ثقافة القبول بالآخر وأثرها في تثبيت دعائم الحضارة ..المجتمع المدني أنموذجا

نشر بتاريخ : 13 أكتوبر 2019

ثقافة  القبول بالآخر  وأثرها في تثبيت دعائم الحضارة ..المجتمع المدني أنموذجا

ثقافة-الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية- أو القبول بالآخر والإيمان بها والعمل وفقها يساعد على إقامه مجتمع آمن ومثقف وواع خال من النزاعات والانقسامات التي تصيب المجتمعات والشعوب وغالبا ما تورث هذه الخلافات والانقسامات السير وراء الطائفية والمذهبية والمناطقية والجهوية والعنصرية وهنا يأتي أهمية ثقافة الاختلاف وتثبيتها في أذهان الأفراد والجماعات واعتمادها كثقافة إجتماعية عامة يؤيدها القانون ويحاكم من يخالفها قضائيا, حتى تتثبت ثقافة _الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية-وعندها ستتثبت دعائم و ركائز الحضارة في البلدان والأقطار.

ولقد أثبتت الأيام صدق هذه المقولة التي تقول الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضيةولو سير الإنسان طرفه في قراءة التاريخ واستقراء مراحله وما جرى فيها لعرف حينها ثمرة ثقافة الإختلاف في الرأي لايفسد للود قضية وأهميتها فمثلا

لو لاحظنا سنغافورة كيف تغيرت نحو الأفضل عندما استقلت ذاتيا بعد تحررها وإستقلالها من الإحتلال البريطاني من طرف واحد عام ١٩٦٣م وبعد إنفصالها أيضا من البرلمان الماليزي عام ١٩٦٥م حيث قامت بتشكيل أول حكومة في تاريخ جمهورية سنغافورة وواجهت الفقر وضعف البنية التحتية و ركزت على صهر وتذويب الاختلاف الناجم عن إختلاف الأجناس المنضوية تحت سقف هذه الجمهورية فوحدت اللغة وجعلت اللغة الانجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد ووحدت ديانتها فجعلت العلمانية ديانة لها و هكذا تغلبت سنغافورة على الكساد الاقتصادي والتخلف الحضاري وحصلت وحازت على الإستقرار السياسي بفعل صهر وتذويب الخلاف الذي يؤدي إلى الفرقة والشتات والإنهيار في جوانب الحياة كافة.

و كانت سنغافورة قبل هذه الإجراءات دولة متخلفة حضاريا و منهارة إقتصاديا فتحولت بفضل ترسيخ ثقافة الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية إلى دولة متقدمة حضاريا تمتلك اقتصادا قويا يصل دخل الفرد فيه إلى ٤٩٢٧٠$.

 

ولو عدنا إلى العهد الذهبي والعصر النوراني المحمدي والمجتمع الذي كان يقوده عليه الصلاة والسلام وتأملنا في اسباب نجاح هذا المجتمع وأسرار نهوضه لظهر لنا أن القائد الذي يعتبر أعظم وأنجح قائد عرفته البشرية اتى بمبادئ للإنسانية ولم يكن أي مبدأ منها يتصادم مع الحياه او يتناقض معها فأول عمل قام به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام -بعد هجرته إلى المدينة- بناء المسجد النبوي حيث كان هذا المسجد بمثابة الجامعة والمنتدى والبرلمان والإدارة لجميع الشئون وبث الإنطلاقات ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ثم قام بعمل ميثاق إسلامي بين المهاجرين والأنصار ووادع اليهود وأقرهم عل أموالهم ودينهم وتضمن هذا الميثاق المبادئ الذي قامت عليها أول دولة في الاسلام ثم تعاهد مع اليهود معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ولم يركن إلى الإبعاد والمصادمة والخصام.

