شهادة للتاريخ من قلب الرئاسة.. نصر طه مصطفى يروي كواليس حكم هادي وأسرار المرحلة الأكثر تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث
كشف مستشار مجلس القيادة الرئاسي والإعلامي اليمني البارز نصر طه مصطفى تفاصيل نادرة عن الرئيس اليمني الراحل المشير عبدربه منصور هادي، مستعرضاً جوانب من شخصيته وأسلوب إدارته للدولة خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيداً في تاريخ اليمن المعاصر.
وجاءت هذه الشهادة في مقال مطول نشره نصر طه مصطفى على موقع "الجزيرة نت" بعنوان "الرئيس هادي كما عرفته وعايشته"، مستنداً إلى تجربته الشخصية خلال عمله مديراً لمكتب رئاسة الجمهورية بين سبتمبر 2012 ويونيو 2014، وهي الفترة التي شهدت ذروة المرحلة الانتقالية عقب أحداث 2011.
هادي.. رجل الدولة الذي رفض الاستسلام
يصف نصر طه مصطفى الرئيس الراحل بأنه كان شخصية صلبة وعنيدة في المواقف المصيرية، مؤكداً أن أهم ما ميزه تمسكه بالدولة اليمنية ووحدتها ورفضه الاعتراف بالأمر الواقع الذي حاولت فرضه جماعة الحوثي بعد انقلابها على السلطة الشرعية.
ويقول إن هادي، رغم ما تعرض له من انتقادات وما ارتكبه من أخطاء سياسية وحسابات غير موفقة في بعض المحطات، ظل حريصاً على حماية الشرعية الدستورية والحفاظ على مؤسسات الدولة اليمنية، وهو ما تجلى في رفضه شرعنة الانقلاب الحوثي، واستقالته التكتيكية مطلع عام 2015، ثم انتقاله من صنعاء إلى عدن لمواصلة الدفاع عن النظام الجمهوري والدولة اليمنية.
نائب لم يكن صورياً
ويفند نصر طه مصطفى الروايات التي صورت هادي خلال فترة حكم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح على أنه نائب بلا تأثير أو دور فعلي.
ويؤكد أن هادي كان يؤدي مهامه وفقاً للدستور، وأن طبيعة منصب نائب الرئيس في اليمن لم تكن تمنحه صلاحيات تنفيذية واسعة، لكنه كان يؤدي دوره في المشورة والمساندة وإدارة الملفات التي توكل إليه من قبل الرئيس.
كما كشف عن وجود خلافات وأزمات عديدة نشبت بين صالح وهادي خلال سنوات طويلة، إلا أنها كانت تُعالج بعيداً عن الإعلام والرأي العام عبر وساطات سياسية قادها في أحيان كثيرة الدكتور عبدالكريم الإرياني واللواء علي محسن الأحمر.
صعود الدور السياسي بعد الحراك الجنوبي
ووفقاً لشهادة مصطفى، فإن الدور السياسي لهادي بدأ يتعاظم بشكل ملحوظ بعد انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، حيث وجد الرئيس صالح نفسه بحاجة إلى تعزيز حضور القيادات الجنوبية داخل الدولة لاحتواء الاحتقان المتصاعد في المحافظات الجنوبية.
ولهذا أُسندت إلى هادي العديد من الملفات السياسية والإدارية المرتبطة بمعالجة قضايا الجنوب، وهو ما أسهم في توسيع نفوذه السياسي داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة من حكم صالح.
عاما الإنجاز.. 2012 و2013
ويقسم نصر طه مصطفى تجربة حكم هادي إلى ثلاث مراحل رئيسية، معتبراً أن المرحلة الأولى الممتدة بين عامي 2012 و2013 كانت فترة الإنجازات الكبرى.
ففي تلك المرحلة نجح الرئيس هادي في إعادة الاستقرار النسبي إلى البلاد بعد الأزمة السياسية التي عصفت باليمن عام 2011، كما تمكن من إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتطبيع الحياة السياسية، وإزالة العديد من التحديات التي خلفتها الأزمة.
ومن أبرز القرارات التي اتخذها هادي خلال تلك الفترة إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، حيث أجرى تغييرات واسعة شملت قيادات عسكرية بارزة محسوبة على النظام السابق، من بينهم نجل الرئيس السابق أحمد علي عبدالله صالح، وأبناء شقيقه، إضافة إلى اللواء علي محسن الأحمر، في خطوة وصفها كثيرون حينها بأنها أكبر عملية إعادة ترتيب للمؤسسة العسكرية اليمنية منذ عقود.
