رئيس "مناظرات اليمن" : المناظرات وسيلة لتعزيز ثقافة الحوار الهادف وبناء أجيال قيادية واعية

يني يمن – حوار: عبدالله المغارم

نشر بتاريخ : 20 مارس 2020

رئيس

تعتبر المناظرات وسيلة معرفية ناجعة لاستشراف مختلف الآراء والأفكار في عديد العلوم والمعارف، وأيضاً في القضايا الاجتماعية المعاشة والتي يجري الحديث حولها بين أبناء المجتمع بشكل يومي.

تطورت المناظرات من ممارسات مجتمعية غير منتظمة إلى مسابقات مختلفة لها قواعدها وآلياتها الخاصة، وتنشط حالياً في عدة دول على شكل بطولات سنوية بين طلاب المدارس والجامعات يشاركون من دول عربية وأجنبية.

لمناقشة هذا الموضوع يسرنا تنظيم هذا الحوار مع أحد المتخصصين؛ الصحفي محمد الرجوي، رئيس شبكة مناظرات اليمن في تركيا.

1- ما الفكرة الرئيسية لمسابقة المناظرات؟ وما أوجه الاختلاف بينها وبين المناظرات الواقعية التي تتم بشكل شبه يومي؟

في الحقيقة نحن نمارس المناظرات في حياتنا اليومية، نتناظر مع أنفسنا بعد الاستيقاظ من النوم حول اختيار نوع الملابس التي سنرتديها ونوع الطعام الدي سنأكله ونتناظر مع غيرها حول روتين العمل ونتائج مباريات فريقنا المفصل وأداء الحكومة وارتفاع الاسعار وغيرها من المناظرات التي نعيشها بشكل يومي.

ولكن بالنسبة للمناظرات التي نعتمدها في شبكة مناظرات اليمن تختلف عن المناظرات اليومية في كونها مناظرات منظمة وليست عشوائية، مناظرات تهدف الى تعليم مهارات كثيرة نحتاجها في حياتنا اليومية، وليست مجرد نقاشات لاستعراض الافكار فقط.

تتميز المناظرات في شبكة مناظرات اليمن في كونها منصة لتعلم واكتساب الكثير من مهارات الاتصال والقيادة كمهارات الخطابة والتفكير الناقد، ومهارات والبحث والتحليل والمحاججة المنطقية، والعمل بروح الفريق، ومهارات والاستماع الجيد، والقراءة والاطلاع الواسع ومهارة سرعة البديهة وتفعيل رؤى الشباب في القضايا الوطنية والعالمية وتعميق أواصر التعاون والترابط الاجتماعي بين الطلاب وغيرها من المهارات التي تساهم في إعداد جيل قيادي يساهم في اخراج الدول من مشاريع التطرف والاقتتال إلى مشاريع الوعي والتعايش والتنمية والبناء.

2- تعتبر مسابقة المناظرات من المبتكرات الثقافية الحديثة في العالم.. كيف بدأت فكرة هذه المسابقة، وما الدوافع التي وقفت وراء تأسيسها؟ لو تعطينا نبذة عن التأسيس والمرحلة التي وصلت لها في العالم اليوم.

تعد المناظرات من الممارسات القديمة قدم الانسان، فنحن نؤمن أن أول مناظرة تمت حين ناظرت الملائكة خلق الانسان كما في قوله تعالي "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، وكدلك مناظرة ابليس حول أفصلية الانسان على سائر الخلق كما في قوله تعالى " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ".

انتشرت المناظرات في العالم الحديث بعد انتهاء حقبة الديكتاتوريات وتسلط الكنيسة على الدولة. ومع انتشار فكرة الديموقراطية وحرية التعبير، بدأ الناس في طرح التساؤلات حول كل شيء، لتتطور بعدها المناظرات من نقاشات عادية في المقاهي والمجالس الاجتماعية إلى مناظرات سياسية في البرلمانات الحكومية. ومن ثم أصبحت المناظرات، بعد تهذيبها وتقنينها، تدرس في المدارس والجامعات الأوروبية ومنها انتقلت الى بقية العالم ومنها العالم العربي.

