عن بعض ما فعلته بنا عصور الكُتَنْ

نشر بتاريخ : 29 أبريل 2020

عن بعض ما فعلته بنا عصور الكُتَنْ

بينما كان يحى حميد الدين يخوض حروبه منذ عام 1872 م باسم الحق الألهي المزعوم ضد تواجد الدولة العثمانية في اليمن كانت الأخيرة تنجز للحياة في هذا البلد شيئاً من الملامح الأولية للحضارة ليس في اليمن فقط بل في جزيرة العرب برمتها.

لا يعرف أحد من اليمنيين اليوم أنه كان لديهم عام 1878م أول كلية للبنات في صنعاء تحمل ذات الاسم كلية البنات .

وفي ذات العام افتتحت كلية الاداريين و المحاسبين أيضاً في صنعاء

إضافة إلى جامعة الصنائع التي كانت تهتم بإخراج الحرفيين المدربين

كما عرفت اليمن والمنطقة أول جريدة باسم جريدة صنعاء عام 1297 هجرية الموافق لعام 1879 ميلادية و عمل فيها يمنيين كثر بعد أن نقلت مطبعتها من الحديدة إلى صنعاء و صدرت هناك لمدة عامين باسم جريدة اليمن !

كان في صنعاء مستشفيان !

إضافة إلى تأسيس الكثير و الكثير من المؤسسات الحديثة في مجال الجيش كمبناه العثماني العظيم الذي يستخدم بعد ترميمه اليوم مجمعاً للدفاع .

وكذا بدايات مؤسسة السجل العقاري باسم الأوقاف و هيئة البرق و البريد .

كنت أظن أن المجلس التشريعي بعدن هو أول مجلس تشريعي في الجزيرة العربية لكن يبدو أن العثمانيين سبقوا الانجليز بكثير إلى تأسيس مجلس تشريعي في صنعاء أو على الأقل بالتوازي معه .( يحتاج الموضوع لبحث )

وكثير غير ذلك من المصالح و المؤسسات العمومية و الخدمية و التعليمية و العسكرية

ما الذي حدث بعد ذلك ؟

عام 1911 م حدثت كارثة حضارية عظمى في هذا الجزء من العالم اسمها يحى حميد الدين ودولته الإمامية المتخلفة التي عاشت كـ " كتنة " بشعة على لحم و دم و دين وحرية هذا الشعب وما تركه التواجد العثماني .

محى وقضى من أطلق على نفسه المتوكل على الله وباسم الله و الحق الإلهي وبمجرد دخوله صنعاء على كل تلك الملامح و أكثر ، و أعاد البلاد إلى ما قبل الإنسانية ، كما فعل أسلافه من أئمة الظلام و الدجل و الزيف .

تحولت تالياً في عهده و عهد ولده الناصر لدين الله أحمد من بعده غالبية تلك المؤسسات إلى هباء إلا ما يخدم بقاء سلطتهم الكهنوتية و ابتدأوا بمؤسسات التعليم و السيادة الشعبية بشكل انتقامي قذر ومنحط .

حول يحى حميد الدين مبنى المجلس التشريعي إلى مصنع " شمه " ليتبردق القبائل بدلاً عن الانشغال بأمور بلدهم !

حول أحد المستشفيات إلى دار له أطلق عليه دار السعادة !

حول جامعة الصنائع إلى سجن الصنائع !

لاتعرف نهاية كلية البنات ، غير ان كلية الإداريين و المحاسبين منح مبناها أحمد حميد الدين لأحد أصهاره .

أرادوا اليمن و اليمنين مجرد قبائل جاهلة و مبندقة وعلى الدوام جاهزة لتقبيل ركب حكام كهنوت جاؤوا بجهلهم وحقاراتهم وحقدهم كشذاذ آفاق يدعون نسبتهم لرسول الله ، كان يرعبهم ان يكون هناك متعلم من ابناء القبائل لأنهم أنفسهم جهلة لايحملون من العلم سوى خزعبلات فقهية عن أحكام الطهارة و النجاسة و عقائد بالية خلاصتها أنهم ظل الله في الأرض ، لاتستطيع جميعها أن تنبت في هذه الأرض التي نجسها وجودهم عليها نبتة ريحان .

أتسائل و يقطر من قلبي دم الغيظ كيف كان يمكن لسيناريو مختلف أن يصل باليمن لو أن من استلم البلد بعد العثمانيين كان اليمنيون أنفسهم أو من يخاف الله وفي نفسه ذرة خير و ليس شذاذ الآفاق من نسل الكتن .

سأترككم مع فقرة لأمين الريحاني أشهر مؤرخي العرب في عصره الذي زار اليمن في عهد الكتن يذكر أن من يريد أن يرى كيف كانت الحياة في القرون الوسطى فعليه بزيارة اليمن فيذكر :«وكأنك في السياحة في تلك البلاد السعيدة، تعود فجأة إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) لا مدارس، ولا جرائد، ولا مطابع، ولا أدوية، ولا أطباء، ولا مستشفيات في اليمن، إن الإمام هو كل شيء هو العالم، والطبيب، والمحامي، والكاهن».

كان هناك يا سيد أمين الريحاني لكن عهد الكتن عاود وجوده قبل حضورك .

وها نحن نسترخي و نستعد لأن نرى مبنى مجلس النواب أو جامعة صنعاء مصنعاً للشمة مجدداً .

-------------------------

* الكُتَنْ : جمع اسم حشرة البق الطفيلية التي تتغذى على دم الانسان كانت أشهر رفيق للإنسان اليمني طيلة عهود الإئمة البائدة .

الصورة للصفحة الأولى من جريدة صنعاء