عندما تقول “لا”

نشر بتاريخ : 30 مارس 2020

عندما تقول “لا”

يمر اليمن بمنعطف يعد الأسوأ في تاريخه، حيث دخلت الحرب عامها السادس دون ان نجد لها افق للحسم او للحل السياسي.

فمع استمرار مرحلة الـ لا حرب و الـ لا سلام والتي جرتنا اليها سياسة المبعوث الخاص لليمن السيد مارتن جريفت، وسار في دربها تحالف دعم الشـرعية، وتماهت معها القيادة الشرعية للجمهورية اليمنية، نجد ان اليمن يسير الى المجهول.

لقد تردي الوضع الإنساني في بلادنا بشكل لا يمكن اغفاله، حيث تشير التقارير الى أن 20 مليوناً من أصل 24 مليون نسمة أصبحوا الآن في تعداد الفقراء، أي ما نسبته 80% من إجمالي عدد سكان اليمن ، وان عدد اليمنيين الذين يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي قد بلغ أكثر من 14 مليون يمني وفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «فاو»، وان هناك اكثر من 21.2 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى نوع من المساعدة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، بالإضافة إلى ان هناك اكثر من 20.4 مليون يمني يعانون شُحّ الحصول على المياه الصالحة للشـرب وخدمات الإصحاح البيئي الضرورية وفق إحصائيات منظمة اليونيسف.

كل ذلك يأتي في الوقت الذي تشير فيه الإحصائيات إلى أنّ نسبة البطالة قد تجاوزت ما نسبته 60% من إجمالي القوى القادرة على العمل، خاصة بعد ان فقد آلاف العمال والموظفين وظائفهم بسبب توقف الشـركات العاملة في اليمن وهاجرت جل روس الأموال للخارج، وانعدمت البدائل التي تضمن مصادر أخرى للدّخل، وهو ما أسهم في تفاقم الوضع الإنساني.

كل ذلك يمر وحكومتنا مغيبة عن المشهد بشكل تام، بل اكاد اجزم ان لا حكومة تسير الشؤون العامة للدولة، فقد انغمست أشلاء الحكومة في الأمور الثانوية والهامشية واقتصـر دورها على صرف بعض المرتبات في بعض المناطق المحررة، وعقد بعض اللقاءات الهامشية ذات الصبغة الإعلامية، والتفرغ لإصدار البيانات دونما شعور بأدنى حد من المسؤولية، مما ولد حالة من الإحباط في أوساط اليمنيين الذين علّقوا على الحكومة الآمال العريضة.

لقد اختل الميزان ومال في الاتجاه الذي يُنذر بالكارثة التي لا يمكن لاحد تداركها، وبات من الواضح ان رئيس الحكومة معين عبد الملك يعمل على تنفيذ اجندة خاصة تختلف كلياً عن الاجندة العامة المعلنة من الشرعية.

لا ينكر أحد ان الغياب الواقعي لمؤسسة الحكومة بكل وزاراتها، وترهل أدائها، وانعدام روح المسؤولية فيها، وتعمد تجاهل أعضاءها، وغياب الشفافية والمسائلة، وتحييد القانون في ممارستها لمهامها، واحلال المزاجية في تسيير شؤونها، هي السمة التي وصمة مرحلة العمل في حكومة معين عبد الملك، ولا يمكن اغفال حدة الامتعاض والغضب والإحساس بالظلم جراء ذلك لدى جل مكونات المجتمع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشـرعية والتي تعاني كلها من نقص للخدمات في كافة المجالات، بجانب انعدام الأمن والاستقرار.

لم يكن كل ذلك ليمر دون ان ندق ناقوس الخطر، فكان ان وجهت للرئيس خطاب في الثالث من يوليو 2019م على امل ان نجد صداء لما اثير فيه، ولكن للأسف لم نجد التجاوب مع ما طرح امام الرئيس، ولم نجد أي حامل سياسي داخل الحكومة يمكن ان يدفع بما يثار لإصلاح الخلل، فكان تعزيز الخطاب الأول بخطاب ثاني فيه نفس نقاط الخطاب الأول أرسل في الخامس من فبراير 2020م.

وللتاريخ أجد ان من الأهمية ان اضع الجميع امام اهم النقاط التي وردت في تلكم الخطابات والتي تتلخص في:

• وضع الأسس التي يمكن البناء عليها لإعادة ترتيب العلاقة بين اليمن والتحالف العربي من خلال النظرة الواقعية لخلق الشـراكة والمشاركة في كل ما له صلة بالملف اليمني، بعيداً عن التهميش والاقصاء والتفرد في اتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة باليمن وبما يحافظ على السيادة الوطنية.

• الدفع نحو خلق التوازن في العلاقة فيما بين اليمن وشركاءها في التحالف العربي، انطلاقاً من منظور الشـراكة لا من منظور التابع والمتبوع، والوقوف امام تداعيات ممارسة الضغوط المباشرة وغير المباشرة على الحكومة الشـرعية، والتي ولدت حالة من الحنق الشعبي والرفض المجتمعي لكل ما له صلة بالتحالف بشكل عام وبالحكومة الشـرعية بشكل خاص.

