تقرير : كهبوب وتعز تستنزفان الحوثيين.. هل بدأت أزمة المقاتلين تلاحق الميليشيا؟
دخلت المواجهات العسكرية في جبهات كهبوب وغرب وجنوب تعز، خلال الأسابيع الأخيرة، مرحلة أكثر كثافة واتساعًا، مع تواصل الهجمات والهجمات المضادة على عدة محاور، ما يطرح تساؤلات حول قدرة ميليشيا الحوثي على الاستمرار في تعويض خسائرها البشرية والحفاظ على وتيرة الحشد الحالية إذا طال أمد المعارك.
وتشير المعطيات الميدانية المتاحة حتى أواخر سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن كهبوب ومرتفعات تعز باتتا من أبرز جبهات الاستنزاف، في ظل هجمات حوثية متكررة منذ منتصف الشهر، بالتزامن مع تحركات عسكرية في غرب تعز ومحاولات للتقدم باتجاه الطريق الرابط بين تعز وعدن.
وفي المقابل، تمكنت القوات المناهضة للميليشيا من صد عدد من تلك الهجمات واستعادة مواقع ومرتفعات، فيما بقيت المواجهات مفتوحة دون تحول حاسم في خريطة السيطرة.
الاستنزاف البشري يتقدم على معركة الأرض
ولا تقتصر كلفة المواجهات بالنسبة للحوثيين على خسارة المواقع أو استعادتها، إذ تمثل الخسائر البشرية عاملًا أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، خصوصًا مع اضطرار الميليشيا إلى توزيع مقاتليها وتعزيزاتها بين عدد كبير من الجبهات.
فالعناصر التي تُدفع إلى كهبوب أو مرتفعات تعز تصبح خارج حسابات الجبهات الأخرى، مثل مأرب والجوف والبيضاء، وهو ما يرفع الحاجة إلى المزيد من المجندين والاحتياط البشري، إلى جانب التدريب والتسليح والإمداد المستمر.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير محلية عن تكثيف الميليشيا حملات التعبئة والتجنيد في صنعاء وريمة بهدف تعويض الخسائر، بالتزامن مع مؤشرات على إحجام بعض الأسر والقبائل عن الاستجابة لعمليات الحشد.
ولا تكفي هذه المؤشرات حتى الآن للحديث عن أزمة تجنيد شاملة في مناطق سيطرة الحوثيين، لكنها قد تصبح أكثر دلالة في حال تكرارها واتساعها إلى محافظات أخرى.
كهبوب.. جبهة مكلفة بشريًا
وتكتسب جبهة كهبوب أهمية خاصة بسبب طبيعتها الجبلية وموقعها القريب من مضيق باب المندب، إذ تتطلب محاولات السيطرة على المرتفعات المحصنة أعدادًا كبيرة من المقاتلين، خصوصًا عندما تتحول العمليات إلى موجات هجومية متكررة ضد مواقع دفاعية ثابتة.
وفي 20 سبتمبر، أعلنت قوات درع الوطن صد هجوم حوثي على مواقعها في كهبوب، وقالت إن المهاجمين تكبدوا خسائر بشرية ومادية، دون توفر حصيلة مستقلة يمكن التحقق منها.
وتشير المعطيات الواردة في التقارير الميدانية إلى تكرار الهجمات على المنطقة منذ منتصف سبتمبر، وهو ما يجعل استمرارها بالمعدل نفسه عامل ضغط على القوة البشرية للميليشيا.
ولا تتعلق المشكلة المحتملة بعدد القتلى والجرحى فقط، بل بنوعية العناصر التي تخسرها الجماعة؛ إذ يصعب تعويض المقاتلين ذوي الخبرة والقادة الميدانيين بعناصر جديدة جرى استقطابها وتدريبها خلال فترات قصيرة.
تعز تفتح جبهة استنزاف موازية
وبالتزامن مع كهبوب، تشهد عدة محاور في محافظة تعز تحركات ومواجهات، خصوصًا في جبل حبشي والكدحة وحيفان والمناطق المحيطة بطريق تعز–عدن.
وتشير التقارير الواردة في النص إلى أن القوات الموالية للحكومة صدت في 23 سبتمبر محاولة حوثية باتجاه الطريق الرابط بين تعز وعدن، فيما استمرت التحركات العسكرية في غرب المحافظة خلال اليوم التالي.
ويزيد تزامن القتال في تعز وكهبوب من الضغط على الميليشيا، إذ تصبح أمام حاجة إلى توزيع الرجال والذخائر والآليات والقيادات الميدانية على سلسلة من المحاور بدل تركيز احتياطها في جبهة واحدة.
هل وصل الحوثيون إلى أزمة في المقاتلين؟
رغم مؤشرات الاستنزاف، لا تسمح المعطيات المتاحة حتى الآن بالجزم بأن ميليشيا الحوثي أصبحت عاجزة عن حشد مقاتلين جدد أو تعويض خسائرها.
فالحديث هنا يدور حول ضغط متزايد على القوة البشرية وليس عن نفادها.
والتحدي الأهم بالنسبة للميليشيا يتمثل في قدرتها على المحافظة على دورة التعويض: تجنيد مقاتلين جدد، تدريبهم، تسليحهم، نقلهم إلى الجبهات، ثم دمجهم في الوحدات القتالية.
وإذا أصبحت الخسائر البشرية أسرع من قدرة هذه الدورة على توفير بدلاء بالمستوى نفسه من الخبرة والكفاءة، فقد تبدأ آثار الاستنزاف بالظهور تدريجيًا في نوعية الوحدات وقدرتها القتالية، حتى مع استمرار توفر أعداد كبيرة من العناصر.
العامل الاجتماعي يدخل المعركة
ولا ينحصر التحدي في الجانب العسكري، إذ يمكن أن يتحول موقف الأسر والقبائل إلى عامل مؤثر في قدرة الميليشيا على استمرار التعبئة.
فمع استمرار المعارك وارتفاع أعداد القتلى والجرحى القادمين من الجبهات نفسها، ترتفع الكلفة الاجتماعية للحرب، وقد تصبح عمليات الحصول على دفعات جديدة من المقاتلين أكثر صعوبة.
ومن هنا، ستكون حملات التعبئة الحوثية خلال الأسابيع المقبلة مؤشرًا مهمًا لقياس حجم الاستنزاف، خصوصًا إذا توسعت عمليات التجنيد إلى مناطق أو شرائح عمرية لم تكن في السابق مصدرًا رئيسيًا للمقاتلين.
معركة الوقت
في المحصلة، تتحول جبهتا كهبوب وتعز تدريجيًا إلى معركة استنزاف بشري وعسكري بقدر ما هما معركة للسيطرة على الأرض.
فإذا تمكنت ميليشيا الحوثي من الحفاظ على تدفق المقاتلين والذخائر والتعزيزات، فقد تستطيع مواصلة الضغط رغم الخسائر. أما إذا تزامن ارتفاع الخسائر مع اتساع رقعة القتال وتراجع الاستجابة لحملات التعبئة، فقد تجد نفسها مضطرة إلى خفض وتيرة عملياتها أو إعادة توزيع قواتها على الجبهات التي تعدها أكثر أهمية.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه تطورات الأسابيع المقبلة: هل تستطيع ميليشيا الحوثي مواصلة إرسال موجات جديدة من المقاتلين بالكثافة والنوعية نفسيهما، أم أن حرب الاستنزاف في كهبوب وتعز بدأت تفرض حدودها على قدرتها البشرية؟




التعليقات