تقرير موسع | اليمن على أعتاب مرحلة جديدة من الحرب.. المسيّرات والبحر الأحمر في قلب المواجهة
يني يمن – تقرير
يدخل الصراع في اليمن مرحلة جديدة تبدو مختلفة في أدواتها ومساراتها عن الحرب التي اندلعت عقب سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء عام 2014، إذ تشير التطورات العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة إلى تآكل حالة «اللاحرب واللاسلم» التي سادت منذ هدنة عام 2022، مقابل تصاعد تدريجي للمواجهات على الجبهات وفي البحر الأحمر، بالتزامن مع توسع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية.
وبحسب تحليل موسع نشره «يمن مونيتور»، فإن الهدوء النسبي الذي استمر قرابة أربع سنوات لم يكن سلامًا فعليًا، بل معادلة غير مستقرة أبقت الجبهات شبه مجمدة وخفضت الهجمات العابرة للحدود، في الوقت الذي ظلت فيه قنوات التواصل السعودية الحوثية قائمة. إلا أن هذه المعادلة بدأت بالتفكك مع التطورات الأخيرة.
من «اللاحرب واللاسلم» إلى مواجهة مفتوحة
برز التحول بصورة أوضح منذ يوليو/تموز الماضي، عندما تحولت قضية الرحلات الجوية بين طهران وصنعاء إلى أزمة سياسية وأمنية مرتبطة بمفهوم السيادة. ويشير التحليل إلى أن منع رحلة إيرانية من الوصول إلى صنعاء، والضربة التي استهدفت مدرج المطار في 13 يوليو، شكلا نقطة تحول أعادت الاحتكاك السعودي الحوثي إلى الواجهة.
لاحقًا، رفعت مليشيا الحوثي شعار «الحصار بالحصار»، وأعلنت في 20 يوليو قيودًا تستهدف سفنًا مرتبطة بالسعودية، قبل أن تنتقل المواجهة تدريجيًا من المجال الجوي إلى البحر الأحمر ومنه إلى منشآت الطاقة السعودية والجبهات الداخلية.
وفي المقابل، صعّدت القوات الحكومية عملياتها العسكرية، إذ أعلنت في 16 أغسطس تنفيذ 181 عملية خلال 24 ساعة باستخدام المدفعية وراجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة في محافظات عدة، ثم أعلنت 133 عملية بعد يومين، و81 عملية في 20 أغسطس. ويرى التحليل أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في العدد وحده، وإنما في تحول العمليات إلى نشاط مستدام ومتعدد الجبهات.
المخا تتحول إلى مركز المواجهة
تحتل مدينة المخا موقعًا بالغ الحساسية في الصراع الجديد، ليس فقط باعتبارها مدينة يمنية على الساحل الغربي، ولكن لموقعها القريب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وتتقاطع في المخا ثلاث دوائر رئيسية: الجبهات اليمنية، وأمن باب المندب، ومسارات صادرات الطاقة السعودية عبر البحر الأحمر.
وبحسب التقرير، تعرض ميناء المخا خلال أغسطس لسلسلة من الهجمات الصاروخية والمسيّرة أدت إلى وقف نشاطه التجاري والبحري، وقال مدير الميناء إن المنشأة تعرضت لأكثر من عشرين صاروخًا خلال سلسلة الهجمات.
وتكمن خطورة هذه الإستراتيجية في أن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى السيطرة عسكريًا على الميناء لتحقيق مكاسب. فمجرد تعطيل عمله ورفع كلفة استخدامه وإعاقة عمليات الإمداد وتحويل الاقتراب منه إلى مخاطرة أمنية، يمكن أن يقلص قيمته العسكرية والتجارية دون تغيير خريطة السيطرة على الأرض.
باب المندب.. الحرب تتجاوز حدود اليمن
ويمثل البحر الأحمر أخطر ساحات التصعيد، إذ وثقت جهات أمنية بحرية هجمات بالصواريخ على سفن في منطقة باب المندب، وهو ما يعكس قدرة الصراع اليمني على التأثير مباشرة في الملاحة الدولية.
