نحو مجتمع متحضر -5-

نشر بتاريخ : 22 فبراير 2020

نحو مجتمع متحضر -5-

ومواصلة لما بدأناه في الموضوع السابق الذي يتمحور حول التفكك الإجتماعي وآثاره فإن حديثنا في هذا المقال سيكون عن آلية تجديد المجتمع والعوامل التي تساعد وتسهم في ذلك.

 من المعلوم أن الناس يتعاملون مع بعضهم البعض وفق معايير وقوانين معينة وتبدل وتغير تلك المعايير بحاجة الى تنشئة جديدة وتربية جديدة وتلقين جديد وذلك يسبب إزعاجا للناس وتشتيتا لإداركهم لأن الناس عادة يستوحشون من الجديد ويخافون من عواقبه ومنقلباته ونهاياته ومآلاته لكن سنة الله ماضية في أن تجعل كل جديد قديما وكل حديث عتيقا وكل طارف باليا إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.

بديهيا كل شي مآله إلى التقادم والتحول سواء كان ذلك أفكارا أم أطرا أم قيما أم معايير ولأن الناس ألفت الشكوى من الجديد والفزع منه والخوف من مصائره  ترسخ في أذهانهم وتأكد لدى نفوسهم أن القديم خير من الجديد وأن الأمور دائما تسير إلى الأسوأ ولكن من الملاحظ أن البشرية حققت نجاحات كبيرة عبر تاريخها الطويل كما أنها خسرت معارك شتى.

 وقد جرت محاولات كثيرة لدى كثير من الشعوب عبر حكامها لتحنيط المجتمعات وإنطوائها وعزلها عن محيطها الحضاري والإنساني ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل الحضاري والخسران البين لأن ذلك الوضع الإجتماعي المنزوي أدى إلى الانفجار عبر الثورات ودعوات التغيير ونداءات التحرير إذ أن من غير الممكن أن تقبل المجتمعات بالإنزواء الحضاري أو ترضى بديمومته.

ولنا في دول المعسكر الشيوعي ودول الربيع العربي عبرة إذ أن الإنفجار الاجتماعي الهائل الذي أصاب هذه الدول لن يكون آخر التصدعات الاجتماعية كما لم يكن أولها.

إن نسيج المجتمع مقعد غاية التعقيد فالعناصر التي تتضمنها العقيدة الإجتماعية وتجسيداتها المختلفة لا تعمل على منوال واحد أو طريقة واحدة بل تتقاسمها قوتان أحدهما جاذبة والأخرى نابذة فالحياة الاجتماعية التي يعيشها الناس يسودها توافق وتنافس وعادة ما يرضخ جميع أفراد المجتمع للأعراف والتقاليد الاجتماعية وقليل من الأفراد ينفذ من خلال وعيه إلى الواقع الإجتماعي وهذا النفاذ وهو المصدر االرئيس لكل تنوع وتغير فالمخترعون والمفكرون والعلماء والفلاسفة والباحثون يرون مالا يراه الناس فينفذون إلى الواقع والحس الإجتماعي فيبذرون بذور التغيير ويعلمون على نشر الأفكار النيرة كما أن إنتشار الأفكار وتراكم الخبرات والتقدم والتحديث الذي يحصل في المجالات الإجتماعية والإنسانية يفرض على المجتمع التغيير والإنتقال من طور الى طور أكثر حداثة وعصرية.

إن التغير الاجتماعي شيء ضروري ومهم ومن الواجب ترشيده لامقاومته من خلال التفريق بين التغير الإجتماعي في الأصول والمبادئ العليا والثوابت الكبرى والتغير الإجتماعي الحاصل في الفرعيات وشئون الحياة العامة  فالتغير في الصنف الاول أمر محظور والتغير في الصنف الثاني أمر مهم ومحتوم حتى نتمكن من تحقيق الأهداف والآمال ومواكبة الحضارة  ومعاصرة سير التقدم التكنولوجي الحديث.