ونظراً لانهيار معظم مقومات الدولة والشلل شبه الكامل لمعظم مؤسسات الدولة والذي أثر بشكل كلي على جُل مقومات الحياة العامة في اليمن، ولأهمية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن نتيجة الانقلابات التي تمت على الشـرعية، وفي ظل التجاذبات السياسية، وعلى ضوء الواقع المعاش، ونظراً لما ينتظره المواطن من إصلاحات، فان امر إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن احتل أولوية في تلكم الخطابات لما له من اثر في تماسك الجبهة الداخلية حيث تم التركيز على:

• اعتماد مبدأ الشفافية والوضوح في طرح قضايا الوطن وبمسؤولية عالية قوامها إصلاح الخلل، وتبصير أبناء الوطن بحقائق الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

• إعادة صياغة محددات العمل السياسي، وتطوير أسس المشاركة السياسية مع وبين مختلف الاحزاب منطلقين من أهداف واضحة تعتمد على مبدأ المصارحة والمكاشفة بروح المسؤولية الوطنية وإشراك المجتمع في وضع أسس الحل لمختلف القضايا الوطنية.

• اعادة الثقة في الجهاز الإداري للدولة يجب ان ينطلق من زاوية التغيير الشامل في منظومة العمل والتوجيه بإيقاف اصدار قرارات التعيين في كل المستويات الإدارية العليا والدنيا وكذا التعيين الجديد.

• اخضاع التعيينات في جميع المناصب الإدارية لشـروط الخدمة المدنية واللوائح والنظم والقوانين النافذة، والاعتماد على مبدا الشفافية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في التوظيف والتعيين بعيداً عن المحسوبية والمناطقية والحزبية والواسطة، وبما يضمن اعادة الهيبة لمؤسسات الدولة.

وبما ان الاقتصاد يعد المحرك الأساسي للاستقرار فان من اوجب الواجبات إلزام الحكومة بوضع سياسة اقتصادية ومالية محددة وواضحة تضمن النمو الاقتصادي، من خلال عدد من الإجراءات العاجلة لضمان إيقاف التدهور الاقتصادي المؤثر على معيشة المواطنين، وان تنطلق سلسلة الإصلاحات في هذا الجانب بـ:

• تقييد الحكومة والزامها بوضع موازنة عامة للدولة وهو ما يفتقد حتى اللحظة، وإصلاح النظام النقدي لضمان ايقاف تدهور العملة الوطنية.

• وضع ملف إعادة تصدير النفط والغاز امام تحالف دعم الشرعية لضمان إعادة تصدير الغاز من بلحاف لما له من اثر في تحسين الوضع الاقتصادي والمالي للدولة.

• إلزام الحكومة بوضع الضوابط والاجراءات الكفيلة بتحصيل موارد الدولة من الضرائب والجمارك، ومختلف الرسوم، وإلزام كل المحافظات بتوريد المتحصلات القانونية في الحسابات الرسمية للحكومة، ووضع الية لتحصيل ضرائب كبار المكلفين في العاصمة المؤقتة عدن لتعزيز قدرات المالية العامة للدولة.

• تطوير أداء وحدة مكافحة غسيل الأموال وتمكين المؤسسات الرقابية من أداء دورها في مكافحة الفساد والرشوة والتسيب الإداري المؤدي للفشل الاقتصادي.

وبالنظر للدور المحوري الذي يجب ان تلعبه الدبلوماسية اليمنية كان لابد من التطرق لهذا الملف الهام حيث لم ترتقي سفاراتنا وسفراءنا في الخارج لمستوي المسؤولية في بلد تمر بأخطر مراحل تثبيت شرعيتها امام المجتمع الدولي … ولم نلمس أي تفاعل حقيقي وملموس لسفاراتنا في الخارج فلا لقاءات دورية ولا تنسيق لفعاليات مع الجهات الرسمية ولا غير الرسمية، ولا أي محاولات تبذل لتسهم وبشكل فعال ومؤثر في تغيير توجهات وقناعات الرأي العام الخارجي الرسمي والشعبي تجاه قضيتنا العادلة، و لم تتمكن سفاراتنا من أخذ زمام المبادرة لاختراق صناع القرار السياسي والمنظمات الحقوقية والإنسانية والجمعيات الخيرية الأهلية في مختلف دول العالم، بل بالعكس فقد تمكنت جهات تتبع الانقلابيين ولا تملك أي غطاء رسمي من ذلك، ووجد ان كل سفارات بلادنا في الخارج تعاني من الشلل التام وأصبح سلم الأولويات لدي كل العاملين في سفاراتنا دون استثناء ينصب في متابعة المستحقات المالية وتعيين الأقارب هنا وهناك، والبحث في امر دراسة الأولاد، ودراسة سبل الاستقرار الاسري للعاملين في السفارات (ما بعد انتهاء فترة التعيين).