المناظرات في الثقافة الاسلامية اعتمدت على نقاشات بين علماء الدين لعرض الرأي الفقهي حول قضايا مختلفة. ولكن المناظرات التي نعتمدها توفر فرصة للجميع في خوض تجربة المناظرات في جميع القضايا. فليس شرطا لتكون مناظراً قوياً أن تكون عالماً في تخصص معين أو فقيهاً في مسائل الدين، بل يكفيك التمتع بمهارة التحليل الناقد للقضايا وتعلم طريقة عرض الافكار بسهولة ويسر وبدلك تكون مناظراً بارعاً في أي موضوع.

3- ما القيمة المضافة التي تصنعها هذا النوع من المناظرات في المجتمعات، العربية خاصة؟

تساهم المناظرات في تعزيز ثقافة حرية التعبير والحوار الهادئ والهادف الدي يقودنا إلى بناء أجيال قيادية واعية وطموحة تعمل على بناء مجتمعات تسودها قيم السلام والحرية والتعايش.

4- كيف بدأ مشوارك مع المناظرات وما الذي أضافته لك هذه التجربة؟

بدأت المناظرة حين كنت طالباً في مرحلة البكالوريوس عام 2008 في الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا من خلال المشاركة في أنشطة نادي المناظرات في الجامعة الدي يقيم العديد من الانشطة التي تهدف الى تعليم مهارات المناظرة وتطوير مستوى اللغة العربية للناطقين بغيرها. كما تعد مادة المناظرات أحد المواد غير الصفية التي يدرسها جميع طلاب الجامعات الماليزية بمعدل ساعة واحدة في الاسبوع. ومن خلال المشاركة في البطولات المختلفة في داخل الجامعة وخارجها استطعت أن اتغلب على مشكلة الخوف من الحديث أمام الجمهور وطورت مهارات الالقاء الجيد وترتيب الافكار وعرصها بشكل أكتر اقناعا. المناظرات اكسبتني وبقية زملائي مهارات العمل الجماعي وقيادة الفريق، كما ساعدتنا المناظرات على تنمية معارفنا في العديد من المجالات المختلفة كوننا نناظر في مواضيع سياسية واقتصادية واجتماعية ورياضية متنوعة.

5- كونك رئيس شبكة مناظرات اليمن.. ما الظروف التي دفعتك للقيام بهذه المبادرة، وكيف كان الإقبال عليها من الطلاب اليمنيين خاصة والعرب عموماً؟

بعد الفوز ببطولة العالم للمناظرات والتي اقيمت في قطر عام 2011، بدأت فكرة نشر هدا الفن في اليمن بهدف منح فرصة لتأهيل قيادات شبابه، فنظمت أول بطولة للمناظرات في اليمن عام 2013 في جامعة العلوم والتكنولوجيا ولكن بسبب السفر الى تركيا بدأنا في التفكير مع زملاء يمنيين لهم خبرة في هدا المجال سواء زملائي الفائزين بالبطولة الدولية أو ممن شارك في البطولة الأولى للمناظرات في اليمن، وتم تأسيس الشبكة لتعمل في كل من اليمن وماليزيا وتركيا.

في تركيا أقمنا البطولة اليمنية الأولى للمناظرات في تركيا (بطولة أصداء) بالتعاون مع اتحاد الطلاب اليمنيين في اسطنبول، والتي لاقت أقبالا كبيرا بمشاركة 50 طالبا جامعيا مقسمين إلى 14 فريق و8 حكام. استمتع فيها المشاركون بتعلم فنون المناظرات وخوص المنافسة على لقب البطولة.

