ثورة فبراير ومخاض التحول الديمقراطي

نشر بتاريخ : 2 ديسيمبر 2020

ثورة فبراير ومخاض التحول الديمقراطي

يرجع كثيرون الحالة الراهنة التي تمر بها اليمن، ودوامة الفوضى العارمة على جميع مستويات الوجود الاجتماعي والاستراتيجي إلى ارتدادات ثورة 11 فبراير الشبابية الشعبية السلمية، وأصبح هناك من اليمنيين من يحنون إلى فترة حكم نظام علي عبدالله صالح، ويعيدون تثمينها، وتثمين الظلم والتخلف والعسف الذي رافقها على مبدأ القبول بالحمى أهون من الموت، وحياة التخلف والاستبداد خير من معايشة المجازر والقتل بالجملة، وسلطة مليشيا إمامية كهنوتية تحكم صنعاء، وأخرى عنصرية مناطقية ودموية تحكم عدن، لا أحد يستطيع التكهن كيف سيكون التخلص منها، في الوقت الذي يكاد يجمع فيه المراقبون للشأن اليمني على تحميل مسؤولية هذه الانهيارات المتسارعة والعشوائية المخيفة، وحالة التشظي والسقوط على سياسة النظام السعودي وحلفائه العدوانية التي لا يخفون تبنيها تجاه اليمن منذ عقود في سبيل إجهاض مشروع الدولة اليمنية الحديثة وتوسيع دائرة نفوذهم وانتزاع موقع التحكم والسيطرة باليمن أرضا وأنسانا.

خرجت المبادرة من يد شباب ثورة فبراير منذ اليوم الأول للتوقيع على المبادرة الخليجية، حيث رسم النظام السعودي وحلفائه استراتيجية امتصاص الغضب الشعبي، وانهاك شباب الثورة، ثم إبعادهم عن المشاركة في تقرير مصير اليمن، في الوقت الذي تم فيه إطلاق يد علي عبدالله صالح التخريبية واستدعاء غول الإرهاب، وتمويل جلب مليشيا الحوثي الكهنوتية الى صنعاء للدفع باتجاه الانقلاب على الشرعية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقطع طريق الاستفتاء على دستور دولة الأقاليم، حتى جاء التدخل العسكري السعودي الإماراتي الكارثي تحت مظلة ما سمي بالتحالف العربي، وزعم دحر الانقلاب، واستعادة الشرعية، ومحاربة إيران.

كان دور النظام السعودي وحلفائه وتدخلاتهم المباشرة في شؤون الثورة له الفعل الحاسم في تغيير مجرى الحراك الثوري لغير صالح الثورة، وذلك لأن القوى الشبابية المعبرة عن الثورة بالدرجة الأولى فشلت في حمل مسؤولية تنظيم رافعة ثورية وطنية موحدة ومحصنة تجاه المؤثرات الداخلية والاختراقات الخارجية، ولو حصل ذلك لكان الشباب فاعلا قويا على الصعيد السياسي الداخلي والخارجي لا يمكن تجاوزهم أو تهميشهم.

حملت لحظة فبراير بداخلها بذرة تعثرها مبكرا حيث رُفعت في مختلف ساحات الحرية والتغيير شعارات ليبرالية لا تعادي الدين والمجتمع مثل الحرية والعدالة والديمقراطية والمواطنة وكانت هناك مكونات سياسية وقبلية ودينية وأخرى عسكرية داخل الحراك الثوري، صحيح أن خطابها انضبط بالخطاب الشبابي المدني الحداثي ولم يكن ضابطا له، إلا أن الفاعلين الأساسيين في الثورة من أحزاب وقبائل وجماعات دينية وعسكر وشباب ليبرالي، جميعهم في ساحات الحرية والتغيير هتفوا للتغيير وفي ذهن كل منهم عالم مختلف تماما عن العالم الذي يحلم به الآخر حيث رأت أطرافا في عالم ما بعد الثورة أنه عالم يمكن أن تكتمل فيه هيمنتها السياسية على السلطة والثروة وهو ما ذهبت إليه مسرعة مليشيا الحوثي الكهنوتية، بينما رأى الشباب الأحرار في عالم ما بعد الثورة عالما ليبراليا حداثيا، تنكسر فيه جحافل التخلف والكهنوت والرجعية الإمبريالية لصالح دولة الحقوق والحريات، دولة يكون فيها جميع اليمنيين والشباب والنخبة تحت نظام وسلطة شرعية يرتضيها الشعب.