مؤتمر الحوار الوطني.. الفرصة التي ضاعت
ويعتبر مصطفى أن عام 2014 كان نقطة التحول الأخطر في مسار المرحلة الانتقالية.
فبعد النجاح الذي حققه مؤتمر الحوار الوطني الشامل واختتامه في يناير 2014، بدأت التحديات السياسية والأمنية تتصاعد بشكل متسارع، وسط تغيرات في التحالفات السياسية وأخطاء في التقديرات وحسابات وصفها بـ"القاتلة".
ويؤكد أن هذا العام شهد انهيار كثير من المكاسب التي تحققت خلال العامين السابقين، وانتهى بسيطرة الحوثيين على صنعاء، وفرضهم الإقامة الجبرية على الرئيس هادي بعد رفضه تعيين شخصية حوثية في منصب نائب رئيس الجمهورية.
ويرى أن الأحداث التي جرت خلال تلك الفترة غيّرت مسار اليمن بالكامل وأوقفت مشروع الانتقال السلمي للسلطة، لتدخل البلاد في دوامة الصراع المستمرة حتى اليوم.
الهروب الكبير إلى عدن
وتناول نصر طه مصطفى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الأزمة اليمنية، وهي عملية انتقال الرئيس هادي من صنعاء إلى عدن في فبراير 2015.
ووصف العملية بأنها كانت ناجحة ومفاجئة ونُفذت بسرية بالغة، مؤكداً أن تفاصيلها الكاملة لم تُكشف حتى اليوم.
وبمجرد وصوله إلى عدن أعلن هادي تراجعه عن الاستقالة واستئناف مهامه الدستورية كرئيس للجمهورية، وهو ما أعاد ترتيب المشهد السياسي وأعاد الاعتراف الدولي والإقليمي بالشرعية اليمنية.
ويشير مصطفى إلى أن عدن تحولت خلال تلك الفترة إلى مركز سياسي ودبلوماسي نشط، حيث توافدت إليها قيادات الأحزاب اليمنية وسفراء الدول الراعية للمبادرة الخليجية وممثلو المجتمع الدولي.
سنوات الحرب والصراعات المعقدة
أما المرحلة الثالثة والأطول في مسيرة هادي، فقد امتدت من فبراير 2015 وحتى نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022.
وخلال هذه السنوات واجهت اليمن تحديات غير مسبوقة تمثلت في الحرب والانقسام السياسي والصراعات العسكرية، إضافة إلى الخلافات داخل معسكر الشرعية نفسها، فضلاً عن التباينات الإقليمية التي أثرت بشكل مباشر على مسار الحرب ومستقبل العملية السياسية.
ورغم تلك الظروف، يؤكد نصر طه مصطفى أن هادي تمكن من الحفاظ على الاعتراف الدولي بالدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، ومنع انهيار المركز القانوني للجمهورية اليمنية في المحافل الدولية.
السعودية ودعم بقاء الشرعية
ويشدد مصطفى على أن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً محورياً في دعم الشرعية اليمنية طوال سنوات الحرب، مشيراً إلى أن هذا الدعم كان عاملاً أساسياً في الحفاظ على الاعتراف الدولي بالحكومة اليمنية ومنع سقوطها سياسياً ودبلوماسياً.
ويرى أن قدرة هادي على الحفاظ على الشرعية الدستورية للدولة اليمنية طوال تلك السنوات تمثل أحد أبرز الإنجازات السياسية في مسيرته، رغم الانتقادات الكثيرة التي واجهها خلال فترة حكمه.
شهادة للتاريخ
ويختتم نصر طه مصطفى شهادته بالتأكيد على أن تقييم تجربة الرئيس عبدربه منصور هادي يحتاج إلى قراءة متوازنة تأخذ في الاعتبار حجم التحديات التي واجهها والظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
فبين الإنجازات والإخفاقات، وبين النجاح في الحفاظ على الشرعية والفشل في منع الانقلاب والحرب، تبقى تجربة هادي واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في التاريخ اليمني الحديث، وتجربة ستظل موضع دراسة ونقاش لسنوات طويلة قادمة.




التعليقات