نحو مجتمع متحضر[4]

نشر بتاريخ : 18 فبراير 2020

نحو مجتمع متحضر[4]

ومتابعة لما سبق ذكره في المقال السابق فسنواصل الحديث في هذا الجزء حول التفكك الاجتماعي فنقول أن التفكك الاجتماعي لمجتمع ما لا يعني شيئا سوى إنهياره وتصدعه إذ أن المجتمعات في الغالب لا تنتهي أو تباد أو تستأصل شأفتها وإنما يختفي ويموت فيها ما يجعل منها أمة واحدة تشترك في الأهداف والمعتقدات والآمال والمنقلبات والنهايات والتصويبات

والتقويمات المشتركه وذلك التفكك يكون أشبه بقميص أو ثوب أعدناه إلى مادته الخام وهي الخيوط فعندما تنتشر وتتفشى ظاهرة التفكك في مجتمع ما فإنه ينزلق ويصير إلى سرب وحشد من الأفراد لا تربط بينهم سوى عبقرية المكان  وأهميتها ويكون وضع المجتمع وضعا مأساويا وممزقا ومشتتا ومختلفا في الآمال والأهداف والمعتقدات والرؤى والأفكار ويمكن أن نوجر العوامل التي تؤدي إلى  التقسم الاجتماعي في خمسة  مواطن أولها أن الأصل في حياة  الناس أن يكون هناك إنسجام بين مبادئهم ومصالحهم وتكون مهمة الثقافة تأسيس وتأصيل وبنيان المعايير والأسس التي تساعد الأفراد على تحقيق مصالحهم العامة وتلبية رغباتهم ومتطلبات حياتهم وطموحاتهم على هدي المبادئ العامة التي تمثل حجر الزاوية في العقيدة الاجتماعية ويحدث الضعف الاجتماعي حيث يشعر الناس أنه من غير الممكن أن يحققوا مصالحهم العامة من خلال العقيدة الاجتماعية  السائدة والنظم المعمول بها فيلجأون إلى تحقيقها بطريقتهم الخاصة  بدون إنحطاط أخلاقي أما القلة من أبناء المجتمع فإنهم يثبتون ويصرون على تطبيق أعراف وتقاليد وتعليمات العقيدة الاجتماعية ولكنهم مع مرور الوقت يشعرون بخيبة الأمل كون المجتمع أكثريته لا يهتم ولا يطبق هذه التعاليم لأنهم  يضحون ويتعبون لمجتمع لا يستحق تضحياتهم.

 ومن سنة الله في الكون أنه جعل مصالحنا تتعارض مع مبادئنا ليرى سبحانه وتعالى كيف نتصرف في ساعات الازمات والمكاره ومن ثم يمكن القول أنه لم يحدث أن يشعر جميع أفراد المجتمع أن مصالحهم تتوافق ومبادئهم وأنه يمكن الوصول إلى مصالحهم من خلال الحفاظ على مبادئهم بشكل مستمر وعليه فلابد من وجود أفراد يشعرون بأن مصالحهم لن تأتي ولن تتحقق إلا من خلال الخروج على النظام والمجتمع المتحضر هو المجتمع الذي، يكون غالبيه ابنائه يشعرون بأن مصالحهم تتوافق مع مبادئهم ويمكنهم الثبات عليها عن طريق الثبات عليها والانسجام والتلاءم والتكيف والنظم والمبادئ التي دلت عليها أو أشارت إليها العقيدة الاجتماعية لمجتمعهم وهو بذلك يحجم تواجد الشواذ ومرضى النفوس والمنحرفين والمتمردين على النظم ورواجهم كما أنه يستطيع تحمل النتائج السلبية لسلوكياتهم وتظل المصيبة العظمى والطامة الكبرى أن تدفع عن المجتمعات العقوبات والخسائر والجزاءات على كل من يمثل قيم العقيدة الاجتماعية ويلتزم بها والواقع يشهد بأن عددا غير قليل من المجتمعات الاسلامية قد وصلت إلى حافة هذه الحالة أو قاربت الغوص فيها.

ومن العوامل التي تؤدي إلى التفسخ والإنحلال والتفكك الاجتماعي أنه ليس بإمكان أي مجتمع من المجتمعات أن يفرض على نفسه أطواق العزلة والإنطواء الحضاري ولكن بإمكانه أن يعمل على تطوير وتحسين وتجديد نظمه وثقافته لتصبح قادرة على إستيعاب قيم العصر وإستهلاكها ومن حسن حظ المجتمعات الإسلامية أن هذه القيم المعاصرة لا تتنافى مع مبادئنا الاسلامية وإن كان سلمنا القيم يعطيها أهمية مختلفة ويرتبها ترتيبا مختلفا لكن المسافة التي علينا أن نتجاوزها هي التمييز بين المبادئ والنظم والواقع.

والثمرة التي نجنيها من وراء هذا التباين الانهيارات الداخلية في بنانا الاجتماعية والشعور بالنقص والعجز عن إستيعاب قيم العصر والاستفادة منها والمصابرة والمجاهدة وإعادة  صياغة القيم المعاصرة ووضعها في ترتيبها القيمي المناسب وتحريك النظم والمبادئ والثوابت وتجديدها إلى جانب تفعيل القوانين لتضبط سلوك الناس وتجعله ترجمة لها.