاته دليلاً على وجود ارتباط استخباراتي أو خطة مسبقة للوصول إلى الحكم.

عيدي أمين.. من الجيش الاستعماري إلى رئاسة أوغندا

أما عيدي أمين دادا، فقد خدم في القوات العسكرية البريطانية بشرق أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، قبل أن يتدرج في المناصب العسكرية بعد استقلال أوغندا.

وفي يناير 1971، استولى أمين على السلطة بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس ميلتون أوبوتي، واستمر حكمه حتى عام 1979.

وشهدت فترة حكمه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وتشير تقديرات تاريخية إلى مقتل أعداد كبيرة من الأوغنديين خلال تلك السنوات.

ورغم ارتباط مسيرته العسكرية المبكرة بالمؤسسة العسكرية البريطانية، فإن ذلك لا يثبت مشاركته في لقاء جمعه بالقذافي وهادي وولد الطايع في لندن عام 1966.

عبد ربه منصور هادي.. الوصول إلى الرئاسة عبر تسوية سياسية

وتتضمن الرواية المتداولة خطأ تاريخياً واضحاً عندما تضع عبد ربه منصور هادي ضمن قادة وصلوا إلى السلطة بانقلابات عسكرية.

فهادي لم يتولَّ الرئاسة بانقلاب، وإنما وصل إليها في فبراير 2012، عقب تسوية سياسية لنقل السلطة من الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في إطار المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

وكان هادي قد شغل مناصب عسكرية وسياسية متعددة، أبرزها منصب نائب رئيس الجمهورية منذ عام 1994.

وعلى الرغم من مسيرته العسكرية، لا تتوافر وثائق موثوقة تربطه بالصورة المتداولة أو تثبت مشاركته في لقاء ضم القذافي وعيدي أمين وولد الطايع في بريطانيا.

معاوية ولد الطايع.. الرئيس الرابع في الرواية

أضافت روايات متداولة اسم الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع إلى قائمة الشخصيات التي يُزعم ظهورها في الصورة.

وكان ولد الطايع ضابطاً في الجيش الموريتاني، ووصل إلى السلطة بانقلاب عسكري في 12 ديسمبر 1984، واستمر في الحكم حتى الإطاحة به في انقلاب آخر يوم 3 أغسطس 2005.

وبذلك حكم موريتانيا نحو 21 عاماً، وليس ربع قرن كما تذكر بعض المنشورات.

لكن إدراج اسمه ضمن الأشخاص الأربعة في الصورة لا يستند إلى وثيقة فوتوغرافية أصلية أو مصدر تاريخي موثوق يحدد هوياتهم.

هل جمعتهم بريطانيا في برنامج عسكري واحد؟

تزعم الرواية أن بريطانيا كانت تدير برامج تدريبية خاصة لضباط من دول عربية وأفريقية، وأن القادة الأربعة التقوا خلال إحدى تلك الدورات عام 1966.

ومن المعروف تاريخياً أن بريطانيا استقبلت ضباطاً عسكريين من دول مختلفة للتدريب في مؤسساتها العسكرية، خصوصاً من البلدان التي كانت تربطها بها علاقات استعمارية أو دفاعية.

غير أن وجود هذه البرامج لا يثبت أن الشخصيات الأربع شاركت في دورة واحدة أو أقامت في المكان نفسه أو اجتمعت لالتقاط الصورة.

كما أن الرواية لا تقدم سجلات التحاق عسكرية أو وثائق سفر أو مراسلات رسمية تثبت وجود الرجال الأربعة في لندن خلال الفترة نفسها.

المخابرات البريطانية وصناعة الرؤساء.. أين الأدلة؟

تربط بعض المنشورات الصورة بنظرية مفادها أن أجهزة الاستخبارات البريطانية كانت تختار ضباطاً شباباً من الدول المستقلة حديثاً، وتعمل على إعدادهم للوصول إلى السلطة، بهدف ضمان استمرار النفوذ البريطاني.

وتزعم الرواية وجود وثائق مسربة تكشف برامج لتدريب هؤلاء الضباط على إدارة الحكم ومواجهة التيارات السياسية المناوئة للمصالح الغربية.

لكن النصوص المتداولة لا تحدد أسماء هذه الوثائق أو أرقامها في الأرشيف البريطاني، ولا تقدم أدلة مباشرة على وجود برنامج استخباراتي مشترك يضم القذافي وهادي وعيدي أمين وولد الطايع.

ومن المهم التمييز بين النفوذ البريطاني التاريخي في أفريقيا والعالم العربي، الذي تناولته دراسات ووثائق عديدة، وبين اتهام محدد بتصنيع قادة سياسيين بعينهم.

فإثبات الادعاء الثاني يتطلب وثائق أصلية أو شهادات موثوقة أو سجلات رسمية، وليس مجرد صورة غير معروفة المصدر.

أربعة رؤساء في صورة واحدة.. هل هي صدفة مستحيلة؟

تستند الرواية كذلك إلى حجة إحصائية تزعم أن احتمال اجتماع ثلاثة أو أربعة رؤساء مستقبليين في صورة واحدة ضئيل للغاية، وتقدم أرقاماً من قبيل «واحد في المليار».

لكن هذه الأرقام لا تستند إلى حساب إحصائي موثق، ولا توضح حجم العينة أو طبيعة الاحتمالات التي بُنيت عليها.

كما أن وجود شخصيات أصبحت لاحقاً ذات نفوذ سياسي في صورة جماعية، حتى لو ثبت، لا يعني بالضرورة أن اجتماعها كان جزءاً من خطة سياسية أو استخباراتية.

والأهم أن النقاش حول المصادفة أو التخطيط لا يمكن حسمه قبل إثبات الواقعة الأساسية، وهي هوية الأشخاص الأربعة وتاريخ التقاط الصورة ومكانها.

ما الذي يمكن تأكيده تاريخياً؟

تُظهر مراجعة الوقائع التاريخية أن القذافي تلقى تدريباً عسكرياً في بريطانيا قبل وصوله إلى الحكم، وأن عيدي أمين خدم في القوات العسكرية المرتبطة بالإدارة البريطانية في شرق أفريقيا.

كما أن القذافي وعيدي أمين وولد الطايع وصلوا إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية، بينما تولى عبد ربه منصور هادي الرئاسة من خلال عملية انتقال سياسي عام 2012.

لكن هذه الوقائع، على صحتها التاريخية، لا تثبت وجود الشخصيات الأربع في صورة واحدة أو مشاركتها في برنامج بريطاني مشترك.

نتيجة التحقيق

خلصت مراجعة المعلومات المتاحة إلى أن الرواية التي تزعم اجتماع أربعة رؤساء مستقبليين في لندن عام 1966 لا تستند، في صورتها المتداولة، إلى دليل أرشيفي حاسم.

فلم يثبت تاريخ الصورة أو مكان التقاطها، ولم تتأكد هويات الأشخاص الأربعة من مصدر أصلي موثوق.

كما لم تتوافر أدلة مباشرة على وجود خطة استخباراتية بريطانية مشتركة لإعداد هؤلاء الأشخاص للوصول إلى رئاسة بلدانهم.

وعليه، فإن الادعاء لا يمكن اعتباره حقيقة تاريخية مثبتة، كما لا يمكن الجزم بأن الصورة مزيفة دون العثور على أصلها والتحقق من بياناتها.

وتبقى الصورة مثالاً على كيفية تحول مادة فوتوغرافية قديمة، مجهولة المصدر، إلى رواية سياسية واسعة تتداخل فيها الوقائع التاريخية مع التكهنات والاستنتاجات غير الموثقة.

اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا