إشادة حكومية بقيادات حوثية متهمة بارتكاب جرائم بالمعتقلين تفجر غضباً واسعاً.. ودعوة للمحاسبة
أثارت تصريحات أدلى بها مسؤول رفيع في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً موجة واسعة من الجدل والاستياء في الأوساط الحقوقية والإعلامية، بعد إشادته بأداء قيادات حوثية بارزة خلال مفاوضات الأسرى، رغم ارتباط أسمائها بملفات تتعلق بالاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب داخل سجون ميليشيات الحوثي.
وجاءت التصريحات على لسان وكيل وزارة حقوق الإنسان والمتحدث الرسمي باسم الوفد الحكومي في مفاوضات الأسرى، ماجد فضائل، خلال مقابلة تلفزيونية بثتها قناة "اليمن اليوم"، تناول فيها نتائج جولة المفاوضات الأخيرة التي استضافتها العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة.
وقال فضائل إن وفد الحوثيين المفاوض أظهر "نضجاً كبيراً" في إدارة العملية التفاوضية، مشيداً بشكل خاص برئيس الوفد الحوثي عبدالقادر المرتضى وعضو الوفد مراد قاسم المعروف بـ"أبو حسين"، مؤكداً أن لهما دوراً مهماً في إنجاز صفقة تبادل الأسرى الأخيرة.
وأضاف فضائل أن القياديين الحوثيين أظهرا "إحساساً بالمسؤولية وحرصاً على إنجاح العملية"، وهي تصريحات اعتبرها كثيرون غير متوقعة، خصوصاً أنها صدرت عن مسؤول حكومي يشغل منصباً مرتبطاً مباشرة بملف حقوق الإنسان.
انتقادات حقوقية وإعلامية
وأشعلت تلك التصريحات موجة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى ناشطون وصحفيون أن الإشادة بقيادات حوثية متهمة بإدارة السجون والإشراف على انتهاكات بحق المختطفين تمثل تجاوزاً لحساسية الملف الإنساني وتجاهلاً لمعاناة آلاف الضحايا وأسرهم.
الصحفي اليمني مأرب الورد كان من أبرز المنتقدين، إذ وصف تصريحات فضائل بأنها تجاوزت حدود اللغة الدبلوماسية المعتادة، معتبراً أن المسؤول الحكومي قدم شهادة إيجابية غير مسبوقة بحق شخصيات ارتبطت أسماؤها بملفات شائكة تتعلق بالمختطفين والانتهاكات.
وقال الورد إن الإشادة التي صدرت عن عضو في الوفد الحكومي المفاوض منحت الحوثيين مكسباً إعلامياً ومعنوياً كبيراً، مشيراً إلى أن مثل هذه التصريحات كان يفترض أن تترافق مع تذكير واضح بسجل الانتهاكات المنسوب إلى الجماعة، لا أن تركز فقط على الجانب التفاوضي.
مختطف سابق يطرح تساؤلات مؤلمة
من جهته، عبّر الصحفي والمختطف السابق لدى الحوثيين أكرم الوليدي عن استغرابه من مضمون التصريحات، متسائلاً عمن سيحمل صوت الضحايا إذا كان المسؤولون المعنيون بحقوق الإنسان يركزون على الجوانب الإيجابية لدى الجهة المتهمة بارتكاب الانتهاكات.
وأكد الوليدي أن الحديث عن المرونة في المفاوضات لا ينبغي أن يحجب الحقائق المتعلقة بملفات التعذيب والإخفاء القسري وأحكام الإعدام والانتهاكات التي تعرض لها آلاف المختطفين خلال سنوات الحرب.
وأضاف أن الضحايا وأسرهم ما زالوا ينتظرون العدالة وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مشدداً على أن التقدم في مسار المفاوضات لا يجب أن يكون على حساب الذاكرة الحقوقية أو حقوق المتضررين.
مخاوف من تراجع الخطاب الحقوقي
بدوره، وصف الناشط إبراهيم عبدالقادر تصريحات فضائل بأنها "صادمة"، معتبراً أنها حملت قدراً كبيراً من التساهل تجاه قيادات حوثية تواجه اتهامات خطيرة في ملف السجون والانتهاكات.
وأشار إلى أن المسؤولين المشاركين في مثل هذه الملفات الحساسة مطالبون بالحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات التفاوض والالتزام الأخلاقي والحقوقي تجاه الضحايا، محذراً من أن أي خطاب يتجاهل معاناة المختطفين قد يبعث برسائل سلبية إلى أسرهم.
وأضاف أن نجاح المفاوضات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقديم صورة إيجابية عن شخصيات ما زالت تواجه اتهامات حقوقية جسيمة، مؤكداً أن دور ممثلي الدولة يجب أن ينطلق أولاً من الدفاع عن الضحايا وإنصافهم.
منظمات حقوقية: التفاوض ضرورة.. لكن دون تلميع المتهمين
وفي السياق ذاته، قال رئيس منظمة "شهود لحقوق الإنسان" فائز صالح محمد إن المقابلة التلفزيونية أثارت تساؤلات عديدة حول طبيعة الخطاب المستخدم تجاه وفد الحوثيين، مشيراً إلى أن الإشادة المتكررة بعبدالقادر المرتضى و"أبو حسين" أغفلت الاتهامات الحقوقية المرتبطة بهما.
وأوضح أن التفاوض مع الحوثيين يبقى ضرورة إنسانية لاستعادة الأسرى والمختطفين، لكنه شدد على ضرورة الفصل بين متطلبات العملية التفاوضية وبين منح توصيفات إيجابية قد تُفهم باعتبارها تبرئة أو تلميعاً لشخصيات مرتبطة بملفات انتهاكات.
وأكد أن الخطاب الحقوقي يجب أن يبقى واضحاً وثابتاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف المختطفين والمخفيين قسرياً، باعتباره أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً في اليمن.
ملف لا يزال مفتوحاً
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه تقارير حقوقية محلية ودولية استمرار وجود آلاف المختطفين والمخفيين قسرياً في سجون ميليشيات الحوثي، وسط مطالبات متواصلة بالكشف عن مصيرهم وإطلاق سراحهم ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
ويرى مراقبون أن الجدل الذي أثارته تصريحات المسؤول الحكومي يعكس حساسية ملف الأسرى والمختطفين في اليمن، ويؤكد أن أي حديث عن نجاحات تفاوضية لا يمكن أن ينفصل عن معاناة الضحايا وحقوقهم في العدالة والإنصاف.




التعليقات