الاستلاب المُر!

نشر بتاريخ : 31 أكتوبر 2019

الاستلاب المُر!

منذُ أن وضعَ الاستعمارُ الحديث قدمه في أرضِ العروبةِ والإسلام لامتلاكِ زمامه، والتحكُّم في مقدراتِ شعوبه، وسلخهمْ من قيمهم، وغرسِ قيمِ التغريب، والتنكُّر للإسلام، نهضت حركاتٍ وجماعاتٍ تحمل على عاتقها سنَّة التغيير، وتُعلنُ النَّفيرَ العام للمدافعةِ والثباتِ في وجه الاستعمارِ وأتباعه وعملائه.. استطاعتِ الكثير من الحركاتِ الوطنية، والإسلامية، في تحقيقِ نجاحاتٍ باهرة في دحْرِ الاستعمار، وإرهاقه، وتسبَّبت في تفكيره بالرحيل، وبطريقةٍ أخرى للبقاء، وقد اهتدى لفكرةِ خروج المستعمر وبقاءِ المستبد..!

بدأَ الاستبداد يضربُ بجذوره في عمقِ الحياة؛ تاركًا الخوف والخور يسيطرُ على القلوب، بعد أن كانتِ الحمية والنخوة وسُنَّةُ التَّدافع والغيرة على الوطنِ من دَنَسِ المحتل هي السائدةُ قبل ذلك!

عندما خرجَ المستعمر وأبقى المستبد؛ وسُلبت جهودُ من ضحوا بدمائهم لتحريرِ أوطانهم؛ بدأت معركة جديدة بينَ الحركاتِ التحرريةِ الإسلامية وبينَ منظومةِ الاستبداد والكبت والديكتاتورية التي لا تؤمنُ بحقِّ الإنسانِ وكرامته!

استطاعتِ الحركات الإسلامية بشتى صورها وتوجهاتها أن تحيي في الأمةِ قيم التَّدافع ومبادئ التحرر، وكان لذلكَ أثرًا ظاهرًا تجلَّى في سقوطِ كثيرٍ من نُظمِ الاستبدادِ في القديمِ والحديث، لكنَّ الإشكالية تكمنُ في "الاستلاب" الذي أصيبت به هذه الحركات، وسرقةِ جهودها وجهادها وضياعِ الثمرة من بينِ أيديهم بعد أن أمضوا ردحًا من أعمارهم في بذرها وتعهدها، و تكررَ الخطأ عينه في ما مضى وما حدثَ في عصرنا الحالي من وأدٍ واستلابٍ لآمالِ الشعوب.

فابتداءً بالجزائرِ وجمعيةِ العلماءِ المسلمين الفاعلة التي كانَ على هرمها العلامة القائد ابن باديس والإبراهيمي، مرورًا بالمغربِ العربي وضياعِ جهود حزبِ الاستقلال الذي أنشأه المقاصدي الزعيم علَّال الفاسي وحزب الشورى والاستقلال بقيادةِ الوزاني، ومن قبل ذلك حركة المجاهد العظيم القائد الفذْ محمد بن عبد الكريم الخطابي...

وكذا، ما حدثَ في مصرَ من سرقةٍ واستلابٍ لجهدِ حركة الإخوان المسلمين، وجهادهم في فلسطين، وإسهامها بصورةٍ أو بأخرى في قيامِ الثورات ضدَّ "الإمامة" "والملكية" في أكثر من قُطْرٍ عربي، ثم نهايتهم المؤسفة التي قضت بزجهم في السجون، وتشريدهم، وقتلِ رموزهم، وحلِّ الجماعة التي قامت على ظهرها الثورة وبسواعد أبنائها الناشدين لقيمِ العدالةِ والتحرر والكرامة!

وقائمة الاستلاب تطول - كما ذكر صاحب دروبِ النهضة - فتونس(بورقيبة) سُرقت واختلست جهود صالح بن يوسف، وعبد العزيز الثعالبي، وفي باكستان حينَ طالب شاعرُ الإسلام محمد إقبال بدولةٍ مسلمةٍ منفصلة عن الهند، وكان حينها لأشعاره وكلماته ومواقفه الأثر الكبير في ذلك، لكنَّ الاختلاس يكمن في أنَّ من فاوضَ الإنجليز محمد علي جناح العلماني الإسماعيلي، وليس إقبال شاعر الأمة وفيلسوفها وثائرها!

