العالم الهشْ!

نشر بتاريخ : 28 مارس 2020

العالم الهشْ!

إنَّ الأحداث المتسارعة التي يعيشها الكوكب البشري؛ أقرب إلى العجبِ منها إلى الحقيقة، لم نكن نتخيلُ لوهلةٍ واحدة أن يقفُ العَالم بسطوته الرهيبة عاجزًا، وهو الذي ظنَّ أن لنْ يقدرَ عليه أحد؟!

لستُ هنا واعظًا أجترُّ ما يُكتبُ ويُقال في الفضاءاتِ المختلفة من خطاباتٍ أحادية، عاطفيةٍ تتكئ على أفكارٍ باليةٍ تقتنصُ كل أزمةٍ للحديثِ عن القضايا التي تشغلُ حيزًا من تفكيرهم قبلَ الأزماتِ وبعدها!

إنني هنا أقفُ دقيقة حِدادٍ على العجز الإنساني، الاستسلام اللامألوف، الصَّمت الصارخ الذي طالَ العالم.. عن حكايا الموت التي تأتينا من قاراته المتعددة..! من كان يصدِّقُ أنَّ القارة الشقراء - مثلًا - يموتُ فيها الناس بأرقامٍ مرتفعة كما يحدثُ عندنا في الشَّرق؟!

لقد استقرَّ في أذهاننا أنَّ الموتَ مناط بنا.. نحتقِبُه معنا في كلِّ مكان.. نتعاطاه، ونتدوال أخباره كأيِّ خبرٍ عابرٍ في نشرات الأخبار أو مجالسنا الخاصة! ولم نكن نعلم أنَّ الموتَ قد يوحدنا مع البشريةِ في طاولةٍ واحدة!

إنَّ الإنسانَ اليوم مطالبٌ بالتوقف، التوقف عن كلِّ مناشطِ الحياة، الحياة التي أحكْمَ زمامها، وجعلها فردوسًا أبديًّا يمارسُ فيها قوانين التسلُّط التي أوجدها حفاظًا على سطوته من التلاشي!

البشرية برمتها لابدَّ أن تقف، وفي لحظات التوقفِ تلك؛ لابدَّ من إعادةِ التفكير.. فـالعَالم بعد كورونا لن يكون أو لا ينبغي أن يكون كما هو قبلَ كورونا.. لقد أوصدَ الطُّوفان كل شيء.. كل شيء، ابتداءً من دُورِ العبادة إلى أماكنِ اللهو والعبث.. وقفَ العالم كله ينتظر لحظةَ الخلاص والانعتاق من هذا الغازي المرعب!

في اللحظة التي وصلَ الإنسان فيها إلى لحظةِ الاكتفاء، والإحساس بالقوةِ المفرطة، والتمكُّن من السيطرة المطلقة، والتعامل مع الطبيعة بنديةٍ حادة، يأتي فيروس صغير لا هوية له، فتقف له كل البشرية عاجزة، بلا حيلة ولا قوة! وإن فقدان الحيلة والقوة بالطريقة التي نراها اليوم؛ ضربٌ من ضروبِ التأديبِ الذي طالَ البشرية!

إن مِن طَبعِ الإنْسانِ أن يَطغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِه الِاستغناءَ، "كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى"، و"الاستغناء يوهمُ صاحبه أنه غير محتاجٍ إلى غيره، وأنَّ غيره محتاج إليه، فيرى نفسه أعظم من كل شيء.. ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصبو خُلُقًا، حَيْثُ لا وازعَ يَزعُه مِن دِينٍ أوْ تَفكِيرٍ صحيحٍ". فَيطغى على النّاسِ/الكوكب لشُعُورهِ بِأنَّه لا يَخافُ بعدَ كلِّ مراحلِ القوة التي جعلتْ منه شبيهًا بالإله!

والاستغناء أثرٌ من آثارِ الطُّغيان، الذي هو في حقيقته تجاوزٌ للحد، ولمَّا كانت البشرية غارقة في الطغيان، تأخذ منه كلُّ أمةٍ بمقدار؛ كانَ لزامًا أن تقفَ لحظةً للتأديب، والوقوف على الحقيقةِ الكاملة.. بأنَّ قوتنا مهما تعاظَمت؛ تقفُ عاجزة في وجه مخلوقٍ خفيٍّ، أذلَّ الله به كل طغيانٍ بشريٍّ وتأله إنساني. وأنَّ القوة العظمى التي نسيناها - في غفلةِ اغترارنا بالقوةِ التي نعيشها-، هي القوة المطلقة، قوة الإله عند المؤمنين، أو القدرة العظمى المطلقة التي تتحكمُ بهذا الكونِ العظيم عند غيرهم..!

إنَّ العالم الآن مستغرقٌ في البحثِ عن الخلاص، كلٌ بطريقته الخاصة، وإمكاناته المتاحة، الخلاص من ماذا؟!

 الخلاص من الفناء!

بهذه المعادلة البسيطة المخيفة يعيشُ العالم في لحظته الراهنة، ينتظرُ بشرى تأتيه من هنا أو هناك.. تقولُ له: إنَّ العالمَ يتعافى!

سيتعافى العالم، لكن ستبقى لحظات الهشاشة التي عاشها تعيشُ في عقولِ وتفكير كثيرٍ من البشر.. لحظات الخوف، والهلع، والرحيل المفاجئ، ومعاناة الحجْر، وانتظار المصير، وتوقف كلِّ أشكال الحياة..!

برأيي أنَّ هذه الحوادث ستحدثُ توازنًا في النَّظر إلى العاَلم، قوة الإنسان، الآخر، وكذا إشكاليات ومسائل الدِّين والالحاد، وسؤال الأخلاق، ومرةً أخرى ستؤكدُ على هشاشةِ العَالم، العَالم الذي ظنَّ أن لنْ يقدرَ عليه أحدْ!