قراءة لأهم أحداث وتحولات الصراع في اليمن

نشر بتاريخ : 13 أبريل 2020

قراءة لأهم أحداث وتحولات الصراع في اليمن

نشرت "المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية" مؤخراً كتاباً هاماً للباحث عاتق جار الله، بعنوان: "بوصلة الصراع في اليمن.. دراسة لأهم التحولات الاستراتيجية"، أستعرض هنا باختصار أبرز ما تناوله الكتاب من دراسة وتحليل لأهم الأحداث والتحولات في اليمن خلال ثلاث سنوات تمثل نقطة التحول في مسار الصراع اليمني الممتد منذ أكثر من خمس سنوات.

سعى الباحث جار الله من خلال هذه الدراسة إلى قراءة التطورات الاستراتيجية في المشهد اليمني خلال الفترة (2017-2019) في إطار رصد المتغيرات المحلية ومحددات التأثير الداخلية والخارجية عليها.

وتأتي أهمية الكتاب من أهمية الفترة الزمنية المبحوثة، وما شهدته من أحداث محورية في تاريخ اليمن والإقليم، ويمكن اعتباره وثيقة تاريخية لكون الباحث اعتمد المنهج التاريخي في سرد أحداث وتطورات الساحة اليمنية، مستنداً على الأرقام والحقائق الموثقة في تقارير محلية ودولية.

يقع الكتاب في 174 صفحة، ويتكون من ثلاثة فصول، كل فصل يسلط الضوء على فترة زمنية محددة ويناقش طبيعة الأحداث وتداخل بعضها ببعض، متقصياً التغييرات في أجندة القوى المحلية والإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة اليمنية، وانعكاسات ذلك على الأوضاع العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، وينتهي بوضع سيناريوهات لمستقبل الصراع في اليمن وفق معطيات و استنتاجات الدراسة.

حاول الباحث في مقدمة الكتاب التعريج السريع على مسار الصراع منذ انقلاب الحوثيين وصالح على الرئيس هادي وحكومته في العام 2014 حتى نهاية العام 2016.

أما العام 2017 فقد دخل ضمن الإطار الزمني للدراسة حيث خُصص له فصل بعنوان: "بداية التحولات" وتناول تطورات العام 2017 التي غلب عليها الطابع العسكري، وبداية الصدام بين الحكومة اليمنية ودولة الإمارات.

ويرى جار الله أن الحكومة اليمنية عانت من غياب استراتيجية بناء الدولة، نتيجة اختلاف أجندات الحلفاء في التحالف العربي، وقد ساهم ذلك في فشلها في بناء مؤسسات الدولة في (العاصمة المؤقتة عدن) نتيجة تنامي النزعات الانفصالية والصراعات الجهوية في المحافظات الجنوبية، مما شكل مهدداً لوحدة الجغرافيا والنسيج الاجتماعي اليمني.

كما أن خارطة النفوذ الحكومية لم تتغير كثيراً خلال 2017، حيث تسيطر قوات الحكومة اليمنية وقوات التحالف العربي على 11 محافظة من أصل 22 محافظة، وتمثل مناطق سيطرة الحكومة 80% من مساحة البلاد و 35% من السكان، وتقع فيها الثروات النفطية غير أن الحكومة لم تستفد منها، في المقابل ظلت 11 محافظة شمالية وغربية كثيفة السكان (65% من السكان) تحت سيطرة الحوثيين.

سياسياً، شهدت اليمن خلال 2017 حالة من الصراعات متعددة الأوجه، بين الشرعية والانقلاب، وبين متطلبات العملية السياسية وضرورات العمليات العسكرية. وفي هذه الفترة أيضاً شُلّت حركة الأحزاب السياسية في مقابل صعود متنامي للمليشيات والقوى المناطقية (الانفصالية).

واعتبر جار الله أن السعودية كانت الطرف الأكثر تأثيراً في اليمن، وظلت خلال هذه المرحلة منفردة بالملف اليمني، لكن ذلك تقلص لصالح النفوذ الإيراني في الشمال والإمارات في الجنوب، التي عمدت إلى إضعاف حكومة الرئيس هادي وتأسيس مجموعات مسلحة تقف ضد الحكومة الشرعية وأهمها "المجلس الانتقالي الجنوبي" ذو النزعة الانفصالية في عدن.

لقد مثلت أحداث العام 2017 بداية لتحولات عميقة الأثر، بنيت عليها أحداث العام 2018، وفرضت واقعاً لتسويات سياسية بدى فيها نفوذ القوى الدولية واضحاً في عدم جديته لإنهاء الصراع في اليمن، مستثمراً حالة المراوحة بين السلم والحرب، الذي اتسم به العام 2018.

أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان: "رسم الاتجاهات"، وناقش أحداث العام 2018، حيث رافقه الكثير من التطورات المتسارعة التي أنتجت تداعيات في الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية.

في هذا العام راوحت العمليات العسكرية مكانها مع تحول ملحوظ لصالح قوات الحكومة الشرعية في عدد من محاور وجبهات القتال، بينما ركز الحوثيون في هذه الفترة هجومهم بالصواريخ باتجاه عمق الأراضي السعودية والعديد من المناطق الخاضعة لسيطرة الشرعية.