وما حصلَ من استلابٍ واختلاسٍ وسرقةٍ لثورات الربيع العربي ليسَ عنَّا ببعيد، وآثاره ما زلنا نعيشها لهذه اللحظة التي يجري فيها القلم لكتابةِ هذه الأسطر.

فـ ما هي الأسباب في استلابِ الجهود المبذولة من الحركاتِ التحررية الإسلامية؟!

في نظري أنَّ ثمة أسباب عدة ساعدت في هذا الاستلاب المر، وهي على النحو الآتي:

- الخوف الغير مبرَّر من الحركاتِ الإسلامية التي تنشدُ دولة العدالة والمبادئ والقانون. الأمر الذي يجعلهم في خانةِ العدو الدائم، والمارد الذي لا حقَّ له في الخروج!

- التربص بالحركاتِ الإسلامية وعدم التمكين لها لغرضِ بسط السيطرة، من خلالِ ثنائيةِ الاستبداد والاستعمار، في كبحِ وصدِّ أي تقدمٍ لها.

- عدم اكتمال الصورة عندَ كثيرٍ من الحركاتِ الإسلامية في حالِ سقوطِ المستبد، بمعنى؛ أنهم يجيدونَ بذرَ الحَبْ ولا يستطيعونَ جنيَ ثمارها؛ لعدمِ الدُربة وغبشِ الصورة لديهم، وهذا العامل يساعدُ في استلابِ جهودهم وضياعها!

- أنَّ الحركات الإسلامية تهيأتْ نفسيًّا لتكون حاملةً للواءِ المعارضة، ولديها قدرة فائقة في ذلك، بينما قصرت وأهملت فكرة الوصول إلى الحكم في ما لو أتيحَ لها وأتت رياحُ القدر لصالحهم وتمكنوا من ذلك..! وقد رأينا في اللحظة الفارقة التي صعدوا فيها إلى سُدَّة الحكم، كثيرًا من الغبش في الرؤية، أدى مع عوامل أخرى إلى إسقاطهم!

- عدم وضوح الصورة في شكلِ الحكم والنظام الذي يُراد له أن يسود من قبلهم، والحديث عن الشريعة بشكل ضبابي دونَ تقنينٍ محكمٍ واضح لكلِّ مناحي الحكم وتنزيلها في واقعِ الناس.

وثمة مشكلات عامة تعاني منها الحركات الإسلامية وأفرادها بشتى توجهاتهم، تسهمُ بشكلٍ أو بآخر في ديمومة الاستلاب، وتقييدِ حركتهم عن التقدم إلى مربعاتٍ أخرى:

- تجريد الأتباع من الإحساس الحضاري العام، بإحساسٍ ذاتيٍّ مفرد ينظرُ إلى العالمِ من كُوَّةٍ مغلقة؛ فيفسر الكون كله من زاويته الضيقة ويختزل الحقيقة فيما بلغه عن "شيخه"  أو "زعيمه"  أو "مرشده" أو "أميره" ، وهو قابعٌ في الدهاليز بعيدًا عن سعةِ الكون والحياة!

- الإمعان في تدجينِ الأتباع، تسبَّبَ في إخراج جيلٍ ممعنٍ في التبعيةِ حدَّ البلادة.

- الضعف العلمي، والضحالة المعرفية، وفقدان التخصصات الدقيقة التي تلامسُ حاجات المجتمع، لاسيما التميز والإبداع في العلومِ الإنسانيةِ الغائبة!

- غياب مراكز الأبحاث والاستشراف الجادة، لدى العديد من الحركات الإسلامية، مما يؤدي إلى المضيِّ قدمًا نحو مجهول لا يعرفُ طريقه، ويكون سببًا في صدمةٍ بالغة تكادُ تودي بحياةِ الحركة؛ كما حصل في مصر الثورة مؤخرًا!

-  الاهتمام ببعضِ الشكليات واﻷمور السطحية وجعلها معيار القرب والانتماء مع ضعفٍ ظاهر في البناء الفكري، وغياب النموذج المعرفي للمنتسب؛ مما يؤدي لضيق أفق في الطرح والتعامل، ما يخلق نوعًا من التشنج والمماحكات بينَ الأطياف اﻹسلامية داخليًا ومع غيرهم خارجيًا.