ويخلص التحليل إلى أن باب المندب لم يُغلق أمام الملاحة، لكنه لم يعد ممرًا يمكن التعامل معه بوصفه طبيعيًا وآمنًا كما كان سابقًا.
وتتمثل الإستراتيجية الحوثية، وفق التحليل، في جعل استخدام البحر أكثر خطورة وكلفة دون الحاجة إلى السيطرة البحرية التقليدية عليه، من خلال الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية.
الحوثيون ومحاولة فرض «السيادة بالإكراه»
ويقدم التقرير قراءة أخرى لأهداف التصعيد الحوثي، معتبرًا أنه لا يمكن تفسير جميع تحركات الجماعة فقط من خلال علاقتها بإيران، رغم وجود تقاطع واضح في المصالح بين الجانبين.
فالقضايا التي يربط الحوثيون بها عملية خفض التصعيد تشمل الرواتب وإيرادات النفط ومطار صنعاء والموانئ والقيود على الواردات، وهي ملفات تتصل بصورة مباشرة بمستقبل السلطة داخل اليمن.
ومن هذا المنظور، تصبح الصواريخ والطائرات المسيّرة وسيلة ضغط تفاوضية، وليس مجرد أدوات عسكرية.
فالقدرة على فرض حركة جوية عبر مطار صنعاء، أو التأثير في حركة السفن بالبحر الأحمر، أو المطالبة بالحصول على موارد مالية من مناطق لا تخضع لسيطرة الجماعة، تعكس -بحسب التحليل- محاولة لتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي واقتصادي دائم.
لكن توسيع نطاق الأهداف البحرية يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي خطأ في استهداف سفينة تابعة لدولة ثالثة يمكن أن يحول المواجهة من صراع يمني أو سعودي حوثي إلى أزمة دولية أوسع.
القوات الحكومية تنتقل من الدفاع إلى محاولة استعادة المبادرة
على الجانب الآخر، تظهر القوات الحكومية تغيرًا في نمط عملياتها.
فبعد سنوات اتسمت فيها الجبهات منذ هدنة 2022 بالدفاع ومنع التسلل والرد على الهجمات، بدأت القوات الحكومية تستخدم بصورة أكبر الاستطلاع والطائرات المسيّرة الانقضاضية واستهداف المركبات والتحصينات والتجمعات الحوثية قبل وصولها إلى خطوط المواجهة.
وظهرت هذه العمليات في مأرب والجوف وحجة وصعدة وتعز ولحج والضالع والساحل الغربي، بما يشير إلى محاولة حرمان الحوثيين من القدرة على حشد قوات كبيرة بصورة آمنة قرب خطوط التماس.
غير أن المشكلة الرئيسية أمام المعسكر المناهض للحوثيين تبقى تعدد القوى والتشكيلات العسكرية والسياسية.
فالجيش والقوات الموجودة في الساحل والقوات الجنوبية ودرع الوطن والتشكيلات المحلية قد تستطيع تبادل المعلومات والأهداف، لكن ذلك لا يعني وجود قيادة سياسية وعسكرية موحدة قادرة على إدارة حرب طويلة ومتعددة الجبهات.
ويلخص التحليل هذه المعضلة بالقول إن «توحيد النار أسهل من توحيد القرار».
هل تبدأ معركة برية واسعة؟
حتى 24 أغسطس، لم تبدأ -بحسب التقرير- حرب برية واسعة تغير خطوط السيطرة، وهو ما يشكل الفارق الأساسي بين المواجهة الراهنة وحرب 2015.
إلا أن هناك مؤشرات على إمكانية تغير الوضع.
