المتساقطون على طريق الثورة

نشر بتاريخ : 18 فبراير 2020

المتساقطون على طريق الثورة

أذكر أنني قرأت كتاب الأستاذ فتحي يكن -رحمه الله-  "المتساقطون على طريق الدعوة" في أيام الثانوية قبل أربع سنوات من اليوم تقريباً، وعلق بذهني عنوان الكتاب الذي تحدث عن المتساقطون أكثر من المضمون الذي يحتويه، ومع هذه الذكرى التاسعة لثورة ١١ فبراير التي أحدثت زلزالًا كبيرًا للنظام الديكتاتوري والرجل المُحنط والتي فضحت أولئك المُتساقطون في طريقها للتسع العجاف السابقة أفراداً كانوا أو جماعات، تذكّرت ذلك العنوان الذي شدني في السابق لكي أُوظفه بشكل يسير في إيصال الفكرة عن ثورة وميلادٍ جديد لشعب تطلع لدولة ديمقراطية منذُ بداية التاريخ اليمني.

إنه لمن المؤسف فعلاً أن أعنون مقالي هذا تحت عنوان المتساقطون، ولكن مع تقادم ثورة فبراير وتشعب ملفاتها، فإنه يُثبت للعيان بإن التساقط ظاهرة خطيرة جداً وتهدد مسارات عدة للتحرير وتتطلب من جميع العاملين في الساحة اليمنية التأمل والحديث عليها في ظل هذه الأيام المباركة التي نعيشها، بالتزامن مع الذكرى التاسعة لثورة الشباب اليمني، فلقد تساقط الكثير خلال التسع العجاف الماضية التي تحطمت فيها الكثير من سدود الاستبداد أمام الثوار، لكن ما أدهشني هو ذلك السقوط للكثير من المثقفين والسياسيين الذين جحدوا الثورة وإن كان قد تبيّن أنهم مُتصالحين معها منذ قيامها، وما كان وجودهم إلا اختراقاً للثورة وانقلابهم على حُلم اليمنين وقيامهم بالثورة المُضادة ضد حلم ظل يُكابد حالميه لثلاثة عقود، وما إنكارهم للثورة والتحاقهم بركبِ الجلادين ما هو إلا إنكار للذات والحُرية والمساواة التي قضوا معظم حياتهم زيفاً ولغوًا يُنادون بها تحت إشراف الديكتاتورين.

إن الخوف اليوم يزداد من أولئك المتساقطون الذين يسعون لتشويه ملحمة ١١ فبراير في الخفاء لابسين أقنعة الزيف والمكر، وهدفهم الوحيد هو إغراق المجتمع في مزيدٍ من الصراعات، ومن هنا يأتي الخوف من تنامي هذه الظاهرة الخبيثة التي يجب استئصالها قبل أن تنال من جسد الشعب اليمني فيكون الهلاك...

نعم؛ أيها الثوار لقد تسببت ظاهرة التساقط للكثير من الذين يُعانون الفهم الخطأ للثورة بالإساءات لها، فأصبحت أعمالهم جلية وواضحة تجاه الثورة فتارة يقومون بزرع وإشاعة الفتن بين أوساط الثوار وزعزعة الثقة بها وتارة يتهمونها بالفشل بل إنه وصل الحد من البعض إلى التطاول على الثورة والعمل جاهداً إلى تعطيل وإنكار دورها في زلزلة الأنظمة الاستبدادية والعقول والانطلاق لنزع المُستحيل من فم المُستقبل.

لقد كانت ثورة الحادي عشر من فبراير هي إحدى تلكم الثورات التي جاءت لتحرير الفرد اليمني من الاستبداد المُتلبس بلباس أخيه السابق الذي ذهب في أدراج الرياح عند قيام ثورة السادس والعشرون من سبتمبر ، جاءت ثورة الفبرايريين في توقيت اعتقدَ فيه الكثير من المُثقفين والسياسيين اليمنيون أنه لا جدوى لهذه الثورة التي باتت مستسلمة لجلاديها من المستبدين والديكتاتورين، وأنها تصبحت غير مُدركة لما يجري حولها من ظلم وقهر وعوز وإذلال وقمع للحريات، فقد طال على الشعب الأمد وقست قلوبهم من المُطالبة بالحُرية، وهل يكل الإنسان من المُطالبة بِحريته ؟ كلا فهي أغلى ما يُملكه الإنسان بل إن قضية الخلق في الحقيقة، هي قضية الحُرية الإنسانية فهي أساس الأخلاق وشرط الإيمان كما يوكدها القائد السياسي للبوسنة وزعيمها الفكري والروحي علي عزت بيجوفيتش.

كانت ثورة فبراير لحظة انفجار ويوم مِيلاد لمولود جديد أبى الركوع والخضوع في وجه القبح الذي تفشى في المشهد السياسي والاجتماعي اليمني، واستجابة لأماني الشعب الذي خرج مطالباً للكرامة والحرية، كذلك ظهور ما كان يُسمى قديماً بمسألة التوريث والمحسوبية فكانت هذه الثورة امتداد لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، حيث جاءت لتصحيح مسار الجمهورية بعد انطلاقها وإيذانا بلحظة التغيير المُرتقبة.

في النهاية يجب أن نعلم نحن الشباب ويعلم الثوار اليوم أنه لم يسبق وإن اندلعت أي ثورة في العالم كحالة عبثية وبدون أسباب ومطالب كبيرة لدى مختلف الشعب كما يدعي المُندثرون في طريق الثورة؛ كذلكم هي ثورة الحادي عشر من فبراير الثورة السلمية التي اندلعت لأسباب منطقية بعد أن تهيأت الظروف المناسبة لاندلاعها؛ اندلعت لأن الشعب أدرك قيمة الحُرية المسلوبة منه لثلاثة عقود.. فبالرغم من تجذر النظام الديكتاتوري في أوساط المجتمع اليمني إلا انه لم يستطع من دون شك أن يطفئ فكرة الطوق للحرية في نفس الشباب اليمني والتحرر من القوقعة الاستبدادية والخروج من تحتها التي رُسمت لهُ وإن قُهرت بحد السيف.