نحو مجتمع متحضر[1]

نشر بتاريخ : 19 يناير 2020

نحو مجتمع متحضر[1]

غرس الله سبحانه وتعالى في فطرة الإنسان حبه للاجتماع والالتقاء بالآخر والاستماع اليه كون الاجتماع بالآخر ضرورة من ضرورات مدنية الإنسان ورقيه وانعتاقه من العزلة والتوحد والانطواء على الذات.

ولذلك عندما هبط آدم من جنة الله إلى أرضه رافقته حواء ليعيش في الأرض بأمن وسكينة وسلام وليشكلا معا نواة الجماعة الإنسانية الأولى وهبط معه-أيضا-  إبليس ليكون وجوده في الأرض جزء من الابتلاء للإنسان بحيث يفتح الباب على مصراعيه للصراع بين الحق والباطل ولإستفزاز الإنسان واستثارة كوامنه وطاقاته.

وللمجتمع تعريفات كثيرة جدا نلخص من جملتها إلى تعريف مقارب كقولنا إنه: أوسع تجمع للناس الذين يتشاطرون عقائد ونظم مشتركة من الاتجاهات والعادات والمثل ويتطلعون إلى أهداف عامة مشتركة مع سكناهم في أرض محددة واعتبارهم أنفسهم وحدة اجتماعية واحدة.

كل مجتمع من المجتمعات يقسم إلى تقسيمات عدة على أساسات مختلفة فقد يقسم ذاته إلى وحدات وجماعات عديدة على أساس قرابي أو إقليمي أو مهني أو ثقافي وذلك لأجل التآلف والمصلحة أو إمكانية التفاهم بين أجزائه ويمكن تعريف الجماعة بأنها: وحدة إجتماعية تتكون من عدد من الأفراد يشغلون مراكز محددة كما يقومون بأداء وظائف محددة بالنسبة لبعضهم بعضا ولديها جهاز من القيم والمعايير خاص بها ينظم سلوك الأفراد فيما يؤثر في بقاء وحدة الجماعة بصورة أخص.

إن المجتمع في حقيقة أمره مجموعة من الأنظمة وتكون العلاقة بين الإنسان وأخيه قائمة على مجموعة من النظم والقيم والمعايير حتى أن صغار الأطفال- كما يرى بياجيه- الذين لم يتم بعد تنشئتهم اجتماعيا يقيمون قواعد ومعايير للتفاعل عندما يلعبون مع بعضهم بعضا ويزداد المجتمع تعقيدا كلما ازداد نموه وتقدمه إذ أن علاقاته ونظمه تتجه حينئذ نحو التعقيد وتحتاج إلى فهم وبلورة أكثر لهذه العلاقات حتى لا تتسبب إلى نزاعات بين أفراده.

ومما يجب التأكيد عليه أن لله سبحانه وتعالى سنن ماضية وخالية تحكم العلاقات التي بين البشر وهي جزء من سنن الله في الكون والطبيعة والسنن لا تظهر ولا تتجلى للذين لا يعيرونها أي إهتمام وإنما تظهر لأولئك الذين يبذلون قصارى جهدهم في معرفتها وفهم كنهها ودراية حقيقتها واستنباطها وتتبعها وتحليلها وللأسف الشديد أن مثقفونا وعلماؤنا ومفكرونا لم يبذلوا جهدا تستحقه معرفة السنن وفهمها بالرغم من أنها المدخل والمنطلق إلى كل إصلاح.

ويمكن القول أن المجتمع يتكون من وحدات أو مجموعات مختلفة وتقوم بينها علاقات متمايزة تحكم هذه العلاقات مجموعة من المعايير والقواعد والقوانين والنواميس والمقاييس.

والفرد لا يقتصر إنتماؤه على مجموعة واحدة فقد ينتمي لمجموعات مختلفة وقد يكون ذلك الانتماء قسري أو طوعي, قسري حين يكون الانتماء مرجعه إلى أسرة الفرد أو قبيلته وطوعي عند أن يكون ذلك الانتماء أساسه يعود إلى ناد أو رابطة أو حزب أو جماعة أو حركة أو مجموعة ثقافية ويدل إرتباط الفرد بمجموعات متعددة على ثقافته وحيويته و رقيه وكذلك المجتمع كلما كثرت الروابط والمجموعات الطوعية فيه دل ذلك على حيويته ورقيه وانعتاقه من دائرة العزلة والانزواء المعرفي والثقافي والاجتماعي.