وينقل التقرير عن مصادر حوثية وحكومية تحدثت لفرانس برس أن الجماعة دفعت بنحو ألفي مقاتل وقاذفات صواريخ باتجاه جبهات تعز والحديدة، مع التأكيد أن حجم القوة وتوقيت أي عملية لم يتم التحقق منهما بصورة مستقلة، وبالتالي فإن ذلك يمثل مؤشرًا على الاستعداد وليس دليلًا على بدء هجوم شامل.
وتكمن الخطورة في اتجاه أي تحرك محتمل.
فإذا تحرك الحوثيون جنوبًا باتجاه حيس والخوخة ثم المخا، فإن المسألة لن تتعلق فقط بالسيطرة على أراضٍ جديدة، بل بالاقتراب أكثر من باب المندب، وهو ما قد يمنح الجماعة قدرات أكبر في مجال الاستطلاع والزوارق والأنظمة الساحلية والألغام البحرية.
السعودية.. إستراتيجية مختلفة عن حرب 2015
ومن أبرز المتغيرات التي يتناولها التقرير طريقة تعامل السعودية مع التصعيد الحالي.
فرغم الهجمات والتهديدات الحوثية التي طالت جازان ونجران وينبع، لم تعد الرياض -حتى الآن- إلى حملة جوية واسعة مشابهة لتلك التي شهدتها السنوات الأولى من الحرب.
ويرى التحليل أن ذلك قد يعكس استفادة السعودية من تجربة 2015-2022، عندما لم يؤد التفوق الجوي وحده إلى إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء أو إزالة ترسانتهم الصاروخية والمسيّرة أو توحيد القوى اليمنية المناهضة لهم.
وبدلًا من التدخل المباشر واسع النطاق، يشير التقرير إلى بناء الرياض طبقات متعددة من الردع، تبدأ بدعم قدرات القوات الحكومية، وتمتد إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات وبناء شراكات دفاعية إقليمية أوسع.
لكن هذه الإستراتيجية قد تواجه اختبارًا صعبًا إذا نجح الحوثيون في إلحاق أضرار كبيرة بمنشأة نفطية سعودية، أو تسببوا في خسائر بشرية واسعة داخل المملكة، أو غيروا ميزان القوى بالقرب من باب المندب، لأن ذلك قد يحول القضية من دعم حليف يمني إلى تهديد مباشر للأمن السعودي.
معضلة هرمز وباب المندب
وتزداد أهمية اليمن مع ارتباط التطورات في البحر الأحمر بالأزمة الإقليمية الأوسع، وخصوصًا أمن مضيق هرمز.
فمع اضطراب الملاحة عبر هرمز، ترتفع الأهمية الإستراتيجية لخط الأنابيب السعودي شرق–غرب ولميناء ينبع والبحر الأحمر بوصفها طرقًا بديلة لصادرات الطاقة السعودية.
وهنا تظهر ما يمكن وصفه بـ**«معضلة المضيقين»**: تهديد إيران للممر الشرقي عبر هرمز، بالتزامن مع قدرة الحوثيين على رفع المخاطر في الطريق الغربي عبر باب المندب.
ولا يشترط ذلك، وفق التحليل، وجود قيادة موحدة لكل العمليات بين طهران والحوثيين؛ إذ يكفي تلاقي المصالح لإنتاج ضغط إستراتيجي على السعودية.
حرب المسيّرات والصواريخ
إذا استمر التصعيد، يتوقع التحليل أن تكون الطائرات المسيّرة في قلب أي حرب يمنية مقبلة.
بالنسبة للحوثيين، تمنح المسيّرات قدرة منخفضة الكلفة نسبيًا على مهاجمة المطارات والمنشآت والقوات والسفن، بينما تحاول القوات الحكومية استخدام التقنية نفسها لتقليص الفارق العسكري الذي تمتع به الحوثيون خلال السنوات الماضية.
وستظل الصواريخ الباليستية عنصرًا رئيسيًا في ترسانة الحوثيين، ليس فقط لما يمكن أن تحدثه من دمار، وإنما لقدرتها على إجبار الخصم على إبقاء أنظمة الدفاع الجوي والاستطلاع والإنذار في حالة تشغيل مستمرة.
