أنوثة حائرة!

نشر بتاريخ : 30 نوفمبر 2019

أنوثة حائرة!

بالقربِ من العمارةِ التي كنتُ أسكنُ فيها، كانَ يلتصقُ بنا معرضُ ملابس، تفتحه فتاة في ربيعِ العمر كل صباح، وتباشرُ العمل، كبائعةٍ، وتنظفُ المكان، وتمسحُ زجاجَ الواجهةِ الأنيق.. وعندَ عودتي ليلًا أراها تغلقُ بابَ المحل.. لتعودَ في اليومِ التالي.. وهكذا تمضي بها الأيام..!

حقيقة استوقفني حالها؛ وكنتُ كلما مررتُ بجانبِ المعرض، أقلبُ المسألة في رأسي من كلِّ الزوايا، وأتناقشُ مع نفسي، لكني في النهاية أيقنتُ أنها فتاة مظلومة، حُمِّلتْ فوقَ طاقتها، بحججٍ مختلفة، والنتيجة واحدة، تلاشٍ للأنوثة، وأعباء جسيمة تخفيها في قرارةِ نفسها.

لستُ ضدَّ عملِ المرأة، إطلاقًا؛ الأمر أكبر من هكذا تصور..

أخْرَجُوا المرأةَ في كلِّ مكان، وخلقوا بينها وبينَ الرجل معركةً من النِّدية، وإثبات الذات..

ولا أدري كيفَ خُدعتِ المرأة بأن ركنت إلى القولِ الذي مفاده؛ أن ارتباطها ومكوثها في منزلها، وتربية أبنائها = يعني أنها جارية، مستعبَدة، لا همَّ لها إلا رضا سيدها!

وهل ثمة شيء أعظم للمرأةِ من أن تكونَ مصانة الجانب، محاطة بالحب، تقومُ بدورٍ موازٍ لدور زوجها في صناعةِ الحياة في داخلِ منزلِ الزوجية، وتُعنى بتربيةِ أبنائها، وتهتمُّ بتثقيفِ نفسها، وتنميةِ ذاتها، بعيدًا عن اللهثِ وراءَ (وَهْمِ) إثباتِ الذات، والتخلي عنِ الأنوثة، بحجةِ أنها قوية، وهي كذلك، لكنَّ قوتها لا يعني أن تضعها في المكانِ الخطأ، قوتها في حمايةِ منزلها، وصناعة مستقبلِ الأمة من خلالِ العملِ على تهيئةِ أبنائها؛ ليكونوا رجالًا تفخرُ بهمُ الأوطان..

لا أدري لماذا أتعاطفُ مع المرأةِ العاملة..؟

أشعرُ بالأسف والحزن، عندما أراها نادلةً في مطعمٍ مكتظ، أو في أي عملٍ شاق لا يليقُ بمقامها الأنثويِّ العظيم!

يجبُ أن نقرَّ أنَّ عمل المرأة في الداخل، لا يقلُّ شأنًا عن الرجل، بل، هو أشق.. وهذه حقيقة لا تُنكر!

أمنياتي لكلِّ امرأةٍ أرهقتها تصاريفُ الأيام، ونوائب الدهر، ومشاغل الحياة، واللهث وراء الظَّفَر باعترافِ المجتمع بحقِّها في عملِ كلِّ شيء.. أمنياتي لهنُّ بسلامةِ الروح، ورِضَا القلب، والعودة الحسنة إلى بقعةِ السَّعادة.