أثر الأستاذ العابر للروح والمكان والزمان!

نشر بتاريخ : 2 يناير 2020

أثر الأستاذ العابر للروح والمكان والزمان!

في الفترةِ الماضية كُلفتُ بكتابةِ ورقةٍ عن أثرِ الأستاذ جمال الدين الأفغاني في مدرسةِ المنار.. وعندما انتهيتُ منه، وألقيته أمامَ الزملاء، قاطعني أستاذي، إذ رأى تأثرًا في نبرةِ صوتي.. فقالَ لي:

" الأفغاني لم يؤثر في محمد عبده فقط. يظهر أنه أثَّرَ عليكَ أيضًا" ثمَّ ضحكَ، وضحكَ من في القاعة..!

والعبارة التي لاحظَ فيها - الدكتور - تأثري، عندما قرأتُ ما كتبه الأستاذ الإمام محمد عبده عن أستاذه جمال الدِّين:

" إنَّ أبي وهبني حياةً يشاركني فيها علي ومحروس - وهما أخوان له كانا مزارعين - والسيِّد جمال الدين الأفغاني وهبني حياةً أشاركُ فيها محمدًا وإبراهيم وموسىٰ وعيسىٰ، والأولياء والقديسين".

ولا زال وقْع هذه العبارةِ في نفسي، إذ بيَّن من خلالها؛ الأثر العظيم الذي تركه أستاذه في حياته، وكيف أسهمَ في رسمِ خارطةِ الطريق التي التقى فيها محمدًا عليه السلام، والأولياء، والقدِّيسين.. وهو طريقُ التجديد، والمعرفة، والتفكير، وهم نشر الوعي، ومحاربة التخلف والجهل، ونصرة الحقِّ والدِّين!

والعجيبُ أنَّ رشيد رضا طيَّبَ الله ثراه، قال كلامًا قريبًا عن أستاذه الإمام محمد عبده، وكتبَ عنه سِفرًا عظيمًا، ترجمَ فيه ترجمةً ضافيةً لحياةِ وفكرِ أستاذه الإمام.

وامتدَّ الوفاء والعرفان، وإظهار تأثر التلميذ بالمعلم، إلى الأستاذ العلامة محمد الغزالي، الذي يعتبرُ نفسه امتدادًا لمدرسةِ المنار.. فلا ينقطعُ ثناؤه عنها في كثيرٍ من كتبه وأحاديثه!

لكنَّ التأثر البالغ الذي وقعَ في قلبِ الغزالي؛ كان عن طريقِ أستاذه حسن البنا، فقد ذكر الأستاذ العلامة طه جابر العلواني في حديثه عن الغزالي، أنه إلى أن مات، وقبل وفاته بثلاثةِ أشهر.. وهو لا يكاد ينقطعُ عن ترديد:

" أستاذي ومن ربَّاني، وولي نعمتي، هو حسن البنا".

ويشيد بصفاته، وقدراته التربوية، وسمْته المؤثر في من حوله!

ثم امتدَّ هذا الوفاء وذلكمُ التأثر إلى تلميذِ الغزالي، العلامة يوسفُ القرضاوي حفظه الله، فقد كتبَ الأخير عن شيخه كتابًا ضافيًا تحت عنوان: "الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن"، ولا يخلو حديثه من الثناءِ عليه، والدعاء له.. وذكر مقامه، وفضله، وأثره الذي طال أجيالًا، ولا زال ممتدًا إلى اللحظةِ التي أكتبُ فيها.

ومما ذكره الأستاذ طه جابر العلواني؛ في ندوته: "مسيرة الغزالي في التجديد"؛ أنَّ القرضاوي أُسندَ إليه أن يكونَ مرشدًا عامًا لتنظيم الإخوان العالمي، لكنَّه رفض، وقال: "لا أستطيعُ أن أقبلَ هذا الأمر، والشيخ الغزالي حي، إنه أولى مني ومن أيٍّ منكم بأن يكونَ في هذا الموقع. والأنفع للجماعة والإسلام أن يتمَّ ترشيح الغزالي".

وعندما رحلَ العلامة الغزالي؛ كتبَ القرضاوي في رثائه، فكان مما قاله:

" وأخيراً هوى النجمُ السَّاطع، واندكَّ الجبل الأشم، وطوى العلم المنشور، وغابت الشمس المشرقة، وترجَّل الفارس المعلم، ومات الشيخ الغزالي".

وأنا يأسرني حديثُ التلميذ العالم الأريب عن أستاذه، كما صنعَ "محمد سعيد العريان" في الكتابةِ عن حجَّة الأدبِ وشيخ العربية" الرَّافعي" طيَّبَ الله ثراه.

وأكثر ما يستوقفني؛ الأثر الذي يتركه المعلم، ومكانة الأستاذ في تغيير حياةِ تلميذه النَّجيب، ورسم طريقه في المسير، والأخذ بيده من مكانٍ هابطٍ إلى أماكن مرتفعة، متعالية في العلو.