عبدربه منصور هادي.. قراءة تحليلية في مسيرة رئيس حكم اليمن في زمن الانهيار ماله وما عليه ؟
أولاً: هادي كنائب للرئيس.. هل كان شريكاً أم موظفاً سياسياً؟
على مدى 17 عاماً قضاها نائباً للرئيس علي عبدالله صالح، لم يكن عبدربه منصور هادي صاحب نفوذ سياسي مستقل أو مركز قوة مؤثر داخل النظام.
ورغم أن هذا الأمر أبقاه بعيداً عن الصراعات الداخلية، إلا أنه أضعف قدرته لاحقاً على بناء قاعدة سياسية خاصة به عندما وصل إلى الرئاسة.
سياسياً، يمكن القول إن صالح اختار هادي لأنه لم يكن يمثل تهديداً لسلطته، بينما استفاد هادي من هذه العلاقة في الوصول إلى أعلى منصب في الدولة عندما انهار النظام القديم.
النتيجة:
هادي وصل إلى الرئاسة دون حزب قوي أو مؤسسة عسكرية موالية له بشكل كامل، وهو ما انعكس على أدائه لاحقاً.
ثانياً: إعادة هيكلة الجيش.. إصلاح أم تفكيك؟
تعد هذه النقطة الأكثر جدلاً في تاريخ هادي.
أنصار هادي يرون أنه نجح في تفكيك مراكز القوى التي سيطرت على الجيش لعقود، وأعاد المؤسسة العسكرية إلى سلطة الدولة.
أما منتقدوه فيرون أن الهيكلة جرت بسرعة أكبر من قدرة الدولة على بناء بديل حقيقي، ما أدى إلى إضعاف الوحدات القتالية المحترفة التي كانت تمثل قوة ردع للحوثيين.
تحليلياً:
المشكلة لم تكن في قرار الهيكلة نفسه، بل في غياب مشروع متكامل لإعادة بناء الجيش بعد الهيكلة.
ولهذا السبب يرى كثير من العسكريين أن الحوثيين استفادوا من مرحلة الانتقال العسكري أكثر من الدولة نفسها.
النتيجة:
نجحت الهيكلة في كسر نفوذ بعض القادة، لكنها لم تنجح في بناء جيش وطني متماسك قبل اندلاع الحرب.
ثالثاً: سقوط عمران وصنعاء.. أكبر إخفاق سياسي في عهد هادي
عندما سقطت عمران ثم صنعاء بيد الحوثيين عام 2014، بدأت اللحظة الفاصلة في تاريخ اليمن الحديث.
يحمّل خصوم هادي مسؤوليته المباشرة عن هذا السقوط بسبب عدم اتخاذ قرارات حاسمة ضد الحوثيين.
لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الدولة كانت تعاني آنذاك من عدة أزمات متزامنة:
- انقسام الجيش.
- ضعف الأجهزة الأمنية.
- صراع مراكز النفوذ.
- اختراق الحوثيين لمؤسسات الدولة.
- تراجع الثقة الشعبية بالنظام الانتقالي.
ومع ذلك، فإن هادي كرئيس كان المسؤول الأول عن إدارة الأزمة.
النتيجة:
سواء كان السقوط نتيجة مؤامرة أو سوء تقدير أو ضعف قرار، فإن صنعاء سقطت في عهده، وهذا سيظل أكبر عبء في إرثه السياسي.
رابعاً: التمسك بالشرعية بعد الانقلاب
بعد فراره من صنعاء ووصوله إلى عدن ثم الرياض، نجح هادي في الحفاظ على الاعتراف الدولي بشرعيته.
هذا الإنجاز غالباً ما يتم تجاهله رغم أهميته.
فلو نجح الحوثيون في انتزاع الاعتراف الدولي لكانت معادلة الصراع مختلفة تماماً.
استطاع هادي:
- استصدار القرار 2216.
- الحفاظ على مقعد اليمن دولياً.
- تأمين دعم التحالف العربي.
النتيجة:
خسر الأرض لكنه حافظ على الشرعية القانونية والدبلوماسية للدولة اليمنية.
خامساً: العلاقة مع التحالف العربي
هذه من أكثر القضايا تعقيداً.
ففي البداية كان التحالف العربي يمثل طوق النجاة الوحيد للحكومة الشرعية.
