ماذا يحدث في اثيوبيا ؟ اسقاط ثلاث مطارات والمعارضة تسعى لإسقاط أبي أحمد والحرب تتوسع ؟
تنزلق إثيوبيا بوتيرة متسارعة نحو أزمة سياسية وعسكرية هي الأخطر منذ انتهاء حرب تيغراي أواخر عام 2022، مع تجدد المواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات إقليم تيغراي، وسط مخاوف من انهيار اتفاق بريتوريا للسلام واتساع دائرة الصراع إلى مناطق أخرى من البلاد.
وبعد أشهر من التوتر السياسي والتصعيد المتبادل، تحولت الأزمة خلال الساعات الأخيرة إلى مواجهات ميدانية مباشرة، فيما أعلنت سلطات إقليم تيغراي أن قواتها تخوض ما وصفته بـ«حرب دفاعية» رداً على تحركات الجيش الفيدرالي.
وتزامن التصعيد مع تحركات عسكرية واضطرابات في مناطق شمال البلاد، امتدت تداعياتها باتجاه أقاليم مجاورة، ما أثار مخاوف من تحول المواجهات إلى صراع متعدد الجبهات يعيد إثيوبيا إلى أجواء الحرب التي شهدتها بين عامي 2020 و2022.
انقطاع الاتصالات ومخاوف من عودة العزلة
وفي مؤشر على خطورة التطورات، أفادت تقارير، صباح الجمعة 25 سبتمبر، بانقطاع خدمات الإنترنت والاتصالات عن مناطق واسعة شمالي البلاد.
وأثار انقطاع الاتصالات مخاوف السكان من تكرار سيناريو العزلة التي عاشها إقليم تيغراي خلال الحرب السابقة، عندما انقطعت أجزاء واسعة منه عن الاتصالات والخدمات لفترات طويلة بالتزامن مع العمليات العسكرية.
مطارات استراتيجية تدخل قلب المعركة
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التطورات تجاوزت نطاق الاشتباكات المحدودة، مع حديث عن سيطرة قوات تيغراي خلال هجوم مضاد على مطارات ميكيلي وأكسوم وشِرِه، بالتزامن مع امتداد الاضطرابات إلى أجزاء من إقليمي عفر وأمهرة وتعطل حركة الطيران في مناطق المواجهات.
وفي حال تأكد استمرار السيطرة على هذه المطارات، فإن ذلك يمنح قوات تيغراي أفضلية ميدانية مهمة، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه المطارات في نقل القوات والإمدادات والقدرة على التحرك السريع داخل مسرح العمليات.
كما أن انتقال الصراع إلى مرافق حيوية من هذا النوع يرفع مستوى المواجهة من اشتباكات محلية إلى صراع يمس منشآت استراتيجية للدولة.
تحالف مسلح جديد في مواجهة حكومة آبي أحمد
ولا تقتصر الضغوط التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد على جبهة تيغراي، إذ تزامنت التطورات مع إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف سياسي وعسكري تحت اسم «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، وفق المعلومات الواردة في التقارير المتداولة.
ويضم التحالف، بحسب تلك المعلومات، قوى من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة «فانو» في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب فصائل من عفر وبني شنقول-قمز ومناطق أخرى.
وتبرز أهمية هذا التطور في أن بعض هذه القوى كانت تقف في معسكرات متعارضة خلال حرب تيغراي السابقة.
فحركة «فانو» وقوات من أمهرة شاركت إلى جانب القوات الفيدرالية في القتال ضد جبهة تحرير شعب تيغراي خلال الحرب التي اندلعت عام 2020، قبل أن تتدهور علاقتها لاحقاً مع حكومة آبي أحمد على خلفية خلافات سياسية وأمنية وإعادة هيكلة القوات الإقليمية.
ويشير هذا التحول إلى تغير في خريطة التحالفات الداخلية، مع مواجهة الحكومة المركزية ضغوطاً من جماعات مسلحة تنتمي إلى أكثر من إقليم.
ومع ذلك، فإن وجود خلافات تاريخية وأيديولوجية ونزاعات على الأراضي بين بعض مكونات هذا التحالف قد يشكل عقبة أمام قدرته على بناء قيادة موحدة وتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة واسعة النطاق.
إريتريا.. حليف حرب تيغراي يتحول إلى خصم
ويزداد المشهد تعقيداً بسبب التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا.
فخلال حرب تيغراي السابقة، شكلت إريتريا أحد أبرز حلفاء الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، وشاركت قواتها في العمليات ضد قوات تيغراي.
لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تدهورت لاحقاً، وسط تبادل للاتهامات وتصاعد الخلافات بين البلدين.
وتتهم السلطات الإثيوبية إريتريا بدعم جماعات معارضة داخل إثيوبيا، وهي اتهامات تنفيها أسمرة.
ويثير هذا التوتر مخاوف من انتقال الأزمة من صراع إثيوبي داخلي إلى مواجهة إقليمية، خصوصاً مع استمرار الخلافات المرتبطة بطموحات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري والحديث عن ميناء عصب الإريتري.
هل انتهى اتفاق بريتوريا؟
ويضع التصعيد الجديد اتفاق بريتوريا، الذي أوقف حرب تيغراي في نوفمبر 2022، أمام اختبار بالغ الصعوبة.
فالاتفاق نجح في وقف الحرب الواسعة، لكنه ترك ملفات شائكة دون تسوية نهائية، من بينها النزاعات الحدودية بين الأقاليم، وملف القوات المسلحة ونزع السلاح، وعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم.
ومع تجدد المواجهات، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الاتفاق على الصمود، بينما لا تزال الجهود الدبلوماسية تمثل المسار المتاح لمنع عودة البلاد إلى حرب واسعة.
هل أصبحت أديس أبابا مهددة؟
ورغم التصعيد، لا تعني التطورات الواردة أن العاصمة أديس أبابا باتت أمام خطر عسكري مباشر.
فالمسافات الجغرافية الكبيرة، إلى جانب احتفاظ الحكومة الفيدرالية بأجهزة الدولة والقوات النظامية وقدراتها الجوية والأمنية، تجعل الحديث عن هجوم وشيك على العاصمة مختلفاً عن الحديث عن تصاعد الضغوط العسكرية على الحكومة.
لكن الخطر الأكبر يتمثل في تعدد الجبهات، إذا اضطرت الحكومة إلى مواجهة صراعات متزامنة في تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى.
ومن شأن حرب متعددة الجبهات أن تستنزف القوات الفيدرالية والموارد المالية والاقتصادية، وتضع الحكومة أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة حتى من دون تقدم عسكري مباشر نحو العاصمة.
ثلاثة مسارات أمام إثيوبيا
وتضع التطورات إثيوبيا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: احتواء التصعيد عبر ضغوط ووساطات دولية تعيد الأطراف إلى المفاوضات وتعيد صياغة ترتيبات اتفاق بريتوريا؛ أو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات؛ أو اتساع المواجهات والتحالفات المسلحة بصورة تهدد تماسك النظام الفيدرالي ووحدة الدولة.
وتتجاوز تداعيات الأزمة الحدود الإثيوبية، نظراً إلى موقع البلاد في منطقة مضطربة تضم السودان والصومال وإريتريا، وقربها من البحر الأحمر وباب المندب.
وبينما تبقى موازين القوى والتحالفات الميدانية عرضة للتغير، فإن عودة المواجهات الواسعة إلى شمال إثيوبيا تضع اتفاق السلام أمام أحد أصعب اختباراته، وتعيد إلى الواجهة المخاوف من دخول القرن الأفريقي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.




التعليقات