العلوم الإنسانية وتصوراتنا المغلوطة!

نشر بتاريخ : 24 سبتمبر 2019

العلوم الإنسانية وتصوراتنا المغلوطة!

" عندما كنتُ تلميذًا كنتُ ضعيفًا جدًا في الموادِ العلمية، لكني في المقابلِ كنتُ متفوقًا جدًا في كتابةِ الإنشاء بالفرنسيةِ والعربية، لم يكنْ لديَّ من خيارٍ سوى الكتابة!

كانَ هذا جزء من جوابِ أديبِ المغرب عبد الفتاح كيليطو، حينَ سُئلَ عن كتبه النَّقدية، وحياته الإبداعية التي كرَّسها لمقاربةِ الثقافةِ العربية الكلاسيكية على ضوءِ مناهج نقديةٍ حديثة، مستفيدًا من الفلسفةِ الغربيةِ وآلياتِ البلاغةِ العربية القديمة، ومعارف التراث العربي القديم والحديث.

لم يكنْ كيليطو مجيدًا للموادِ العلمية (التجريبية)، في الوقتِ الذي كانَ المجتمع، ولا زال، يقضي بازدراءِ الطالب الذي يحيدُ عن دراسةِ التخصصاتِ العلمية، ويحكم عليه بـ الفشل، ولا سبيلَ له إلا بدراسةِ القسمِ العلمي، وإن لم يكنْ مطيقًا أو متقبلًا له، المهم، أن يسلمَ من لسانِ المجتمع، وثقافته الجمعية التي قضتْ بذلك. لتُرفَع عنه سُبَّة الجهلِ والفشل!

ولهذا، نجد أن كيليطو أحسَّ بخطورةِ أن يتجه للأدبِ بلسانَيْه العربيِّ والفرنسي، بسببِ النظرةِ الحادة التي يُرمى بها من اتجه صوبَ التخصصاتِ الإنسانيةِ الأدبية، فيقول: " فدراسةُ الأدب كانتْ بالنسبةِ إلى جمهورٍ عريض بمثابةِ نشاطٍ كسول، مشوش، يليقُ فقط بالحالمينَ الذين لا موهبةَ لديهم في الموادِ الجدية، هذه النظرة لم تتغيرْ حتى اليوم". ولك أن تستشعرَ المرارة التي تنبعثُ من كلماته؛ جراءَ القصور في فهمِ ومكانةِ وحقيقةِ العلومِ الإنسانية!

إنَّ ما لا تعرفه مجتمعاتنا؛ أنَّ العلوم الإنسانية(علم الاقتصاد، والنفس، والآثار. وعلم الأخلاق، والدراسات الدينية وكل ما يتعلق بالأديانِ المختلفة. النَّقد والأدب، وهذا يشمل اللغات بأنواعها الكلاسيكية والحديثة. وثقافات الشعوب الإقليمية. علم الأنثروبولوجي. نظريات الفن وتاريخه. الدراسات الفلسفية. التاريخ. علم الاجتماع وما يتعلق به من نظرياتٍ عديدة)، ترتبطُ ارتباطًا جذريًا بصناعةِ الإنسان، ومعرفته وثقافته، والأساليب الأساسية التحليلية المستمدة من تقديرِ القيم التي يعتنقها، ومن هنا تكمنُ أهمية هذه التخصصاتِ المهمَّشة في واقعِ أمتنا. ونتيجةَ تركها وازدرائها؛ أضعفَ قدرتنا على فهمِ الظواهرِ الإنسانية، والتغيرات الاجتماعية؛ لأننا ببساطةٍ تخلينا عن الطريقةِ والنهج والفلسفة التي تسعى إلى فهمِ التجاربِ الإنسانيةِ من كافةِ نواحيها الثقافية، والإنسانية، والتاريخية، والروحانية، والشخصية، والسياسية!

إنَّ فهم الظاهرة الإنسانية معقدٌ جدًا، والبحث فيه من أعقدِ أنواع البحوث، والتصور القائم لدى القائمينَ على مفاصلِ التعليم في بلداننا العربية؛ أنها مواد لا تستحقُّ أن يلجها إلا من قصُرتْ به الهمم أن يكونَ مهندسًا أو طبيبًا، فيُدفع بالأضعفِ استيعابًا وفهمًا، وتصورًا، ليسدَّ الفراغ القائم في مدرجاتِ الكلياتِ الإنسانية، ليخرجَ لنا حملة شهادةٍ لا يعرفونَ من العلومِ الاجتماعية والإنسانية والنفسية والفلسفية إلا تلكمُ الملازم الممسوخة التي توزعُ قبيلَ الاختبارت بأيامٍ قليلة؛ تصورٌ خاطئ، وفيه جناية على مسالكِ العلوم الإنسانية. فهي ليست بالسهولةِ التي يتمُّ إظهارها، وليستْ بالسطحية التي نراها في جامعاتنا، بل هي أعقد وأوسع، وبحاجةٍ إلى قدراتٍ ذهنية تحليلية راسخة.

الجدير بالاهتمام، أنَّ أمتنا من أحقِّ الأمم لتكونَ رائدةً في العلومِ الإنسانية بفروعها المتعددة، لأنها تتكئُ على مرجعيةٍ كبرى، تدعمُ هذا المسلك، فتوجيهات النصِّ القرآني؛ واضحة في إعمالِ النَّظر في آياتِ الإنسانِ والكون، والتأمل في مصائرِ البشر، و تقلباتِ الدول والممالك، وفهم الظواهر الإنسانية المختلفة. وأممُ الأرض تسعى لاكتشافِ هذه القوانين قبلَ غيرها، فالتحكمُ بالإنسان، وفهمه، تحكمٌ في مصائرِ الأمم والشعوب، فتغيير الأفكار، وتشكيلِ العقلِ الجمعي، ورسم خارطة المجتمعات نحو المستقبل، كل ذلكَ متعلقٌ بمصيرِ الأمم. كما أنهم يدركونَ أنَّ المنشغلينَ بالعلوم الإنسانية والاجتماعيةِ منها على وجه الخصوص؛ همُ الأقدر على وضعِ الإنجازاتِ المادية للحضارة في سياقها الطبيعي، والحفاظ عليها من تداعياتِ العوالمِ الأخرى السياسيةِ والاجتماعية.

وما يجب أن نعيه جيدًا، أنَّ العلوم المتعلقة بالإنسان ليست للترفِ، وإنما هي أدوات في الصراع، و الأمم التي تتخلفُ فيها، تتخلفُ على كلِّ المستويات، وتهزم في صراعاتِ الحياة، القائمة على فهمِ السنن!

كما إنها تُساعد في فهمِ الحياة أكثر من جميعِ جوانبها، إذ أنها تُبينُ للأشخاص جميع الأمور المتعلقة بحياتهم والطريقة المثلى لفهمِ الأشياء، وتُوضحُ لهم الأبعاد الفلسفية التي من خلالها يستطيعون الوصول إلى أهدافهم بشكلٍ أسرع. كما إنها تسهمُ في إعادة فتح الحوار بين الفلسفة والعلم والأدب، بشرط أن تكون العلوم الإنسانية تأملية وتفسيرية لا نصوصًا تُحفظُ وتودعُ في ورقةِ الامتحان، ثم تُنسى!