وتطرق هذا الفصل إلى التطورات السياسية أهمها؛ استمرار استهداف الإمارات والكيانات المحلية التابعة للسلطة الشرعية في مناطق سيطرتها والتحرش بالوحدات العسكرية والأمنية للرئيس هادي في مدينة عدن. كما انخرطت الشرعية في مفاوضات ثنائية مع الحوثيين صاحبها ضغوط دولية غير مسبوقة نتج عنها تسوية سياسية وعسكرية عرفت بـ "تفاهمات السويد"، تسببت في وقف العملية العسكرية على مدينة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وأرجع الباحث قبول الشرعية لتلك التفاهمات إلى الضغوط الدولية على السعودية بسبب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي والتداعيات الإنسانية للحرب في اليمن.

تزامن الصراع اليمني – الإماراتي مع صراع آخر بين قوى اجتماعية في محافظة المهرة موالية للشرعية وقوى أخرى موالية للسعودية، مع استمرار حدة الخلافات بين السلطة المحلية بمحافظة أرخبيل سقطرى وبين دولة الإمارات، الأمر الذي وسع من دائرة المطالبة بإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية والتحالف على قاعدة الندية، وهي دائرة نشط في إطارها وزراء داخل الحكومة الشرعية، ولا تزال آخذة في الاتساع.

وتناول الكتاب في فصله الثالث، الذي حمل عنوان: "تغيير بوصلة الصراع"، الأسباب التي وقفت خلف تراجع حدة المواجهة بين الجيش الوطني التابع للشرعية وجماعة الحوثي، وكان أبرزها؛ تصعيد الإمارات ضد الحكومة في المناطق الجنوبية ودعمها للتشكيلات العسكرية التابعة لـ "المجلس الانتقالي الجنوبي" (الانفصالي)، وأدى ذلك إلى إخراج الخلاف بين الحكومة اليمنية والإمارات للعلن.

كما شكل الهجوم الحوثي على منشآت نفطية حيوية في السعودية واحدة من أهم التطورات العسكرية المرتبطة بالحرب في اليمن والمنطقة.

خلافاً للأعوام السابقة، شهد عام 2019 تغيراً كلياً في بوصلة الصراع، حيث صعّدت الإمارات ضد الحكومة الشرعية في المناطق الجنوبية، وساق هذا التصعيد إلى سقوط عدن بيد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، تبعه قصف الطيران العسكري الإماراتي لوحدات من القوات الحكومية، ونتج عن ذلك خروج الخلاف اليمني الإماراتي للفضاء الدولي. وهنا تدخلت السعودية لاحتوائه برعاية اتفاق سياسي عرف بـ "اتفاق الرياض".

اعتبرت الدراسة "اتفاق الرياض" الذي رعته السعودية بين الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي التطور السياسي الأبرز في عام 2019، بالإضافة إلى اتجاه الرياض للحوار المباشر مع الحوثيين، بالتزامن مع جمود للدور الأممي في المباحثات بين أطراف الصراع.

وفيما يتعلق بالمسارات المحتملة للأزمة اليمنية خلال العام 2020، توصلت الدراسة إلى ثلاثة مسارات وهي:

مسار "إنهاء الحرب وبناء وضع هش"، ويستند على افتراض مضي السعودية إلى تفاهمات مع الحوثيين تنهي الحرب، والتمهيد لتسوية سياسية شاملة، وأكد ذلك ما كشفه السفير السعودي لدى اليمن، قبل أيام، أن بلاده تجري محادثات يومية مع الحوثيين ودعت ممثلين عنهم وعن الشرعية لمحادثات سلام على أراضيها.

المسار الثاني تمثل في "استمرار البؤس" وتوقع استمرار اليمن في مسار تطورات سياسية وعسكرية وإنسانية سلبية، نتيجة التناقضات الكبيرة بين أطراف الصراع.

أما المسار الثالث فهو "الطوفان الإقليمي" الذي يفترض ارتباط التطورات في اليمن بتحولات رئيسية قد تشهدها المنطقة.

الدراسة أشارت إلى أن حالة التفاؤل لدى المجتمع اليمني وثقته بالتحالف أخذت تتضاءل منذ العام 2017، حيث بدأت أطراف التحالف السعي لتسجيل انتصارات خاصة في مسيرة التحكم الفعلي بالمشهد اليمني من خلال السيطرة على ألوية عسكرية وتشكيل فصائل مسلحة خارج مؤسسة الجيش، وإضعاف سلطة الحكومة الشرعية في المناطق المحررة من الحوثي، وهو ما خلق بذرة الشكوك حول حقيقة أهداف التحالف.

وتجدر الإشارة إلى أن الوضع الاقتصادي والإنساني ظل هو الأكثر تأثراً خلال مراحل الصراع المختلفة، وخلف تدهوراً حاداً لاقتصاد الدولة وأكبر أزمة إنسانية في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة، وقد ركزت الدراسة عليه بسرد عدد من التقارير المحلية والدولية.