من هنا كان لابد من التطرق لعملية اصلاح هذا القطاع من خلال:

• اجراء تغييرات سريعة وشاملة للسفراء الذين اثبتوا فشلهم في مختلف الدول مع التركيز على سفاراتنا في الدول المحورية.

• إلزام وزارة الخارجية بمراجعة كل القرارات التي صدرت بالتعيين او التوظيف خارج كادر وزارة الخارجية، وإلغاء كل قرارات تعيين أقارب المسؤولين من وزراء ومحافظين وسفراء من الدرجة الاولى والثانية، مع الغاء كل الملحقيات المستحدثة ما بعد 2014م.

• إلزام وزارة الخارجية بوضع استراتيجية مدروسة وخطط تنفيذية مزمنة وواضحة يكون من خلالها التعامل بفعالية عالية مع المستجدات على الساحة اليمنية.

ومما لا شك فيه ان الاعلام يلعب الدور الكبير في معركة الشرعية لاستعادة الدولة، لذا كان ان تم التطرق لما يمكن ان يسهم في تكوين الوعي لمعظم شرائح المجتمع ولكل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية و خلق اعلام واعٍ و مسؤول، يعمل على تضييق الفجوة فيما بين المكونات الداعمة للشرعية، ومراجعة ما يقوم به الإعلام من دور سلبي مؤثر على واقع الحياة العامة في اليمن، خاصة وان الإعلام الرسمي يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في التخفيف من حالة الاحتقان السياسي الذي اثر سلباً على مختلف المكونات الداعمة للشرعية.

لقد أثبتت الاحداث منذ أغسطس 2019 وحتى الان ان تمكين الشرعية من الحسم العسـكري لن يكون متاح، وأصبــح في حكم المؤكد ان تحقيق الانتصار العسكري أصبح بعيد المنال، وان الضغوط الإقليمية والدولية ستمارس على الشرعية لحثها على الجلوس لطاولة المفاوضات والترتيب لمرحلة السلام وإيقاف الحرب … لذا وُجد ان الأهمية تقتضي سرعة اعداد رؤية شاملة للسلام في اليمن تضمن إنهاء الحرب وتحقيق السلام العادل والشامل، وفقاً للمرجعيات الأساسية، وبما يضمن انهاء الانقلاب واستعادة الدولة، و تطبيق الأسس والمبادي الديمقراطية والتعددية السیاسیة، والتداول السلمي للسلطة والقبول بالأخر، وتحقيق المواطنة المتساوية لكل أبناء اليمن، فلا فوارق ولا امتيازات ولا تهميش ولا إقصاء، و التأسيس لمشاركة مختلف الأطراف السياسية في السلطة وفق أسس ومعايير واضحة ودائمة وغير قابلة للالتفاف عليها، وصون الحقوق المادية والمعنوية لكل مواطني الجمهورية اليمنية من خلال عدالة القانون، ورفض كافة أشكال التعصب المناطقي والمذهبي والحزبي والفئوي، وتحقيق المصالح الوطنية العليا للجمهورية اليمنية، ووضع أسس للسياسة الخارجية قوامها التوازن في العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي بما يحافظ على السيادة الوطنية.

تلكم هي خلاصة الخطابات التي سيقت للأخ الرئيس والتي من المؤكد انها لم تكن غائبة عنه او عن المحيطين به، ولكني متأكد ومتيقن انها غائبة عن رئيس الحكومة الذي تاه فيما بين تنفيذ استحقاقات قيادته لمجلس الوزراء والتي لم تكن واضحة له، وبين تنفيذ استحقاقات الجدار الساند له… وبالتالي وجدت ان امانة المسؤولية والبر بالقسم الذي اديته امام الرئيس هو الذي دعاني لرفع تلك الخطابات.

مع التأكيد على ان جملة المواضيع التي وضعت في الخطابات سالفة الذكر وغيرها من المواضيع كانت قد وضعت ضمن أوراق عمل أرسلت للأخ رئيس الوزراء معين عبد الملك لعل وعسى ان يبادر في اصلاح ما أفسده الدهر، الا ان عنوان الرفض لكل ما يمكن ان يعالج الخلل كان هو العنون.

* ملاحظة: (ولله الحمد، فالتكنولوجيا لم تترك مجال لدحض هذا الامر او انكاره)

وبعد كل ذلك وبعد ان بذلت كل جهداً ممكن لمحاولة اصلاح المسار وطرق مختلف الأبواب وجدت نفسي ملزم بتقديم استقالتي من العمل الحكومي، والاستمرار في العمل الوطني والاسهام في الدفاع عن النظام الجمهوري وعن السيادة الوطنية وفق الثوابت الوطنية والمبادئ التي أؤمن بها والتي تغلب المصلحة العليا لليمن الأرض والانسان.

والله من وراء القصد،،،

عن الموقع الخاص بالكاتب.