كورونا.. والشركات الناشئة

نشر بتاريخ : 21 مارس 2020

كورونا.. والشركات الناشئة

تعد الشركات الصغيرة والناشئة اكثر عرضة للمخاطر بسبب ضعف رأس المال، واعتمادها في الغالب على حركة العمل اليومية أو الاسبوعية على الأكثر في سداد مصروفاتها ونفقاتها، وعلى رأسها نفقات العاملين، ونفقات المدخلات، وتنشط عادة الشركات الصغيرة في مجالات الوساطة في التجارة العالمية، والوساطة المالية- إلى حد ما- والخدمات العامة، وكذا في مجال انتاج السلع الصناعية الوسيطة ومدخلات انتاج الصناعات الثقيلة، ضف إلى ذلك الشركات ذات طابع المشروعات الصغيرة ( المهنية خاصة) في بلدان العالم الثالث، والعمل في مجال السياحة الأشد تأثرا بالمخاطر.

وفي حال تعرض الاقتصاد إلى موجة ركود لأسباب مختلفة فأن هذه الشركات تعاني بشكل مباشر إذ يصعب عليها سداد التكاليف، وخاصة تكاليف العمالة على الرغم من ضحالتها، وهنا بُعد آخر إذ يؤثر ذلك على الشركات الصغيرة في الأجل المتوسط على صعيد فقدها للعمالة التي دربتها قبل فترة الركود والتي تبحث بدورها عن مصادر دخل أكثر أمانا، بالإضافة إلى تكاليف سداد القروض في حال وجودها، والتكاليف الثابتة التي لا تتعلق بالانتاج مثل الإيجارات، من جهة أخرى تتأثر قدرة الشركات الناشئة والصغيرة على الوفاء بسداد قيمة المواد الخام في حال تخصصها في الانتاج الصناعي وخاصة للمواد الوسيطة في الصناعة، بينما تتأثر الشركات ذات الطابع الزراعي أو المنتجة للسلع ذات المرونة المتدنية أي تلك التي تتعرض للتلف بعدم القدرة على تحمل تكاليف التخزين الطويلة، وتتأثر الشركات العاملة في مجال التصدير والوساطة التجارية في مجال التصدير والاستيراد بشكل مباشر، إذ أنها غير قادرة على تحمل تكاليف تاخير نقل الشحنات التجارية والتي يتم احتجازها أو يتعذر شحنها نتيجة لإغلاق المعابر سواء الجوية أو البرية وغيرها كما هو الحال مع وباء كورونا، وما يزيد المشكلة تعقيدا هو حالة عدم التأكد الكبيرة التي تواجه قطاع الأعمال، إذ تزداد موجة التشاؤم تدريجيا، وتبدو ملامح العودة للوضع الطبيعي غير واضحة.

هذا يعني أن امتداد حالة الجمود الاقتصادي نتيجة لتفشي الفيروس، وتوجه الدول نحو اتخاذ إجراءات احترازية مشددة من قبيل حظر التجوال وإغلاق المنافذ لمدة طويلة قد يعني إفلاس مئات الشركات الناشئة والصغيرة، وهذا إلى جانب آثاره المباشرة على معدلات التشغيل والعمل، فأن الأثر على التنمية والنمو الاقتصادي أثر كبير، إذ تمثل هذه الشركات الحلقة الوسيطة في سلسلة النمو، كما أن فترة التعافي لهذه الشركات في حال القضاء على الفيروس وعودة الحياة لطبيعتها هي فترة طويلة، وتبطئ من معدلات نمو الشركات، وعلى كل فحركة السوق عند انتهاء الفيروس قد تشهد رواجا إلى حد ما، لكن مشكلة الشركات الناشئة هي في قدرتها على العودة إلى السوق بنفس الوتيرة السابقة، وخاصة في البلدان التي تمتلك قطاعا مصرفيا هزيلا، وقيودا أكبر على التجارة، إذ أن الحكومات على الرغم من محاولاتها تقديم برامج دعم وتيسير للشركات والقطاع الخاص إلا أنها واقعة تحت ضغط تكاليف مواجهة الفيروس الكبيرة، وتعد الضرائب سبيلها الأسهل لتحسين الموارد المالية العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن الشركات العاملة في انتاج المعدات الطبية أو ادوات النظافة والتعقيم قد شهدت ازدهارا نتيجة لزيادة الطلب إلا أن ذلك لا ينطبق على الشركات الناشئة بشكل كامل، إذ تعاني هذه الشركات من محدودية رأس المال، وعدم قدرتها على استيعاب الزيادة المفاجئة في الطلب وهي الزيادة المؤقتة والمحدودة بطبيعتها، بالإضافة إلى ضعف قدرتها في الحصول على الإئتمان.

 

لذلك كان واضحا توجه بعض الحكومات وشركات القطاع الخاص العملاقة ومؤسسات التمويل الدولي لدعم الشركات الناشئة والصغيرة، فعلى سبيل المثال أعلنت شركة فيسبوك عن دعم مقداره 100 مليون دولار في صورة مساعدات نقدية أو إئتمانية للشركات الناشئة في أكثر من 30 دولة، وأعلنت حكومات عن تنفيذ برامج اقتصادية تحفيزية تستهدف في جزء منها للشركات الناشئة في صورة دعم نقدي مباشر أو إئتماني، كما أعلنت مؤسسة التمويل الدولي عن برنامج لدعم الاقتصاد العالمي والدفع نحو الهروب من الركود الاقتصادي، ودعم زيادة الاستجابة لمواجهة الفيروس والحفاظ على الوظائف والتشغيل، بنحو 14 مليار دولار، خصصت مبالغ منها لدعم القطاعات التي تنشط فيها الشركات الناشئة على وجه التحديد منها تحديد 2 مليار دولار لمساعدة الشركات العاملة كوسائط للتجارة العالمية في الايفاء بالتزاماتها المالية وكذلك تخصيص مبالغ لدعم البنوك في الاقتصاديات الصاعدة لمساعدتها في تقديم الإئتمان للشركات ومنها الشركات الناشئة.

بطبيعة الحال فأن مشكلة التعافي بالنسبة للشركات الناشئة هي مشكلة معقدة في تصوري، وتحتاج إلى جانب المال إلى قدرات بشرية أكثر خبرة وإلى حوافز على شكل سلسلة متواصلة بحيث تتمكن الشركات من ترتيب اولوياتها وتسرع بالعودة إلى السوق. ويبدو أن ضعف تأهيل العنصر البشري، وضعف رأس المال وصعوبة الحصول على ضمانات سريعة لتقديمها للبنوك قد يؤثر على فرصة حصول الشركات الناشئة على التمويل اللازم للتعافي بسرعة، وعودة النشاط الاقتصادي لها بنفس الوتيرة السابقة، والمحزن في ذلك هو ضعف قدرة الشركات على إعادة خلق الوظائف بشكل جيد، علما أن الشركات الناشئة والصغيرة تلعب دورا مهما في التشغيل.