صدام النظيف ينال الدكتوراه بامتياز عن دراسة أكاديمية لواقع الصحفيين العرب المهاجرين في تركيا
نال الباحث والصحفي صدام النظيف درجة الدكتوراه في الإعلام بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة مرسين الحكومية في تركيا، عن أطروحته الموسومة «الصحفيون المهاجرون في تركيا»، التي قدمت دراسة علمية موسعة لتجربة الصحفيين العرب المهاجرين، من خلال مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الجوانب المهنية والاجتماعية والقانونية والثقافية.
وركزت الأطروحة بصورة خاصة على مدينة إسطنبول باعتبارها مركزاً رئيسياً للنشاط الإعلامي العربي في تركيا، في ظل وجود أكثر من 50 مؤسسة ومنصة إعلامية عربية متنوعة، إلى جانب مكاتب وممثليات لوسائل إعلام عربية ودولية.
وسعت الدراسة إلى تحليل مسارات هجرة الصحفيين العرب، بدءاً من العوامل التي دفعتهم إلى مغادرة بلدانهم واختيار تركيا وجهةً للهجرة، مروراً بتجاربهم المهنية والاجتماعية في البيئة الجديدة، وصولاً إلى تصوراتهم بشأن مستقبلهم المهني والاستقرار بعد سنوات من الإقامة.
كما بحثت الأطروحة ظروف العمل التي يواجهها الصحفيون المهاجرون، والتحديات القانونية والمهنية والاجتماعية المرتبطة بتجربتهم، ومستويات اندماجهم في المجتمع التركي، وطبيعة علاقاتهم المهنية مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التركية، فضلاً عن تأثير الهجرة في هويتهم وممارساتهم الصحفية وأدوارهم في المجتمعات الأصلية والمضيفة.
منهجية بحثية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي
اعتمدت الأطروحة على المنهج الوصفي التحليلي ضمن منهجية بحثية مختلطة جمعت بين الأدوات الكمية والنوعية، بما أتاح دراسة الظاهرة من زوايا متعددة.
وشملت الدراسة الميدانية 221 صحفياً عربياً ينتمون إلى 15 دولة ويعملون في إسطنبول، شاركوا في الاستبيان، إلى جانب إجراء 20 مقابلة معمقة شبه منظمة مع صحفيين، بهدف الوصول إلى فهم أكثر شمولاً لتجاربهم، مع مراعاة اختلاف الجنسيات والخلفيات المهنية ودوافع الهجرة وظروف العمل والإقامة.
الحروب والقمع وحرية التعبير في مقدمة دوافع الهجرة
وأظهرت نتائج الدراسة أن الحروب والقمع السياسي والقيود المفروضة على حرية التعبير والمخاوف الأمنية شكلت أبرز العوامل الدافعة إلى هجرة الصحفيين العرب من بلدانهم.
وفي المقابل، أسهمت عوامل عدة في اختيار تركيا وجهةً للهجرة والعمل، من بينها الشعور بالأمان، ومساحة الحرية الإعلامية مقارنة ببلدان المنشأ، والتقارب الثقافي والديني، فضلاً عن توافر فرص للعمل في المؤسسات والمنصات الإعلامية العربية الموجودة في تركيا.
وكشفت الدراسة في الوقت نفسه عن مجموعة من التحديات التي تواجه الصحفيين المهاجرين، وفي مقدمتها حاجز اللغة، والوضع القانوني، وتصاريح العمل، والضمان الاجتماعي، وصعوبات الاندماج، ومحدودية بناء العلاقات المهنية والاجتماعية مع الوسط الإعلامي التركي.
تباين في تصورات الصحفيين لمستقبلهم
وسجلت نتائج الأطروحة تبايناً لافتاً في تصورات الصحفيين العرب بشأن مستقبلهم؛ فبالرغم من تقييم نسبة كبيرة منهم مستوى الحرية وظروف ممارسة العمل الصحفي في تركيا بصورة أفضل مقارنة ببلدانهم الأصلية، فإن رؤيتهم للاستقرار طويل الأمد لم تكن موحدة.
وتوزعت توجهاتهم بين من يفكرون في الانتقال مستقبلاً إلى دولة أخرى، ومن يربطون العودة إلى بلدانهم الأصلية بتحسن الأوضاع السياسية والأمنية، وآخرين يرون في تركيا خياراً للاستقرار طويل الأمد.
هوية إعلامية عابرة للحدود
وخلصت الأطروحة إلى أن تجربة الصحفيين العرب في تركيا تتجاوز مفهوم الهجرة المهنية التقليدية، إذ أسهمت سنوات الإقامة والعمل خارج بلدانهم في تشكيل ما يمكن وصفه بهوية إعلامية عابرة للحدود.
وأصبح الصحفيون المهاجرون، وفق نتائج الدراسة، فاعلين في نقل المعلومات وإنتاج المحتوى الإعلامي الموجه إلى الجمهور العربي، إلى جانب دورهم في بناء جسور إعلامية وثقافية بين تركيا والعالم العربي.
ومع ذلك، أظهرت النتائج أن حضور هؤلاء الصحفيين وتأثيرهم داخل المجتمع والمشهد الإعلامي التركي لا يزالان محدودين نسبياً، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها حاجز اللغة، وضعف مستويات الاندماج والعلاقات المهنية، إضافة إلى تركيز جانب كبير من إنتاجهم الصحفي على قضايا بلدانهم الأصلية والجمهور العربي.
وبناءً على ذلك، يبدو حضور الصحفيين العرب أكثر وضوحاً داخل الفضاء الإعلامي العربي والعابر للحدود مقارنة بحضورهم داخل المنظومة الإعلامية التركية.
توصيات لتعزيز الاندماج المهني والقانوني
وقدمت الأطروحة مجموعة من التوصيات، من بينها تطوير آليات الدعم القانوني والمهني للصحفيين المهاجرين، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، وتعزيز برامج التدريب والتأهيل وتعليم اللغة التركية، بما يسهم في رفع مستويات اندماجهم المهني والاجتماعي.
كما أوصت بتعزيز العلاقات بين الصحفيين العرب ونظرائهم الأتراك، وتشجيع التعاون بين المؤسسات الإعلامية العربية والتركية، بما يسمح بالاستفادة من الخبرات المهنية التي اكتسبها الصحفيون العرب خلال سنوات عملهم وإقامتهم في تركيا.
إشادة أكاديمية وتوصية بترجمة الأطروحة
وأشادت لجنة المناقشة بالقيمة العلمية والبحثية للأطروحة، التي جاءت في نحو 400 صفحة وقدمت معالجة موسعة للظاهرة من أبعادها النظرية والميدانية والمهنية والاجتماعية.
واعتبرت الأطروحة، وفق ما ورد بشأن تقييم اللجنة، من الدراسات الأولى من نوعها التي تتناول واقع الصحفيين العرب في الشتات بهذه الدرجة من الشمول والتوسع.
وأوصت لجنة المناقشة بطباعة الأطروحة وترجمتها من اللغة التركية إلى اللغتين العربية والإنجليزية، لما يحمله موضوعها ونتائجها من أهمية علمية، ولإتاحة الاستفادة منها أمام الباحثين والمؤسسات الإعلامية والجهات المعنية بقضايا الصحافة والهجرة على نطاق أوسع.




التعليقات