الاسـتـحـمـــــــار (استعمار مِن نوعٍ آخر!)

نشر بتاريخ : 31 أكتوبر 2019

الاسـتـحـمـــــــار (استعمار مِن نوعٍ آخر!)

أسلوب (الاستحمار) لا يلجأ إليه في الغالب إلا أصحاب المواهب الضعيفة والمهارات المتدنية، فهم مفضوحون ومكشوفون، ويعرفون أنك تعرف أنهم يكذبون، ومع ذلك يستمرون.

أصحاب هذا الأسلوب المفضوح إذا سألتهم عن الشمس متى تُشرق فسيكون جوابهم: أنها تشرق بالتأكيد في المساء! وأن ما نراه من شمسٍ في الصباح ليس إلّا وهم ويجب تصديقهم!

وربما قد يصل بهم الأمر إلى إنكار حقائق لا يختلف حولها مجانين فما بالك بالعقلاء، فلا تتفاجأ إن زعم أحدهم مثلاً بعدم وجود بلد اسمه (الصين)!

وفي الواقع لا يهمني كثيراً أمر أصحاب هذا الأسلوب، بِقدرِ ما يهمني البيئة التي يعملون فيها والضحايا المساكين الذين يستهدفونهم!.

الاستحمار والاستغباء باختصار:

هو محاولة التعامل مع المُستهدف كحمار وغبي لا يفهم شيء!

ولا يدري أنه لا يفهم شيء!

ولا يدري أنه لا يدري!

ولا يُريد أن يدري بأنه لا يدري!.

أصحاب هذا الأسلوب يعرفون جيداً أن استمرارهم في الكذب مع مرور الوقت سيتحول إلى حقيقة لدى المستهدفين، وبالتالي ينخدع بها مجموعة كبيرة من الحمقى والمغفلين، وأولئك الحمقى كُثر.

ومن أشهر من استخدم هذا الأسلوب تاريخياً، هو نبي ورسول السُذج وسيدهم (مسيلمة الكذاب)، صاحب الموهبة المحدودة والقدرات الضعيفة، كما هو حال الكثير من أزلامه الذين أتوا من بعده.

فعندما ادعى النبوة، التقاه عمرو ابن العاص، فقال عمرو مقولته الشهيرة لـ مسيلمة الكذاب: " والله يا مسيلمة أنك تعلم أنني أعلم أنك كذاب".

كذلك الحال مع كل السيدات والسادة أصحاب هذا الأسلوب، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التّعلم أكثر والبحث عن أساليب أخرى للخداع والتضليل، نقول لهم اليوم وفي كل يوم وبصوتٍ واحد: والله أنكم تعلمون أننا نعلم أنكم تكذبون كما تتنفسون!، بل وأكثر.

أسلوب الاستحمار لا يلجأ إليه في الغالب إلا المخادعين المبتدئين ذو الهمم البسيطة، ولا ينجحون إلا إذا كانوا سيعملون في بيئة مليئة بالجهلة والحمقى الذين لم يعلموا بعد مثلاً أن جمال عبد الناصر وصدام حسين قد ماتوا، وربما تفاجأوا لو أخبرتهم بذلك الخبر، وبعد أن يتفاجؤوا سيسألونك: عن من يكون جمال عبد الناصر ومن يكون صدام حسين!

بل وربما أن آخر خبر صحيح سمعوه كان انتصار المسلمين في غزوة بدر!.

ومن علامات هؤلاء المُستَحمَرين المُستَهدَفين، أنهم أكثر أشخاص قاموا بطابعة وتوزيع تلك المنشورات التي بدأت بالضهور مطلع القرن الحالي، والتي تحتوي مثلاً على رؤيا رآها شخص ما، وأنك إذا قُمت بطباعتها وتوزيعها على 13 شخص فستسمع خبراً جميلاً!

ومع ظهور الانترنت واكتشافهم للواتساب وتطبيقات أخرى، استمروا في فعل نفس شيء ونشر نفس الأخبار والأكاذيب المضحكة، مثل أن الواتساب سيتم اغلاقه وحظرك إذا لم ترسل هذا الرسالة الآن لكل قائمة اصدقائك!

وهنا نصيحة مهمة:

إذا اكتشفت في الحي الذي تسكن فيه أو أي مكانٍ آخر عن وجود كائن غريب لا يزال يُرسل مثل تلك الرسائل التي لو أرسلتها لـ 13 شخص فستسمع خبراً جميلاً، فانصح فوراً بالقبض عليه وتسليمه إلى أقرب مصحة نفسية أو لأقرب قسم شرطة! والدال على الخير كفاعله..

طبعاً أمزح! لا داعي لتسليمه لأي جهة، يكفي فقط نُصحه وتوعيته.

قبل أيام التقيت بأحد هؤلاء (الضحايا المُستَحمَرين) وكان متحمساً وهو ينقل لي خبراً يؤكد أن هتلر حي ولم يمت بعد!

إن المستهدفين من هذا الأسلوب لا يكون لهم أي وزن حقيقي وقت الفتوحات والانتصارات ولا في وقت المحن والأزمات، ووزنهم الحقيقي فقط في صناديق الاقتراع وأحياناً في بعض (وليس كُل!) المظاهرات والاعتصامات هنا وهناك، ويمكنك تحريكهم بضغطة زر أو رسالة واتساب أو فيديو قصير واحد.

وهؤلاء المُستهدَفين من هذا الأسلوب هُم مصدر الرزق الوحيد لأصحاب هذا الأسلوب وفي اليوم الذي سيرتفع فيه وعيهم، سيعلن أصحاب أسلوب الاستحمار افلاسهم!

وكلما قل الجهل قل تأثير أصحاب هذا الأسلوب، والعكس صحيح!

قال لي أحد ضحايا الاستحمار ذات مرة أن فلان هو (المهدي المنتظر)!، وكانت حجته الوحيدة التي جعلته يصدق ذلك (المهدي)!، هو أن عدد متابعيه في الفيس بوك وصل لأكثر من مليون!

فقلت له: حسناً، سأرسل لك رابط صفحة إحدى الراقصات ولديها أكثر من 10 مليون متابع! وربما يكون أنسب أن تتبعها هي، فالمعجبين بها أكثر بكثير من صديقك (المنتظر)

فسكت ثم تركني ورحل!

إن أسلوب المستحمِرين (المسرفين في الكذب الواضح) لا يحتاج إلى متخصصين لكشفهم وفضحهم، فهم يعملون بوضوح تام، وبجرأة كبيرة، ولا يخفون أنفسهم ولا أدواتهم ولا طبيعة عملهم وأهدافهم، بل ومفضوحون لدرجة أنهم قد لا يُخفون الجهة التي يعملون لصالحها هنا أو هناك.

كشخص يستخدم اسم مزيّف مثلاً (الوردة الحمراء) في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي كي لا يُعرف، لكنه لم ينتبه أن قد وضع صورته الحقيقية فتكتشف أنه جارك (قيس بن شعفون)!، وشر البلية ما يُضحك!.

وأُجزم أنه مع توفر التكنولوجيا الحديثة وتوفر الانترنت،

وتحوّل العالم إلى قرية واحدة بشكلٍ دراماتيكي، سيساعد ذلك كله بشكلٍ مباشر في التقليل من تأثير المُستَحمِرين على المُستَحمَرين.

بل وأعتقد أيضاً أنه مع مرور الوقت ستنحصر تدريجياً نجاحات أصحاب هذا الأسلوب، بسبب سهولة الحصول على المعلومة والخبر وعوامل أخرى، إلّا إذا طوروا أساليبهم ومهاراتهم وأدواتهم.