أنور العنسي يروي شهادة للتاريخ : من ست حروب إلى رصاصة الغدر.. كيف انتهى تحالف صالح والحوثيين بمقتل الرئيس الذي صنع خصومه؟
شكّل مقتل الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2017 واحدة من أكثر المحطات الدرامية والجدلية في تاريخ اليمن الحديث، بعدما انتهت علاقة سياسية وعسكرية معقدة جمعته بميليشيا الحوثي إلى مواجهة دامية أودت بحياته وحياة الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي العام عارف الزوكا.
ورغم مرور سنوات على تلك الحادثة التي غيّرت مسار الحرب اليمنية، فإن الكثير من التفاصيل والكواليس المرتبطة بذلك التحالف وما انتهى إليه لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية اليمنية.
وفي شهادة مطولة نشرها الصحفي اليمني البارز **أنور العنسي** ضمن تقرير بمجلة **"المجلة"** الصادرة من لندن، بعنوان **"علي عبدالله صالح.. تحالف مع الحوثيين فقتلوه"**، كشف العنسي تفاصيل وخلفيات العلاقة التي جمعت الطرفين، وكيف تحولت من شراكة سياسية وعسكرية إلى مواجهة انتهت بمقتل الرئيس السابق ونائبه عارف الزوكا، في واحدة من أكثر النهايات مأساوية في تاريخ الصراعات اليمنية المعاصرة.
سقوط النظام وبداية التحول
بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في الحكم، وجد علي عبدالله صالح نفسه خارج السلطة عقب الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت اليمن عام 2011 ضمن موجة الربيع العربي.
ورغم توقيعه على المبادرة الخليجية وتسليمه السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي، إلا أن صالح لم يغادر المشهد السياسي فعلياً، بل احتفظ بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، وظل لاعباً رئيسياً في معادلة القوة اليمنية.
وخلال تلك المرحلة المضطربة بدأت تتشكل ملامح تحالف غير متوقع بين الرئيس السابق وخصومه السابقين، جماعة الحوثي، الذين خاض ضدهم ست حروب دامية في محافظة صعدة بين عامي 2004 و2010.
لماذا تحالف صالح مع الحوثيين؟
بحسب رواية أنور العنسي، فإن قرار صالح بالتقارب مع الحوثيين لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة مجموعة من الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة.
العامل الأول تمثل في رغبة الرئيس السابق في مواجهة خصومه الذين لعبوا دوراً محورياً في الاحتجاجات الشعبية التي أنهت حكمه، وعلى رأسهم قيادات عسكرية وسياسية بارزة انحازت للثورة الشبابية.
أما العامل الثاني فكان قناعته بأن المرحلة الانتقالية التي أعقبت رحيله لم تنجح في الحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها، وأن إدارة الرئيس عبدربه منصور هادي لم تتمكن من احتواء الانقسامات المتصاعدة داخل البلاد.
في حين تمثل العامل الثالث في اعتقاده بإمكانية توظيف الحوثيين كأداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، وإضعاف خصومه تمهيداً لاستعادة نفوذه بصورة أو بأخرى.
الوسطاء الذين صنعوا التحالف
يكشف العنسي أن الطريق نحو التحالف لم يكن مباشراً، بل مر عبر شخصيات لعبت أدواراً محورية في تقريب وجهات النظر بين صنعاء وصعدة.
ويشير إلى أن عدداً من الشخصيات السياسية كانت تقوم بنقل الرسائل والتفاهمات بين الطرفين خلال سنوات التقارب الأولى، حتى تبلورت العلاقة تدريجياً إلى مستوى التنسيق السياسي والعسكري.
ومع مرور الوقت تحول التنسيق إلى شراكة ميدانية كاملة ساهمت في إسقاط مؤسسات الدولة ودخول الحوثيين إلى العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.
اجتياح صنعاء.. اللحظة التي غيّرت اليمن
مثّل سقوط صنعاء بيد الحوثيين نقطة التحول الأخطر في تاريخ اليمن الحديث.
ففي الوقت الذي كانت فيه قوات موالية لصالح توفر غطاءً سياسياً وعسكرياً لتحركات الجماعة، تمكن الحوثيون من السيطرة على مؤسسات الدولة والمعسكرات ومخازن الأسلحة الاستراتيجية.
وأدى هذا التحالف إلى انهيار موازين القوى التقليدية داخل البلاد، قبل أن يتطور الأمر إلى اندلاع الحرب الشاملة عقب تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015.
تحالف الضرورة لا تحالف الثقة
ورغم الشراكة الظاهرة بين الطرفين، إلا أن العلاقة بين صالح والحوثيين لم تقم يوماً على الثقة المتبادلة.
ويؤكد العنسي أن الخلافات كانت حاضرة بشكل دائم خلف الكواليس، وأنها ظهرت بوضوح خلال جولات المفاوضات السياسية التي عُقدت في الكويت وجنيف وسويسرا.