وبعدها بعدة أشهر نظمت الشبكة بطولة المناظرات التونسية (مناظرات نقطة) التي شارك فيها أربعة حكام و24 طالبا من عدة دول عربية مع مشاركة فريق تركي من جامعة اسطنبول. خلال البطولات لمست حماسة عالية لدى الشباب في رغبتهم في التعبير عن آرائهم وخوص تجربة المناظرات التي بدأت تنتشر في الوسط السياسي في الوطن العربي.

6- ما الموضوعات التي تناقشها المناظرات، وأبرز المجالات التي تتناولها؟

تهتم المناظرات بمناقشة تقريباً كل شيء وخاصة القضايا الجدلية التي يعيشها العالم العربي. نسعى لإثارة النقاش حول المواضيع التي تهم الشباب العربي في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية. ونفرد نقاشات خاصة بالمواضيع التعليمية التي تهم الطالب العربي في الخارج. ومن أشهر المناظرات التي يخوضها الطلاب مسألة (هل الديكتاتورية القوية أفضل من الديموقراطية الضعيفة) و (هل فشلت الثورات العربية أم نجحت) و (هل تطوير التعليم المحلي أفضل من ارسال الطلاب الى الخارج) و (هل على اوروبا استقبال المزيد من اللاجئين) وغيرها من المواضيع التي يعيشها العالم حاليا.

7- هل هناك خطط وبرامج لتطوير قدرات المشاركين من اليمنيين في المسابقة لاحقاً من قبيل المشاركة في مسابقات دولية أو ما شابه ذلك؟

اقبال الطلاب اليمنيين الكبير يجعل الشبكة حريصة على اشراك الطلاب اليمنيين في جميع البطولات التي تقام في تركيا خاصة التي يشاركون فيها مع غيرهم من الطلاب العرب. كما تخطط الشبكة لعمل دورات تدريبية اسبوعية لتعليم فنون المناظرات ونشرها بين أكبر عدد ممكن من الطلاب. في العام الجاري نخطط لعمل ثلاثة بطولات مختلفة تمت أولها في شهر فبراير الماضي ولدينا بطولة خلال شهر ابريل وبطولة خاصة لليمنيين خلال العطلة الصيفية القادمة. بالنسبة للمشاركات الخارجية نخطط أن يكون لنا مشاركات دولية قادمة مع مركز مناظرات قطر.

8- هل تعتقد أن لهذا النوع من المناظرات مستقبلاً موعوداً، وإلى أي مستوى يمكن أن تصل إليه قوانينها وآلياتها وشيوعها بين الناس؟

شاهدنا كيف بدأت الأحزاب السياسية في مصر وتونس والجزائر في استخدام المناظرات أثناء حملاتها الانتخابية وهذا بالتأكيد ساعد على تعريف الشباب العربي على هذا الفن ودفعهم للتعرف أكثر على هذا الفن الجديد. لذلك أتوقع أن ينتشر فن المناظرات بشكل أكبر خلال الخمس سنوات القادمة خاصة في الحياة السياسية والجامعية أتوقع مشاهدة برامج للمناظرات في العديد من المناسبات.

ومن خلال جهود الشبكة في نشر هذا الفن في أوساط اليمنيين -خاصة في اليمن-التي أقامت فيها الشبكة خلال الخمس سنوات الماضية خمس بطولات جامعية وبطولتين في المدارس، وفي ماليزيا أقامت الشبكة بطولتين للمناظرات بمشاركة واسعة من الطلاب اليمنيين، لذلك أتوقع أن تنتشر المناظرات بشكل أكبر لتصل إلى كل شرائح المجتمع بكل تأكيد. ومن خلال البرامج التي تقيمنا الشبكة مع مؤسسات عربية أخرى سيكون لهد الفن الجميل انتشاراً واسعاً ليس بين أوساط الشباب العربي فقط، بل نسعى لنشر هذا الفن في أوساط الناطقين بالعربية من الأتراك أيضاً.

وختاماً، لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ محمد الرجوي، متمنين له دوام التوفيق.