نحو مجتمع متحضر (2)

نشر بتاريخ : 30 يناير 2020

نحو مجتمع متحضر (2)

ومتابعة للموضوع السابق الذي يتحدث عن البناء الاجتماعي فإننا سنواصل الحديث في هذا الجزء حول الموضوع ذاته فنستفتح القول بأن المجتمعات التي لا يتوفر فيها الا مجموعات الانتماء القهري فإنها إلى البدائيه والركود أقرب.

 بديهيا المجتمعات تميل وتركن وتعهد إلى ضبط سلوك ومسيرة حياة أفرادها وأبناءها وتوجد نوع من التماثل والتجانس، والتقارب بينهم وفق معايير ومقاييس وشروط معينه والمجتمعات تمارس ضغوطا رهيبة على أفرادها من أجل الحفاظ على تماسكها وتناسجها وتعاضد نسيجها ويعمد في ذلك الى جعل كل فرد فيه رقيبا على سلوكيات غيره من أجل ضبطها والسير بها في مسارات متجانسة ومتشابهه إلى أقصى حد ممكن.

وقد لوحظ أن المعايير التي تفرضها المجموعة لا يحيد عنها إلا ثلة ونزر يسير لا يرتفعون عن المستوى التي تحدده الجماعة ولا ينخفضون عنه وتتمثل هذه الثلة في الشواذ من أبناء المجتمع وكبار العباقرة إذ ليس بين العبقرية والجنون الا شعرة واحدة.

والسواد الأعظم من أبناء الجماعة حريص على التماثل والتجانس مع هذه المعايير التي تحولهم إلى مرايا تعكس لبعضهم البعض مدى استجابتهم لها تمسكهم بها.

وفي عقل كل فرد من أفراد المجموعة أسئلة حائرة تقول كيف أظهر للآخرين؟ وكيف أتفاعل معهم؟ وكيف يفسرون ما يرونني عليه؟ وكيف اتعامل مع ما يقولونه فيني؟.

 ولربما كان ذلك من باب الوسوسة لكن كثيرا من ذلك يصدر عن الاشخاص الذين لا يحسون بقيمة وجودهم ولا يستطيعون وزن تقديرهم الذاتي ولا تقييم وزن ذواتهم لكنه الخوف النابع من نبذ الجماعة للفرد والرغبة في نيل رضاهم ونشوة جدارة نيل العضوية فيها.

 ومما لا يخفى أن درجة ضبط المجتمعات لسلوك أفرادها ونجاح رقابتها عليهم تتفاوت من شخص لآخر وتتأثر هذه الرقابة وذلك الضبط بعوامل كثيرة أهمها انعدام بساطة الثقافة وتعقدها فالمجتمعات ذات الثقافة المعقدة والمتنوعة تتيح أنماطا كثيرة من السلوك كما تسمح كثرة غزارتها بمواقف اجتماعية أكثر تباينا على نحو ما نشاهده ونلحظه في المجتمعات الغربية  فالمعايير الشخصية نمت على نحو أكثر سعة وحرية من المعايير الاجتماعية وحرية الفرد عندهم أيضا نمت بشكل واسع ومطرد وحازت مساحات واسعة في المجتمعات الغربية أكثر من غيرها.

ومن المؤاثرات في درجة الضبط والرقابة العامل السكاني أو الديموغرافي حيث في الأرياف والقرى ومضارب القبيلة والمجتمعات السكانية البعيدة والنائية عن المدن والحواضر تجد الرقابة والضبط متواجد ومتوافر بشكل واسع جدا ويكون الفرد تحت المجهر والخصوصيات ظاهرة ومتضحة للجميع وضيقة أيضاً بخلاف سكان المدن فتجد سعة مساحة الخصوصيات والرقابة الاجتماعية أقل والضبط الاجتماعي نادر كون الصلات ‪‎‪ متباعدة بين سكان الحواضر والمدن كما أن ترك الرقابة الاجتماعيه والضبط الاجتماعي قد تكون من الضرورات أحيانا لتنوع الأجناس القاطنين في المدن فيتقبل الفرد أخلاقيات وطباع وثقافات تفوق او تخالف بنية وعيه الاجتماعي.

 وعلى ما للقهر الاجتماعي والرقابة والضبط الاجتماعيين من أثر إيجابي في تماسك نسيج المجتمع واستمرار تفاهمه له أضرار وآثار سلبية أيضاً فيتسبب في ظهور النفاق الاجتماعي والمراءاة حيث يوافق الفرد على شروط ومعايير الجماعة شكليا.

ولأن كثيرا من المبادرات الاجتماعية والتجارب المنفتحة على مستوى الفكر والعمل منيت بالإحباط والمجتمع بأمس الحاجه إليها ولتلافي ذلك لابد للمجتمع من توفير المدارس ومحاضن التربية وحقول التعليم ودور العلم وهجره والمراكز الصيفية والأربطة العلمية ويرغمها على تكريس وتنمية وتقوية الوازع الاخلاقي والديني لدى الفرد ولضمان تلافي المجتمع لأخطائه لابد عليه من تشجيع روح المبادرة والمبادأة ويفسح صدره لكثير من الاعتراضات التي تصل حول دراسه اوضاعه العامة.

 ولا يتم شيء من ذلك حتى يكون وعي المجتمع بذاته ومحاوره وهامشياته جيدا ويستطيع أن يقدم ثقافته للمجتمع بشكل مقنع وحتى يتمكن المجتمع من إستيعاب التجديدات المقترحة الناجحة لبناه المختلفة والكشف عن مساهمتها في تجديد وتطوير المجتمع الى جانب الآثار الإيجابية والحسنة التي تعود بها على وحدته وانسجامه.