أما في البحر، فقد تصبح الصواريخ المضادة للسفن والزوارق المفخخة والمسيّرات والألغام أدوات لإنشاء ما يشبه «منطقة منع بالمخاطر» دون الحاجة إلى امتلاك قوة بحرية تقليدية.
وهذا يعني أن حماية الملاحة ستتطلب منظومة متكاملة تشمل الاستخبارات البحرية ومكافحة الألغام والمراقبة الساحلية ومواجهة الزوارق وحماية الموانئ وإدارة حركة السفن.
اليمن يتحول إلى جزء من معادلة إقليمية
لم تعد أهمية الحرب اليمنية مرتبطة فقط بمن يسيطر على صنعاء أو مأرب أو الساحل، بل باتت الجغرافيا اليمنية متصلة بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
فمأرب مرتبطة بموارد الطاقة اليمنية، والمخا بباب المندب، وباب المندب بطريق الملاحة المؤدي إلى ينبع، فيما تزداد أهمية ينبع مع ارتفاع المخاطر في مضيق هرمز.
وبالتالي، يمكن لقرار عسكري محلي على الساحل اليمني أن تكون له تداعيات على أسعار النفط والملاحة الدولية والحسابات الإستراتيجية للسعودية وإيران والولايات المتحدة.
ومع ذلك، يحذر التحليل من اختزال الحرب اليمنية باعتبارها مجرد امتداد للصراع مع إيران، لأن جذور الأزمة الداخلية ستبقى قائمة حتى إذا توقفت المواجهات الإقليمية، وفي مقدمتها مستقبل سلاح الحوثيين وشكل الدولة وتقاسم السلطة والسيطرة على الموارد.
السيناريو الأقرب.. حرب استنزاف متعددة المجالات
وفق المعطيات التي يستعرضها التقرير، فإن السيناريو الأقرب في المدى القصير ليس اجتياحًا بريًا واسعًا، وإنما حرب استنزاف متعددة المجالات تشمل المسيّرات على الجبهات، والصواريخ ضد الموانئ والمنشآت، والعمليات البحرية المتقطعة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، مع إبقاء القوات البرية في حالة استعداد للانتقال إلى الهجوم متى توفرت الظروف المناسبة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن تعدد الأطراف والأسلحة وساحات المواجهة يجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة.
فقد لا تبدأ الحرب الشاملة بقرار سياسي كبير، وإنما بحادث واحد: لغم يصيب سفينة، أو صاروخ يتسبب في خسائر أكبر من المتوقع، أو هجوم بري يحقق اختراقًا مفاجئًا، أو ضربة مؤثرة داخل السعودية تجعل الرد العسكري أكثر ترجيحًا.
الخلاصة
المشهد اليمني، وفق ما يقدمه الملف، لم يعد في مرحلة الهدنة المستقرة، لكنه لم يصل أيضًا إلى نسخة جديدة كاملة من حرب 2015.
الحرب التي تتشكل حاليًا أكثر اعتمادًا على الصواريخ والمسيّرات والموانئ والممرات البحرية والضغط الاقتصادي، وأقل اعتمادًا -حتى الآن- على الاجتياحات البرية الواسعة وتغيير خرائط السيطرة.
وسيكون الساحل الغربي هو أحد أهم مؤشرات المرحلة المقبلة. فإذا ظلت خطوط الجبهة مستقرة وعادت ملفات المطار والموانئ والرواتب إلى مسار التفاوض، فقد يكون من الممكن إعادة بناء حالة ردع جديدة. أما إذا تحركت الجبهات باتجاه باب المندب بالتزامن مع ضربة إستراتيجية داخل السعودية أو حادث بحري كبير، فإن الصراع قد ينتقل إلى مستوى مختلف تمامًا.




التعليقات