 

ولم يكن المجتمع المدني في عهد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام خال من الخلافات والانقسامات فقد كان في صف المسلمين الكثير من المنافقين الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر منهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي خذل رسول الله في غزوة أحد وانسحب بثلث الجيش وقال: لاندري علام نقتل أنفسنا؟

 

وقال عبدالله بن أبي بن سلول أيضا: لاتنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا_ اي امنعوا الأموال عنه وعن اصحابه ولاتعطوهم زكاة ولاغيرها فيظطر الناس للإنفضاض عنه والأعراب الذين يأتون للمال لايأتون فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: دعني اضرب عنق هذا المنافق فقال عليه الصلاة والسلام: دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل اصحابه_ هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع المنافقين بعقلية فذة وحكمة وحنكة تحارب الشقاق والخلاف وتميت نيران النفاق وآثاره بطريقة سليمة وهادئة تزيل الضرر ولاتلحق الضرر بالجاني.

 وتذكر الروايات التاريخية أنه يوما ما وصلت إلى مسامع عبد الله بن أبي بن سلول أنه حصل شجار بين واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار فتوعد عبد الله بن أبي بن سلول المهاجرين قائلا: لئن رجعنا لنخرجن الأعز منها الاذل فهم الصحابة بقتله فنهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك.

 وفي غزوه تبوك عندما دعا المنافقون الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مسجد ضرار رفض رسول الله بأمر من الله الذهاب إليه وأمر أن يهدم المسجد علىأساساته ولم يقتل لحكمته عليه الصلاة والسلام من بنوه رغم معرفته بهم ورغم انه في قتلهم خلاص من شرهم إلا أنه لم يفعل.

 وعندما بث المنافقون بين المؤمنين دعاوى الجاهلية قال عليه الصلاة والسلام منكرا عليهم: دعوها فإنها منتنة, وذكرهم بفضل الله عليهم وكيف صاروا بنعمة الله اخوانا.

 

وكان ايضاً عليه الصلاة والسلام يقبل إعتذارات المنافقين تأليفا لقلوبهم وحفاظا على تماسك النسيج الإجتماعي للمجتمع المسلم وأيضا لضمان استمرار قوته وحفاظا عليه من التشرذم والتنازع وذهاب القوة منه ولذلك نبهه مولاه عز وجل فقال ولاتنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم.

 وتذكر المرويات التاريخية قصة جميلة تدل دلالة ظاهرة على حكمته عليه الصلاة والسلام وتعامله مع المنافقين بعقلية فذة وروح ناهضة حريصة على تماسك النسيج الإجتماعي وتوحيد المجتمع المدني ولم شمله وتوجيه القوة والمنعة والجيوش نحو المشركين وأهل الكتاب وهي:

 أن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وأصاب الناس فيه شدة وكان ذلك في غزوة بني المصطلق حيث قال زيد: سمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول- لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا- فذكرت ما قاله عبد الله بن أبي بن سلول لعمي والمقصود بعمه-أي سيد قومه- وهو سعد بن عبادة فذكره سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني سعد فحدثت رسول الله فكذبني وقال-لعلك أخطأ سمعك، لعلك شبه عليك- فقال زيد: فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت من الغم- وفي رواية- فرجعت إلى المنزل كئيبا حزينا فقال لي عمي ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ومقتك، ما قصدك؟ تنقل كلاما خطيرا مثل هذا.

فنزلت سورة المنافقين تؤيد سيدنا زيد رضي الله عنه وتؤكد براءته حيث قال الحق تبارك وتعالى- هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا- فأجاب الله تعالى عليهم قائلا لهم في تمام هذه الآية- ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون- وبعد نزول هذه الآية لم يستدعي النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أبي بن سلول لمناقشته وتوبيخه بل إستدعى سيدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه فلما جاء زيد إليه صلى الله عليه وسلم قرأها عليه ثم قال له: إن الله قد صدقك يا زيد!!!.

بعد ذلك قرأ عليه الصلاة والسلام سورة المنافقين في صلاة الفجر ثم دعاهم ليستغفر لهم تأليفا لقلوبهم لكنهم رفضوا لأنهم منافقين نفاقا أكبر حيث قال الحق تبارك وتعالى- تعالوا يستغفر لكم رسول الله لؤوا رءوسهم-المنافقون الآية ٥-.

