الحوثيون يصعّدون بأوامر إيرانية... واليمن ساحة رسائل إقليمية
بقلم: السفير الدكتور عبدالله عبدالكريم الدعيس
سفير الجمهورية اليمنية لدى الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص
لم يعد التصعيد الذي تنتهجه ميليشيا الحوثي مجرد عمليات عسكرية متفرقة أو ردود فعل ميدانية، بل تحول إلى استراتيجية متكاملة تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى داخل اليمن وربطها بالتحولات الإقليمية والدولية.
فالهجمات المتزامنة على معسكرات القوات المسلحة اليمنية في مأرب وحضرموت، واستهداف مخيمات النازحين، والاعتداءات على الأراضي السعودية، واستمرار تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، كلها تؤكد أن الجماعة تتحرك ضمن مشروع يتجاوز حدود اليمن، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحسابات الإيرانية في المنطقة.
وقد وصفت وزارة الدفاع اليمنية الهجمات الأخيرة بأنها عدوان إرهابي واسع استهدف مواقع القوات المسلحة أثناء تنفيذ مهامها في حماية المناطق المحررة وتأمين الطرق الدولية، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى، فيما أكدت قيادة القوات المشتركة أن هذه الاعتداءات تأتي في سياق محاولة خلط الأوراق وتقويض جهود تحقيق الاستقرار.
كما وثقت وسائل إعلام يمنية استهداف ميليشيا الحوثي لمخيم الميل للنازحين شمال مأرب، في مؤشر جديد على استمرار استهداف المدنيين، بما يعزز الاتهامات الموجهة للجماعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
ورغم محاولات الحوثيين تبرير هذا التصعيد باعتباره ردًا على العمليات العسكرية ضدهم، فإن توقيته وطبيعته يكشفان أن أهدافه تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، خاصة في ظل الحراك الإقليمي المتعلق بأمن الخليج ومضيق هرمز.
وخلال الأشهر الأخيرة اتجهت إيران إلى إعادة توظيف أذرعها الإقليمية بصورة أكثر مرونة، بحيث تتحرك كل ساحة وفق متطلبات الضغط السياسي والتفاوض، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وتبقى الساحة اليمنية إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هنا تبدو الرسالة الإيرانية واضحة؛ فإذا كان أمن مضيق هرمز حاضرًا على طاولة التفاوض، فإن أمن البحر الأحمر أيضًا أصبح جزءًا من معادلة الضغط الإقليمي عبر الحوثيين.
وعلى الصعيد الداخلي، تسعى الميليشيا إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها استنزاف القوات الحكومية، وتشتيت جهودها على أكثر من جبهة، ورفع معنويات عناصرها بعد الخسائر التي تكبدتها في عدد من المحاور، إضافة إلى تحسين موقعها التفاوضي في أي تسوية سياسية مقبلة.
ولذلك لا يمكن النظر إلى استهداف القوات الحكومية أو الاعتداءات على المملكة العربية السعودية باعتبارها أحداثًا منفصلة، فالسعودية تمثل الداعم الرئيس للحكومة اليمنية، وأي تصعيد ضدها يهدف إلى رفع كلفة دعمها السياسي والعسكري، وإظهار قدرة الحوثيين على فرض وقائع ميدانية رغم الضغوط العسكرية التي يتعرضون لها.
في المقابل، تمكنت القوات الحكومية من إحباط عدد من الهجمات الحوثية في جبهات مأرب، فيما تحدثت تقارير عن تحقيق تقدم ميداني في بعض المواقع، مع ضرورة انتظار التأكيدات الرسمية النهائية بشأن تلك التطورات.
إقليميًا، جاء الموقف السعودي حاسمًا في إدانة الاعتداءات، كما أدانت الولايات المتحدة الهجمات واعتبرتها دليلًا جديدًا على استمرار السلوك العدائي للميليشيا المدعومة من إيران، وتقويضها لجهود التهدئة والاستقرار.
وتنسجم هذه المواقف مع قناعة دولية متزايدة بأن أمن البحر الأحمر لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار استخدام الحوثيين كورقة إيرانية لتهديد الملاحة الدولية وإشعال الجبهات كلما اقتضت مصالح طهران ذلك.
وفي الوقت نفسه، تبدو إيران حريصة على إبقاء التصعيد ضمن حدود محسوبة؛ فهي لا ترغب في إشعال حرب إقليمية مفتوحة قد تضر بمصالحها، لكنها أيضًا لا تريد التفريط في أوراق الضغط التي تمتلكها.
وبناءً على ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات خلال المرحلة المقبلة:
- الأول: توسع المواجهة إلى صراع إقليمي واسع إذا انهارت التفاهمات القائمة، وهو السيناريو الأقل احتمالًا والأكثر خطورة.
- الثاني: استمرار التصعيد المحدود عبر الضربات المتبادلة في البر والبحر، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا.
- الثالث: عودة تدريجية إلى التهدئة إذا أحرزت الاتصالات الإقليمية تقدمًا، وهو احتمال يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالقرار الإيراني.
إن أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن اليمن لم يعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل أصبح إحدى ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم الجماعات المسلحة لإيصال رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الدولة اليمنية.
ومن هنا، فإن حماية البحر الأحمر وباب المندب، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية وقواتها المسلحة، لم يعودا شأناً يمنياً فحسب، بل يمثلان ركيزة أساسية لأمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية.
وفي المقابل، فإن إنهاء هذا التهديد لن يتحقق بمجرد احتواء نتائجه، بل عبر معالجة جذوره المتمثلة في استمرار المشروع الإيراني القائم على توظيف الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة لتحقيق أهدافه الإستراتيجية.




التعليقات