معاناة مستمرة.. رحلة المرأة اليمنية في البحث عن المياه في تعز

يني يمن - أمة الرحمن العفوري

نشر بتاريخ : 28 سبتمبر 2019

معاناة مستمرة.. رحلة المرأة اليمنية في البحث عن المياه في تعز

أدرك العرب قديما قيمة الماء فقالو: "أهون موجود وأعز مفقود"، كيف لا وهو الذي جعل ﷲ منه كل شيء حي، ونحن في الألفية الجديدة نعيد صياغة المشهد بعدسة اليوم، فالبلاد اليوم تعيش منذ أوائل 2011 حالة من عدم الاستقرار السياسي، والذي انعكس على مناحي الحياة الاجتماعية من حيث الأمن والخدمات العامة، مما نشأ عنه كوارث خطيرة منها أزمة المياه. وتُقدّر حسب بيانات وزارة المياه إلى 170 مليون دولار، والتي كشفت وَهَن البنية التحتية، وشبكات توزيع المياه، والتي كانت ضعيفة قُبيل الحرب، فازدادت بعدها ضعفا.

كل هذا أجبر المجتمع المحلي للاتجاه نحو الحلول البدائية  للبحث عن الماء، وأصبحت المساجد وخزانات المياه العامة ملاذ الكثيرين، فالفقر المائي وصل لمستويات خطيرة منها 59٪ من المحافظات المستضيفة، و 83٪ غير المستضيفة.

 مأساة انعدام المياه شملت معظم المحافظات والمناطق اليمنية، ولعلنا نسلط الضوء اليوم على معاناة إحدى قرى مديرية ماوية  بمحافظة تعز، حيث تعد من أكثر المناطق تضررا، جراء حصار مليشيات الحوثي من جهة ، وعدم توفر المياه من جهة أخرى، كما حال "الوعرة" والتي اتخذت من اسمها نصيبا، فهي وعرة بطرقها ومساكنها وتضاريسها وتعاني فقرا مائيا شديدا، وهي تضم في جنباتها 15 قرية وما يزيد عن 2842 نسمة، مما خلق  أزمة إنسانية أخرى.

هنا يتجلى مشهد أكثر إيلاما وقسوة حينما ترى النساء والأطفال والشباب يقطعون مسافات شاسعة، وسط زحام شديد وتدافع شديدين للحصول حصة بسيرة من ماء الشرب، ناهيك عن دفع نفقات الوقود هذا إن كان الحظ حليفهم، وقد وصل له لمقدمة طابور طويل من الواقفين، والذي تظهر على ملامحهم وجوههم الجهد والعناء والشحوب من النساء والعجائز والأطفال.. مشهد سيقف قلم الإنسانية طويلا في النظر إليه عاجزا عن وصفه.

 مسيرة التضحيات في نقل الماء

كما تستغل النساء في بعض المناطق أوقات الفجر بتلاوة القرآن تنطلق المرأة اليمنية لسباق مع الوقت والمسافات للوصول إلى الآبار وأماكن جلب الماء، كقرية "عماعمة" مثلا.

"مريم صالح علي" 50 عاما يمنية من قرية "الجراجر"، تروي قصتها: "منذُ بداية الفجر وأنا أتنقل من بئر الى بئر أخرى علّي أحصل على كمية قليلة من الماء، ونعود في غالب الأيام منكسري القلب خالي الوفاض"، وتضيف متعجبة مستنكرة: "نحن ندفع قيمة الديزل "2000" ريال يمني لأجل الحصول على عشرين لتر من الماء"

كذلك "فاطمة صالح ناصر" و"فاطمة سعيد محمد"، فاليمنيون يبحثون عن الحُرية والعدالة والماء، إنها لتضحيات جسيمة تقدمها المرأة اليمنية إلى جانب بقية الظروف الأمنية والمعيشية الصعبة.

أزمة المياه تهدد الثروة الحيوانية

الحرب أهلكت الحرث والنسل، ولم تبق ولم تذر، فليس الإنسان وحده من يقاسي معاناة أزمة المياه، حتى الحيوانات لم تسلم، فالدواب منها وُجدت لتعيننا في رفع الأحمال وقيادة العربات، فإذا بها تريد من يعينها بعدما أنهكها الجوع وأتعبتها المسافات الطويلة والحر الشديد، وبلغ منها الظمأ ما بلغ، أجساد هزيلة، شعاب مقفرة، وأرض قاحلة، وجبال شاهقة، رافقها فقر مدقع، وأمراض وأوبئة.

حتى دخلنا مع الحيوان صراع الغاب، فيرى البعض أن ما قد تشربه الحمير، فيه نجاة لأطفال صغار وعجائز يقاسون العطش والوهن.

غياب الحكومة والمنظمات

أين الحكومة؟ هو السؤال الذي صداه يتردد في ألسنة صفوف الواقفين الطويلة تحت الشمس، وفي حديث السائرين في المسافات الطويلة، فمنذُ بداية الحرب على اليمن في 2015 ، ومديرية ماوية تعيش تحت سيطرة كاملة وحصار شامل من قبل الحوثيين، لم تتمكن الحكومة الشرعية ولا المنظمات الدولية أن تجد لها موطن قدم، سوى في مشاريع خدمية أو إغاثية.

وعند سؤالنا، أجاب مدير عام مديرية ماوية أ. " عبدالجبار الصراري" : "ماوية لا يوجد فيها مشروع واحد حكومي أو أهلي يعمل على توفير المياه للمواطنين".

فالمواطن يموت فيها إما في دروب البحث عن الماء، أو من الأمراض، ثم أشار: " أن منظمة (اكسفام) حاولت القيام بمعالجة هذه الظاهرة لكنها لم تف بالغرض ولم تستكمل المشاريع السبعة التي اشتغلت عليها وهم (مشروع اشجور والشميرة، والباشه وعزلة إصرار، والهجر إصرار، كلها متعثرة باستثناء الأخير الذي تم إعادة تأهيله من المنظمة بـ30 الف دولار، ولم يتم تشغيلة إلى الان، كما حال مشروع هميريم عزلة إصرار، واساوده، ومركز المديرية، وباهر وخدير الريهي، كلها موقوفة ومتعثرة، وأما سد الدموم " فهو تحت سيطرة نافذين ولا يمكن الاستفادة منه لصالح المواطنين.

انقطاع الأمطار وغياب المؤسسات 

لعل أبرز  الأسباب في ظهور أزمة المياه يعود  لانقطاع الأمطار منذ العام الماضي، وجفاف المناهل الطبيعية التي كانت تتغذى من الأمطار والسيول، كذلك انقطاع الوقود نهائيا في أغلب الأيام عن المنطقة وتواجده لدى التجار الذي يبْرعون في استغلال حاجة الناس في السوق السوداء بأسعار مرتفعة، لا يستطيع البسطاء شراءها ولا حتى إظهار شيء من الاحتجاج لوجود المليشيات وقمعها واستبدادها.

انتشار الأوبئة والأمراض

"الكوليرا" الاسم بحد ذاته مرعب، وهو عبر فتكه بالآلاف إلا أن حقيقة نشأته هو شح المياه المسبب في تراكم الجراثيم والأوساخ، إضافة  لسوء التغذية عند الأطفال، كل هذه العوامل جعلت أهالي هذه القرى يعيشون البؤس، والحرمان بجميع تفاصيله وأشكاله، منتظرين وقفات من أهل الخير والمنظمات الإنسانية وفاعلين المعروف.