في الملكية يكمن الحل اليمني ؟!

نشر بتاريخ : 22 يناير 2020

في الملكية يكمن الحل اليمني ؟!

في خضم الأحداث المتسارعة, والاقتتال المستعر، الجميع في اليمن يسأل عن الحل وكعادة اليمنين فجميعهم رؤوس في العلم والحكم والمشيخة، يسارعون دون تروٍ لسبك حلول يجادلون بغير علم أنها الأنسب وأنها محل الصلاح والفلاح وطريق النجاة وخارطة الحل، إلا أنها في المحصلة حلول عجلى ليس فيها أثر من علم أو فقه أو إدراك.

وقد رأيت خلال الأيام الماضية جدلاً كبيراً وسخرية لا حد لها بعد أن طرح أحدهم طرحاً مفاده أن المشكلة اليمنية تتلخص في النزاع على النظام السياسي الحاكم وأن الحل يكمن في ملكية يمنية لا تملك مرجعية دينية تعريضاً بالهاشمية السياسية وتمجيداً للملكية السعودية, وإن كان الكاتب في مقاله هذا وارى فكرته خلف سؤال مفتوح يدخره لنفسه كخط رجعة إن سارت الأمور عكس ما يرتضيه.

وجدير بالقول هنا أن الأزمة في النظم السياسية أو كما سماها الشنقيطي الأزمة الدستورية هي أزمة تاريخية تعاني منها الأمة منذ قرون, وعلاج هذه المشكلة لا يمكن أن ينحصر في الجغرافيا اليمنية إذ هي مشكلة بنيوية في الفكر الإسلامي المتجاوز للأطر الجغرافية المعاصرة, وهي قضية حقيقة بالبحث والدرس لعل الأمة تصل يوماً إلى نظام للحكم يتجاوز واقعها المنهك وفكرها المستلب بفعل هذه الأزمة الدستورية الضاربة في جذور الفكر والتاريخ.

غير أن النصح للأمة يحتم على النخبة المتصدرة في الفكر والسياسة أن تدرس بعمق وذكاء أسباب الأزمة اليمنية فتشخيص الداء نصف الدواء, هل المشكلة حقاً في النظام السياسي وطريقة الحكم كما ذكر صاحبنا المتعجل, أم أن الأزمة اليمنية أعمق غوراً وأنها متعالية عن أي قراءة أحادية, بل هي مجموعة أزمات تتعاظم ككرة الثلج يوماً بعد يوم, فتستلزم قراءة مركبة وتحليلاً بنيوياً في الفكر والاجتماع والثقافة والاقتصاد والسياسة.

وإني أجزم أن الأزمة اليمنية ظاهرة مركبة تداخل فيها الفكر والاجتماع مع الثقافة والسياسة والاقتصاد, لا يمكن أبداً لمن أراد الحل الجذري أن يختزلها في قراءة أحادية أو شعار مختزل, فالنظام الاجتماعي القبلي ومستوى التعليم والانتماء الطائفي والتجاذبات الإقليمية والمصالح الدولية والموقع الجيوبولتيكي ونحوها من المتغيرات تجعل الأزمة اليمنية مركبة ذات أبعاد متعددة, تحتاج دراسات معمقة وتحليلات مركبة وهذا الأمر يحتاج لجهد مؤسسات وأفراد يملكون من الضمير كما يملكون من العلم والفقه والإدراك وأدوات الرصد فهذا السبيل الوحيد لقراءة وتشخيص الوضع اليمني بتعقيداته الراهنة وما سوى ذلك لا يعدو أن يكون سوى انطباعات شخصية وكتابات تحيزية وخلاصات منمقة لنقاشات مقايل القات.    

ومن يتابع آراء الشباب اليمني وتوجهات الرأي العام يدرك جلياً أن تشخيص الأزمة اليمنية مرهون دوماً لتحيزات حزبية وانتماءات طائفية وقبلية, فنادراً أن تجد قراءة شاملة واعية لكل مدخلات الأزمة ومظاهرها تتجاوز البعد التحيزي الاقصائي بل إن أغلب التصورات الموجودة عند الشباب اليمني على صفحات التواصل الاجتماعي تتسم بطابع العمومية والآنية مع ما فيها من ارتجالية وانفعال عاطفي سرعان ما يخمد بين زحمة الوقائع والأحداث,  وهذه فوضى سلبية تقف حائلاً دون أي جهد لبلورة رؤية شاملة لصياغة الأزمة اليمنية من جميع جوانبها الجغرافية والفكرية والسياسية والاجتماعية.

وإني أحسب أن من يتحمل تبعات هذه الفوضى هم النخبة المثقفة اللذين تسودوا قبل أن يزودوا والذين حسبوا الفكر والسياسة مجرد وظيفة لا تحتاج جهداً مضاعفاً في الدرس والتعلم فمنتهى أمرهم أن يلوكوا بعض المصطلحات ويسرقوا بعض العبارات يسوقونها في حمولة مبعثرة من المعلومات التي لا تنتظم في عقد ولا تلتزم بمنهج أو بنيان معرفي.

فترى أدعياء التحليل السياسي يتصدرون كل منبر تلفازي للتحليل وكاد أجزم بالقول أن غالبية هؤلاء لم أستفد منهم يوماً سوى سرد الوقائع والأحداث مع احتمال ورود الخطأ على بعضهم في ذلك, فليس ثمة تحليل وتفكيك لأي خطاب سياسي فضلاً عن أي استشراف لأي مستقبل سياسي, ناهيك عن بلورة رؤية سياسية يمكن من خلالها النفاذ إلى حل أو مخرج للأزمة الراهنة, وهذا الأمر لا يدعو للعجب فلن يحصد الغارس إلا ما زرع فكيف لمن لم يدرك علوم السياسة ومن لم يدرس التاريخ ولم يفقه الجغرافيا والجغرافيا السياسية ومبادئ الاجتماع البشري ونحوها من العلوم اللازمة للتحليل السياسي أن يقدم طرحاً سياسياً يكون عليه المعول في التغيير أو إليه الملجأ حين يتيه الناس في معامه السياسة ودهاليزها.

وهذا المسلك الخنفشاري في التعامل مع العلوم والمعارف ليس حكراً على أدعياء التحليل السياسي بل هو حق مشاع  سار على منواله آخرون من أدعياء الفكر والثقافة وأرباب القلم الصحفي فتراهم يغيرون على الأفكار حاملين سيوفاً من عاج وبنادق من خشب, فينتهبون الأفكار ويعربدون في ساح العلم والفكر دون رقيب أو حسيب مطيتهم في ذلك الدعم الحزبي والتحشيد الطائفي واللعب على وتر الأحداث وتحيزاتها فذلك سبيل الشهرة والمجد وإن كانت بضاعتهم في سوق العلم والفكر كاسدة. 

فإياكم أن تجعلوا من هؤلاء المتحذلقين قدوات, ولا تبالغوا في صنع مجدهم, فأنتم من يمكنكم توجيه بوصلة النخبة ولذلك وسائل شتى لو تتفكرون, وصلاح حالكم وصلاح مجتمعنا هو في صنع نخبة ذات قدم راسخة في العلم تملك وعياً وفهماً وإدراكاً لا يرتبط بطريق تكسب ومسيرة ارتزاق, فهل تتصور رعاك الله أن الطرح السياسي والثقافي يكون مجدياً ونافعاً مع ما يعتريه من شوائب الجهل والتعالم والنفاق والارتزاق. هذا طرح يسطح العلم ويغتال الوعي ويزيف الوقائع فإياكم وإياه.