الادارة الذاتية ولمن سترفع القبعة

نشر بتاريخ : 28 أبريل 2020

الادارة الذاتية ولمن سترفع القبعة

منذ اتفاق الرياض في نوفمبر 2019م تحركت السياسة قدما بينما تخلفت الحرب تدريجيا،  ولم يعد بامكان الحرب ان تفرض تغييرات اعمق وأشمل عما احدثته خلال السنوات الخمس السابقة، فقط نزاع القوى السياسية التي تمتلك المال والعسكر محليا هي من ظلت تتنازع فيما بينها، بينما ظهرت رغبات على مستوى معقول من القرب من صناع القرار الاقليميين تسعى لايجاد حلول او تسويات شاملة للحرب، المرتكزة على محوري التحالف والحوثي، اذ ان الشرعية بحكومتها واذرعها السياسية والعسكرية ظلت ملتزمة بما يمليه عليها التحالف والمملكة على وجه التحديد، بينما كان الواقع يتشكل وفق التزامات سياسية لقوى تتفاوت في خياراتها بعيدة المدى، مطرزة بزخارف الوعود ( ولا استطيع ان اجزم بالاتفاقات) الاقليمية وثيقة الصلة بدول التحالف كل على حدة..فالامارات كانت قد انجزت صيغها السياسية والعسكرية المحلية وفق نطاقات جغرافية محددة في الجنوب وفي تعز وفي الساحل الغربي الى الحديدة، اما المملكة التي اختلفت استراتيجيتها وهي الاقوى والاغنى والاكبر فقد ركزت وراهنت حتى هذه اللحظة على شمولية الشرعية وجيشها الوطني الذي بأي حال من الاحوال لن يتجاوزه الداخل المحلي او الخارج الدولي وبنت آمالها عليه سياسيا وعسكريا مع الاخذ بالاعتبار طموحات الامارات وخدماتها التي يمكن ان تقدمها عبر صيغها المحلية في اليمن.

لقد ادت صناعة الاطراف المحلية، الى ظهور الحوثي باعتباره القوي الأول وبفارق عن خصومه المحليين، الذين انصرفوا للتعارك فيما بينهم..فسقطت عدن وهي العاصمة المؤقتة بيد قوات الانتقالي في احداث اغسطس 2019م.

لقد وجد توازن جديد ومختلف عما بدأت الحرب عليه، الانتقالي كمغرد وحيد خارج سرب المتحاربين والذي يبحث عن الانفصال، صار قوة الامر الواقع في عدن، ولا اقول سلطة الامر الواقع، لقد تشوشت منذ اغسطس الصورة تماما بالنسبة للتحالف، ليس المملكة وحدها ولكن معها الامارات، وتأخرت بنود اتفاق الرياض وانجازها شهرا ثم شهرين وأكثر، وانخفضت درجة حماسة جماهير كل الاطراف المحلية ( عدا جمهور الحوثي)، الشرعية تبحث عن الحرب لرد الاعتبار، الانتقالي يبحث عن الحرب لتأكيد الانتصار، حراس الجمهورية يسعون للتمدد وغيرهم شرقا وغربا وجنوبا ووسطا يسعون لاهدافهم الخاصة، أما آلام الناس فقد كانت تتفاقم على طول هذه المسافات الزمنية وعلى كامل البقع الجغرافية، نتيجة الاهمال الشديد والتقصير وعدم التجاوب مع احتياجاتها الفعلية التي انتجتها الحرب، صارت كل القوى اذن تنتج الحرب ولا تقدم اي معالجات سريعة او طارئة ملموسة وصادقة في معالجة اثارها وتداعياتها، لقد مس ذلك الانهيار حتى قدرة التحالف على اتخاذ قرارات او انفاذ اتفاقات كاتفاق الرياض مثلا، هذا التثاقل سبب ترنحا حادا للشرعية وفي نفس الوقت بطئا مؤثرا وسلبيا على اداء الانتقالي في عدن فتحول نصره الى حفلة دعائية فشلت في نهايته لتثير غضب الجمهور المشاهد الذي دفع ثمن التذاكر من عرقه ودمه طيلة سنوات الحرب وحتى هذه اللحظة.

مساء 25 ابريل 2020م اصدر الاجتماع الطارئ لقيادة الانتقالي بيانا لم يسمه البيان رقم صفر او رقم 1، اعلن من خلاله حالة الطوارئ في عدن والجنوب، واتخاذ اجراءات سماها (الادارة الذاتية)،  وبرر ذلك بعدة اسباب اهمها معاناته من قصور في دور التحالف الداعم له، والشرعية كذلك، ولكن لكون الشرعية خصمه وغريمه المطرود حكومته من عدن قبل عدة اشهر بالسلاح، يصبح الملام الفعلي في الموضوع والبيان هو التحالف العربي، لقد قرر الانتقالي كما اتصور ودون انتباه ان يواجه التحالف بصورة رئيسية، وهو يحاول منع انفلات الاوضاع من يده وفقدان زمام المبادرة في عدن.

هذه الوقفة الجديدة للانتقالي هذه المرة تحت يافطة الادارة الذاتية واختزال دور عدن من العاصمة المؤقتة الى المدينة المحكومة بحالة الطوارئ، لم يحسن شيئا في الوضع السياسي للانتقالي بعد خروج معظم محافظات الجنوب بصفتها الرسمية رافضة للبيان ومؤيدة للشرعية، لقد تحولت العاصمة المؤقتة للحرب طيلة خمس سنوات ، الى حالة جديدة مختلفة تماما، هي حالة لا يمكن الرهان عليها طويلا للبقاء هكذا، حالة يمكن ان نعتبرها كاهتزاز شوكة الميزان قبل ميلها نحو الكفة الأثقل وزنا، اعتقد ان الانتقالي قد يتراجع عن بيانه وقرار حالة الطوارئ لأنه يبدو كمن انزل الستار على خشبة المسرح والمسرحية التي هو بطلها الوحيد وهو جمهورها لم تنته بعد.

اتمنى الا تكون هناك اي معارك او حروب اضافية تسجل احداثها في الايام او الاشهر القليلة القادمة..فالشرعية يكفيها أن تثبت سلطانها على المحافظات الجنوبية التي تقع في سيطرتها، كي تطلب من الانتقالي تسليم عدن سلميا، كما يكفيها ان تستمر في الاخذ والرد مع التحالف كي تضمن استمرار حصولها على الدعم و تعطيل قدرات وفرص الانتقالي في المناورة، وهو يعلم أن ليس في صالحه، وبأي حال من الاحوال دوام الحالة الناشئة في عدن الى ما لا نهاية،  كما يعلم ان عليه ان تتغير بعض خصائصه ومواصفاته لتتناسب وحجم الادارة الذاتية..حين سترفع القبعات للفائز للنهائي.