ففي تلك المشاورات كان وفد صنعاء يبدو وكأنه وفدان منفصلان؛ جناح حوثي يحمل أجندته الخاصة، وجناح مؤتمري يدافع عن مصالحه السياسية.
وكان كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره حليفاً مؤقتاً أكثر من كونه شريكاً استراتيجياً.
صراع النفوذ داخل صنعاء
مع مرور الوقت بدأت جماعة الحوثي تعمل بصورة متسارعة على إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة.
وشعرت قيادات المؤتمر الشعبي العام بأن نفوذها يتآكل تدريجياً، بينما كان الحوثيون يسعون للسيطرة الكاملة على القرار السياسي والعسكري والأمني.
وأخذت التوترات تتصاعد بين الجانبين في شوارع صنعاء ومؤسساتها، وصولاً إلى اشتباكات متفرقة سبقت الانفجار الكبير بأشهر.
ديسمبر 2017.. ساعة الصدام
في الثاني من ديسمبر 2017 أعلن علي عبدالله صالح ما وصفه بـ"الانتفاضة الشعبية" ضد الحوثيين، داعياً اليمنيين إلى مواجهة الجماعة المسلحة.
وشكل ذلك الإعلان نقطة اللاعودة في العلاقة بين الحليفين السابقين.
فقد رد الحوثيون بسرعة وحسم، وشنوا هجوماً واسعاً على مواقع وقوات المؤتمر الشعبي العام داخل صنعاء، مستخدمين مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة.
وخلال ساعات تحولت العاصمة إلى ساحة حرب مفتوحة.
المكالمة الأخيرة للزوكا
من أبرز الشهادات التي أوردها أنور العنسي حديثه عن آخر تواصل جمعه بالأمين العام للمؤتمر الشعبي العام عارف الزوكا.
ويقول إن الزوكا أرسل له رسالة يطلب فيها ترتيب ظهور إعلامي بعد توقف بث قناة "اليمن اليوم" التابعة للمؤتمر.
وبالفعل جرى ترتيب المداخلة رغم التشويش الأمني الواسع الذي فرضته الجماعة على الاتصالات.
وخلال تلك المداخلة أكد الزوكا أن صالح ما زال في صنعاء ويقود المواجهة بنفسه، مشدداً على تمسكه بالمبادئ الجمهورية والوحدوية.
سقوط آخر المعاقل
بعد ثلاثة أيام من المعارك العنيفة بدأت قوات صالح تتهاوى أمام التفوق العسكري الحوثي.
وكان الرئيس السابق يعتمد على دائرة ضيقة من الحراسة والموالين، إضافة إلى رهانه على تحرك قبلي واسع لإنقاذ الموقف.
لكن ذلك الرهان لم يتحقق.
وتعرضت القبائل لضغوط وتهديدات مكثفة، فيما تمكن الحوثيون من تطويق معظم مواقع المؤتمر داخل العاصمة.
الرحلة الأخيرة
ظهر الرابع من ديسمبر غادر صالح مقر إقامته في منطقة الثنية بصنعاء برفقة عارف الزوكا وعدد محدود من مرافقيه.
وكان الهدف الوصول إلى مسقط رأسه في سنحان لإعادة تنظيم الصفوف ومواصلة المواجهة.
غير أن الحوثيين كانوا قد أحكموا السيطرة على الطرق والمنافذ.
وفي منطقة الجحشي تعرض الموكب لكمين مسلح انتهى بمقتل صالح والزوكا وعدد من مرافقيهما.
البطانية الحمراء ورسائل التشفي
أثارت الصور التي بثها الحوثيون لجثمان صالح بعد مقتله موجة واسعة من الصدمة.
وظهر الرئيس السابق ملفوفاً ببطانية حمراء في مشهد اعتبره كثيرون رسالة سياسية ونفسية هدفت إلى إعلان نهاية مرحلة كاملة من الصراع اليمني.
كما أثارت طريقة التعامل مع جثمانه جدلاً واسعاً داخل اليمن وخارجه.
النهاية التي غيّرت مسار الحرب
يرى مراقبون أن مقتل صالح لم يكن مجرد اغتيال لزعيم سياسي، بل كان حدثاً أعاد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للحرب اليمنية.
فبانهيار التحالف بين المؤتمر والحوثيين، فقدت الجماعة أحد أهم أغطيتها السياسية، بينما دخل حزب المؤتمر مرحلة من الانقسام والتشظي ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
وبعد سنوات من تلك النهاية الدامية، تبقى شهادة الصحفي اليمني أنور العنسي المنشورة في مجلة "المجلة" واحدة من أبرز الروايات التي وثقت كواليس ذلك التحالف المثير للجدل، والتحولات التي قادت من سنوات الشراكة إلى لحظة الاغتيال التي أنهت حياة الرئيس الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود، وقتلت معه آخر رهاناته السياسية.
اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة




التعليقات