لكن مع مرور الوقت أصبحت العلاقة غير متوازنة.
وجد هادي نفسه بين خيارين:
- مواجهة الحوثيين دون دعم خارجي.
- أو القبول بنفوذ متزايد للتحالف داخل الملف اليمني.
اختار الخيار الثاني.
ويرى منتقدوه أن ذلك أدى إلى تقليص استقلال القرار اليمني.
بينما يرى مؤيدوه أن البديل كان انهيار الشرعية بالكامل.
النتيجة:
حافظ على بقاء الشرعية لكنه دفع ثمناً سيادياً وسياسياً باهظاً.
سادساً: صراعه مع الإمارات حول سقطرى وعدن
رغم الاتهامات المتكررة لهادي بالارتهان للتحالف، فإن ملف سقطرى يكشف جانباً مختلفاً.
تشير شهادات عديدة إلى أن الرجل رفض ترتيبات اعتبرها تمس السيادة اليمنية.
كما عارض محاولات فرض واقع جديد في بعض المناطق المحررة.
تحليلياً:
هذه المواجهة أظهرت أن خلافه مع الإمارات لم يكن شخصياً بقدر ما كان مرتبطاً بمستقبل الدولة اليمنية وصلاحياتها.
النتيجة:
خسر كثيراً من النفوذ على الأرض لكنه حافظ على موقف سياسي واضح تجاه السيادة الوطنية.
سابعاً: إدارة الدولة من الرياض
هذا الملف يمثل أحد أبرز أسباب تراجع شعبيته.
فوجود الرئيس خارج البلاد لسنوات طويلة خلق انطباعاً لدى اليمنيين بأن السلطة أصبحت بعيدة عن معاناتهم اليومية.
ورغم وجود مبررات أمنية حالت دون عودته، فإن غياب القيادة عن الداخل أضعف هيبة الدولة ومؤسساتها.
النتيجة:
تآكلت صورة الشرعية في الشارع اليمني رغم استمرار الاعتراف الدولي بها.
ثامناً: ملف الفساد
لم تثبت اتهامات قضائية مباشرة ضد هادي شخصياً.
لكن حكوماته واجهت اتهامات واسعة بالفساد وسوء الإدارة.
المشكلة الأساسية كانت ضعف الرقابة وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة أثناء الحرب.
وفي ظل هذا الوضع أصبحت الشرعية هدفاً دائماً للانتقادات.
النتيجة:
الفساد لم يكن سبب الحرب، لكنه كان أحد أسباب تراجع الثقة الشعبية بالشرعية.
تاسعاً: نقل السلطة عام 2022
قرار نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي أنهى عملياً حقبة هادي.
البعض يراه قراراً وطنياً مسؤولاً لتوحيد الصفوف.
والبعض الآخر يعتبره نتيجة ضغوط إقليمية أجبرت الرجل على مغادرة المشهد.
لكن المؤكد أن القرار عكس حجم التغيرات التي طرأت على موازين القوى داخل معسكر الشرعية.
النتيجة:
غادر السلطة دون صدام أو تمرد، لكنه غادر أيضاً دون أن يحقق الهدف الرئيسي الذي رفعه طوال سنوات الحرب وهو استعادة صنعاء.
الخلاصة النهائية
عبدربه منصور هادي لم يكن رئيساً عادياً، بل رئيساً وجد نفسه في قلب انهيار الدولة اليمنية.
نجح في الحفاظ على الشرعية الدولية، وإدارة الحوار الوطني، والتصدي للمشروع الحوثي سياسياً.
وفي المقابل، ارتبط اسمه بسقوط صنعاء، وضعف مؤسسات الدولة، وتنامي النفوذ الخارجي، وتفكك المؤسسة العسكرية.
لهذا سيظل إرثه السياسي منقسماً بين صورتين:
الأولى: رئيس شرعي واجه انقلاباً مدعوماً من الخارج وحافظ على الدولة قانونياً.
والثانية: رئيس لم يتمكن من منع انهيار الدولة وفشل في إدارة أخطر مرحلة في تاريخ اليمن الحديث.
وربما يحتاج اليمن سنوات طويلة ووثائق لم تُكشف بعد للحكم النهائي على تجربته السياسية.




التعليقات