من خلال النماذج السابقة تبين لنا تعامل الرسول عليه الصلاة و السلام مع المنافقين والمخالفين والمخربين المتواجدين في عمق المجتمع المدني وفي صف الإسلام منذ ظهور بوادر الخلاف والشقاق الأولى التي ظهرت في مجتمع المدينة حيث مجتمع المدينة حيث كانت سياسته معهم التغاضي عن الجرائم الكبيرة فضلا عن اللمم والخلافات الصغيرة لأن معظم المنافقين كان لهم في قومهم نوع سيادة فعبد الله بن أبي بن سلول كاد أن يتوجوه الأوس والخزرج ليكون ملكا عليهم لولا مجيئ النبي عليه الصلاة والسلام فكان في التغاضي عنه تأليفا لقومه واقتصر النبي عليه الصلاة والسلام على معاتبتهم بعد ثبوت الجريمة عليهم وقبل أن تثبت عليهم كان يقبل إيمانهم وحلفهم ويصدق ظواهرهم وإن كانت القرائن ترشد إلى خلاف ذلك لكن لأجل التأنيس والتأليف كان يصدقهم.

وبعد أن تعامل النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هكذا تعامل مع المنافقين الذين يشقون الصف ويبذرون الخلاف والفرقة في أوساط المجتمع المسلم تفرغ حينها وبعدها لقتال المشركين والكفار و راسل الملوك والأمراء وهزمهم وانتصرت دعوته عليه الصلاة والسلام وهكذا لو تعاملت المجتمعات الإسلامية في العصر الحديث مع الشقاقات والانقسامات والخلافات و الخصومات والنزاعات التي تحصل فيما بينها وبين أفرادها كما تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين في المجتمع المدني لانتهت الخلافات واختفت الانقسامات واندرست الشقاقات وتفرغت هذه المجتمعات لبنيان أعمدة حضارتها وكرست جهودها لتحسين الأوضاع الإقتصادية لمواطنيها وأعلت من شأنها وتفرغت أيضا لقتال الكفار والغاصبين المحتلين وأصبحت في مصاف الدول العظمى المتقدمة إقتصاديا وضمن الدول التي تمتلك مشروعا حضاريا وقاعدة تسليحية دفاعية قوية تذود عن مقدساتها وخيراتها ودينها وقوميتها وتعتز بلغتها.

ولكن برأيي أن تمزق المجتمعات الإسلامية عموما والعربية خصوصا مرجعه إلى حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي عز وجل ثلاث مسائل

الأولى: ألا يهلكهم بما أهلك به الأمم من الغرق والريح والرجفة والقاء الحجارة من السماء وغير ذلك من أنواع العذاب العظيم العام.

الثانية: عدم ظهور عدو عليهم من غيرهم فيستبيح بيضتهم.

الثالثة: عدم لبسهم شيعا واللبس الإختلاط والإختلاف في الأهواء والشيع جمع شيعة وهي الفرقة وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ربه عز وجل تفضل عليه واستجاب له الدعوتين الأولوين ومنعه الثالثة لحكمة يعلمها الحق تبارك وتعالى.

وعلى هذا فليس من المستغرب أن سبب نكبة المجتمعات الإسلامية والعربية كثرة الخلافات و كثرة الفرق المتناحرة والأفكار المتطرفة التي توعز إلى حامليها القتل والتناحر وبالتالي الفساد والفقر.

عموما... لا زال الوقت مبكرا ومتاحا أمام المجتمعات المتخلفة لتلافي الأخطاء وتصحيح المسارات من أجل إجتماع الكلمة ولم الصف واستفراغ الطاقات والجهود للبناء والتنمية والازدهار والشهود الحضاري والنمو الاقتصادي والإستقرار السياسي وتعزيز الجانب الدفاعي والقتالي حتى تتمكن الشعوب من حماية مقدساتها وخيراتها وقوميتها ودينها ودعم مراكز البحث العلمي وغيرها من المجالات التي تعود على الدول والشعوب بالنفع العام.