-  النظر للآخر والتعامل معه بطريقةِ الفاضل مع المفضول، وصاحبِ الحقِّ المطلق مع الضالِّ الحائر الذي لا يعرفُ للحقِّ سبيلًا!

- تقديم الأفراد بحسب قربهم من الزعيم أو القائد أو الشيخ، وليس بحسبِ الكفاءة والمقدرةِ والتمكن ..!

- افتعال بعض الحركات اﻹسلامية للخصومات الفكرية والسجالات العقدية والإغراق في الخلاف، واستدعاء بعض القضايا التاريخية وازدياد وتيرة الحماس في النقاش حولها  مما يعد  استهلاكًا حضاريًا و مظهرًا من مظاهرِ ااستلاب!

- إبقاء جذوة النيران مشتعلة بتحريضٍ خفيٍّ من المستبد؛ بينَ ثنائيةِ "العلماني والإسلامي"، لاستدامة الصراع، وعدم الوقوف على المشتركاتِ التي تجمعهم، والأهداف التي يتفقونَ معها، وبعضِ الغايات التي يسعى كلا الطرفينِ لتحقيقها!

وعليه:

- فعلى الحركات الإسلامية العاملة في السَّاحةِ أن تستشعرَ أنها حاملة للواء سنَّة التدافع، و أنَّ على عاتقها السعي لقيام مشروع النهضة بوجهه المشرق، بعيدًا عن الغلو والتطرف، والضبابية والاستخفاف بما عند الآخر..!

- الانطلاق من فضاءِ الإسلام العام، وقيمه العظمى، ومشتركاته الإنسانيةِ الكبرى، وليسَ من قمقم المسمَّى الضيق، الذي باتت صورته شائكة لدى قطاعاتٍ كبيرةٍ من الأمة!

- الفصل بينَ العملِ السياسي، والعمل الدعوي الخالص، للنجاح في الأول، وعدم توريطِ الدعوة في حال الفشل، فنكون سببًا في الجنايةِ عليها لسنوات، وحتى لا يطغى أحدهما على آخر.

- عدم الحساسية المفرطة من بعض المصطلحات التي يتعمَّد البعض جرنا في معاركَ من أجلها، ونحنُ في غنى عن ذلك، فمصطلح الدولة المدنية - مثلاً - لا ينبغي - من وجهة نظري -  أن نخافَ منه، أو يصبحَ سَوطًا نُضربُ به كوننا في خصامٍ معه،

فلنقل: نحن نسعى لقيام دولةٍ مدنيةٍ تحمل على عاتقها فكرة النهضة، ولا تُختزلُ في بعض الأمور من خلال تصورنا لها، فالمدنية ليست ثراءً خادعًا، ومظاهر فاتنة، وإشباعًا للنزوات، وانغماسٍ في الشهوات، وإنما هي غنى في النفس، وسمو في الروح، وعمقٌ في النظر، وتوائمٌ بين عمرانِ الروح والمادة، واعترافٌ بحقِّ العيشِ الكريمِ للإنسان!

- أن تُسهمَ الحركات الإسلامية وتكرِّسَ جهودها وطاقاتها في معركةِ الوعي الكبرى، وصناعته وتوجيهه؛ ليصل الناس إلى قناعةٍ تامةٍ بما نخاطبهم به وندعوهم إليه.

- امتلاك ناصية الإعلام المحترف، وتوجيه الرؤى والأفكار من خلاله، والخروج من وحلِ التقليد والجمود والتأخر الذي تعانيه الحركات الإسلامية في مجالِ الإعلام بشتى صوره!

- على الحركات الإسلامية أن تُدرك أنها أمل الشعوب المُستَبدَّة، وذلك لنظافتهم في الغالب، وسمو هدفهم، وعليهم أن يكونوا أهلًا لذلك؛ أو يتركوا الطريقَ لمن يجد في نفسه القدرة على تلبيةِ رغباتِ الشعوبِ المسحوقة، واستعادةِ حقهم في الكرامة والعدالة والحقوق والحرية!