تلك اللحظة الثورية لم تدرك ماهيتها كثير من مكونات الحراك الثوري التي شاركت في جل محطاته إلا مؤخرا، بل إن انضمام قطاعات واسعة من أذرع نظام علي عبدالله صالح سلطة ومعارضة للثورة، الى جانب انضمام جماعات دينية راديكالية كهنوتية، وأحزاب شمولية معادية للديمقراطية الليبرالية ومشاركتها بشعارات الثورة، وتحت خطاب الشباب المدني الليبرالي حصرا، قبل أن تنقلب عليه، كان ذلك بمثابة اعتراف صريح غير واع بتراجع هيمنتها لصالح اللاعب الجديد، الذي بدأ يفرض نفسه بقوة وثبات، إذ لم تقدم جميع المكونات، غير الشباب، أي منتج أيديولوجي أو سياسي ذي وزن مرتبط بالثورة، لا خطاب ثوري ولا رموز سياسية مؤثرة، ولا مفاهيم جديدة مرتبطة بالواقع الثوري الوليد، فالثورة وساحات الحرية والتغيير طُبعت بطابع مدني خالص، وانفتحت على كل شرائح المجتمع، ورسخت قيم المساوة والمصير الواحد والتضحية المشتركة بين الشباب والشابات، وما إلى ذلك من المظاهر الليبرالية المنفتحة التي نجحت في انتزاع قبول المجتمع اليمني عموما بها، صحيح أنها لم تستطع أن تذهب باليمنيين الى ملاقاة المدنية والحداثة وقيم الفردية، وما يرتبط بها من قيم الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وحكم القانون، ولم ترق لتكون معيارا حاكما، لرداءة الرافعة الثورية، لكنها كانت تعبيرا واضحا عن تراجع هيمنة القوى التقليدية، وبزوغ خيال اجتماعي ليبرالي حداثي، ونمط حياة مختلف، يمكن أن ينمو ويهيمن ويفرض نفسه إذا هُيئت له الظروف.

فشلنا كشباب في محطات ثورية وسياسية مختلفة، ولأسباب عدة، أخطرها تشتت القوى الثورية الشبابية وانقسامها سوف نقول هذا ونركز عليه دوما بهدف تجنيب أنفسنا إلقاء المسؤولية على العوامل الخارجية، وتجاهل العوامل الذاتية ومن ثم الهروب من المسؤولية ورفض المراجعة النقدية الجادة بينما هذا هو المهم بالنسبة لنا كقوى ثائرة تخوض معركة كبيرة على كل الأصعدة، فلن نستطيع أن نستعيد زمام المبادرة وننقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان ونتجاوز عثراتنا في هذه المعركة التي فرضت على شعبنا، ومزقت بلادنا، والتي ربما أُزحنا كليا عنها، ما لم ننجح في فهم أخطائنا وتحمل مسؤولياتنا بصورة أكثر واقعية وجدية نستطيع من خلالها لملمة الشمل وإطفاء الحرائق وإعادة الاعتبار للثورة والشعب.

مسؤولية النظام السعودي وحلفائه عن الكارثة اليمنية لم تعد خفية بعد اليوم ولا يمكن حجبها ولا إغفالها لأنها واضحة كالشمس، نحن اليمنيين أصدق من يقدم شهادته للتاريخ، ونحن من يمكن له أن يؤكد فاشية آل سعود وإجرامهم، هم يديرون الانقلاب في صنعاء وفي عدن، وهم من يتحكمون بكل نفس من أنفاسه، ويحاصرون الشرعية ويكتمون أنفاسها، إلا أن التركيز عليها لا يفيدنا سوى في إظهار الظلم الواقع على شعبنا، أما التركيز على دورنا فهو يرمي إلى إصلاح سلوكنا الثوري والسياسي واستعادة المبادرة، بمعنى آخر لن يفيدنا كثيرا ولن يوسع من هامش مبادراتنا الذاتية إبراز وحشية النظام السعودي وحلفائه وعدائهم التاريخي لليمن.

إن تغيير شروط الصراع لصالح القوى الوطنية الشبابية التي آمنت بقيم الثورة، ومدنية الدولة، وحداثة المجتمع، يتوقف على صحة مساءلتها ومحاسبتها لنفسها وتعديل سلوكها، ورسم استراتيجياتها السياسية الخاصة، ومن وراء ذلك تعلم الاعتماد على الذات في السير على خطى نضالية ثورية وسياسية واضحة المعالم والأهداف، هذا ما نملك التأثير عليه، أما محاسبة النظام السعودي وشركائه في الجريمة فهذه مسألة أخرى ينبغي أن يتم متابعتها على المستوى السياسي والقانوني في الساحة الدولية.

كان خطأ قوى الثورة والتغيير الذي حرمها من تحقيق أهدافها ماثلا كذلك في مراهنتها على المجتمع الدولي، فخاضت الصراع مع نظام علي عبدالله صالح وحلفائه التاريخيين دون رأس أي عقل سياسي ذاتي يوجه الجسم الثوري، ويثبت المكاسب، وينسق العلاقات والتحالفات، والرأس ليس شخصا ولكن مجموعة من التفاهمات الواسعة حول رؤية وتوجه واستراتيجية وأجندة ثورية وسياسية وطنية سيادية كاملة، ثم لم تلبث حتى خرجت الأمور من يدها، ولم تعد قادرة على فعل شيئا ضد تدخل الآخرين، بل أصبح الكثير من روادها أدوات بيد اللجنة الخاصة السعودية وعلى قائمة مرتزقتها وموصومون بالعمالة لأنذل البشر.