فكرة الدولة ودولة الفكرة

نشر بتاريخ : 25 يونيو 2020

فكرة الدولة ودولة الفكرة

صحيح أنَّ «الإمامة الزّيدِيّة» عادت بعد المـُصالحة الوطنية لانكماشتها الاعتيادية «1970م»، إلا أنَّ عودة أعضائها الفاعلين لتقاسم السلطة والثروة، وممارسة مهامهم داخل النظام الجديد؛ حال دون تحقيق الثورة السبتمبرية لأهدافها المـُعلنة، وساهم إلى حدٍ كبير في إقصاء الثوار الحقيقيين، وتشكيل جيش مناطقي ولائه للقبيلة، وإفراغ الجمهورية من مضمونها، وما حدث في العام «2014م» من انتكاسة صادمة، ما هو إلا نتيجة مُتوقعة لتلك التراكمات.

وفي المـُحصلة المأساوية لم يكن تمدد الإماميين الجدد محض صدفه أو ارتجال؛ فثمة ارتباط وثيق بين هؤلاء وماضيهم، تمامـًا كـ «بني إسرائيل»، استفادوا منه، وأعادوا تدويره، وحين انهارت الدولة من الداخل، حلوا محلها، ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية قاهرة خدمتهم، وبقراءة فاحصة لعوامل تمددهم، نجد أنَّهم يعتمدون في الأساس على الدين المزيف، والأنصار المخدوعين، على اعتبار أنَّ دولة الكهنوت تبدأ - كما أفاد الفيلسوف الفرنسي فولتير - عندما يلتقي أكبر مُحتال بأكبر مُغفل.

ضربوا بعد ذلك القبائل الشمالية بعضها ببعض، حتى إذا ما استتب لهم أمرها، أطلقوها على الطرف الآخر، بعد أن غذوها بالنعرات المناطقية، والطائفية، والتكفيرية؛ كونها باعتقادهم أسرع وسيلة للتحشيد، خاصة في مُجتمع يغلب عليه الجهل، وتستوطنه ثقافة الفيد، وما شيوع مُفردات: «في عقر دارهم»، «اليمن حقنا» إلا لتكريس منطق التسلط والغلبة، وهي مُفردات اكتظت بها من قبل كتب سير أئمتهم، مع اختلاف بسيط في التشبيه والتسمية.

بين فِكرة الدولة، ودولة الفكرة ثمة علاقة طَردية من الصعب اختزالها، والتنافس الذي حصل خلال الـ «1150» عامًا الفائتة بين دول اليمن المـُتعاقبة، و«الإمامة الزّيدِيّة»، ما هو إلا صورة سوداوية لصراع يتكرر، ولو قرأنا تاريخ تلك الدول بتمعن، لوجدنا أنها جاءت امتدادًا للدولة التي تتجدد وتتطور وإن تغيرت مسمياتها، بعكس فكرة الإمامة التي تمضي قُدُمًا دون تجديد، وإن تغيرت تفسيراتها، وتعددت أسماء من يتولون زمامها، وما دامت - أي الإمامة - بنظر مُعتنقيها عقيدة، وجزءًا من الدين، فمن الصعب اجتثاثها.

عبر تاريخها الطويل، تنكمش «الإمامة الزّيدِيّة» إذا ما وجدت دولة وحاكما قويا يصدها، وتتمدد إذا حصل العكس، ومن هذا المنطلق، وكي لا يظل التنافس والصراع بين فكرة الدولة، ودولة الفكرة حتى قيام الساعة، ينبغي مُجابهة الفكر الكهنوتي بالفكر العقلاني، ونبش تاريخ الإجرام الإمامي، وفضح وتعرية تجار الدين، من أطلقوا عليهم «الأئمة المـُعتبرين»، وقبل هذا وذاك تعزيز حضور الدولة، والجمهورية، وكل القيم الإنسانية النبيلة.