حكومة الغياب.. هل يوجد سلطة فعلا تحكم اليمن ؟
منذ أكثر من عقد من الزمن، يعيش اليمن واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث، وبينما يرزح ملايين اليمنيين تحت وطأة الحرب والفقر وانهيار الخدمات، يطرح الشارع اليمني سؤالاً يزداد إلحاحاً يوماً بعد آخر: أين الدولة؟ وأين الحكومة؟ وأين القيادة التي يفترض أنها تمثل الشرعية وتدير البلاد؟
ففي الوقت الذي تغرق فيه مدن اليمن، وفي مقدمتها عدن، في أزمات الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار وتدهور العملة وانهيار الخدمات الأساسية، لا يزال معظم المسؤولين يديرون شؤون البلاد من خارج الحدود، متنقلين بين العواصم والفنادق والشقق الفارهة، فيما يواجه المواطن يومياً معركة البقاء على قيد الحياة.
لقد أصبح من غير المفهوم أن تستمر حكومة تصف نفسها بأنها الحكومة الشرعية في إدارة بلدها من الخارج طوال هذه السنوات، بينما يعيش المواطنون في الداخل كل تفاصيل المعاناة والأزمات. فالدول لا تُدار عبر المؤتمرات والاجتماعات الافتراضية، ولا تُبنى المؤسسات من خلف أبواب الفنادق المكيفة، بل تُدار من الميدان وبين الناس وفي قلب الوطن.
اليوم، لم يعد المواطن اليمني يبحث عن الخطب والتصريحات والوعود المتكررة بقرب الحسم واستعادة الدولة، بل يبحث عن كهرباء ومياه ورواتب واستقرار وأمن وخدمات أساسية تحفظ كرامته الإنسانية. سنوات طويلة مرت، وما زالت الوعود ذاتها تتكرر، بينما تتراجع الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة.
وتزداد علامات الاستفهام حول أسباب استمرار غياب مؤسسات الدولة عن العاصمة المؤقتة عدن، ولماذا لا يعود رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة والوزراء للإقامة الدائمة داخل البلاد وإدارة الملفات من الداخل؟ فوجود القيادة بين المواطنين ليس مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية وأخلاقية تعكس الشعور بالمسؤولية وتحمل الأعباء مع الشعب.
كما يثار تساؤل مشروع حول مصير الموارد العامة للدولة، من الضرائب والجمارك والإيرادات المختلفة، إضافة إلى الدعم المقدم من الأشقاء والأصدقاء، ومدى انعكاس تلك الموارد على حياة المواطنين وتحسين الخدمات والبنية التحتية وإيقاف التدهور الاقتصادي المستمر.
وفي الوقت الذي تستمر فيه ميليشيات الحوثي في فرض سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، ينتظر اليمنيون رؤية مشروع وطني واضح يعيد بناء مؤسسات الدولة ويوحد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت قيادة واحدة ويضع استراتيجية حقيقية لاستعادة ما تبقى من الوطن، بدلاً من حالة الجمود التي طالت سنواتها.
إن استمرار إدارة الدولة من الخارج يضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويمنح خصوم الشرعية مساحة أوسع للتشكيك بقدرتها على إدارة البلاد واستعادة الدولة. كما أن بقاء القيادات بعيداً عن واقع المواطنين ومعاناتهم اليومية يخلق فجوة كبيرة بين السلطة والشعب، ويزيد من حالة الاحتقان والإحباط التي تتسع يوماً بعد آخر.
اليمنيون اليوم لا يريدون شعارات جديدة، بل يريدون دولة حاضرة على الأرض، وقيادة تعيش همومهم، وحكومة تعمل من داخل الوطن لا من خارجه. فالشعوب تُقاس ثقتها بحكامها بمدى قربهم منها في أوقات الشدة، لا بعدد البيانات الصادرة من الفنادق والعواصم البعيدة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في كل بيت يمني: إذا كانت الحكومة الشرعية لا تستطيع إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها من داخل اليمن، فكيف ستقنع المواطنين بقدرتها على استعادة بقية البلاد وبناء الدولة التي ينتظرها الجميع؟





التعليقات