الصراع في اليمن: الثابت والمتغير (2014 - 2018)

إعداد: أ.د عبد الباقي شمسان

نشر بتاريخ : 6 نوفمبر 2018

الصراع في اليمن: الثابت والمتغير (2014 - 2018)

في هذه الورقة سنحاول مقاربة الصراع في الفضاء الجغرافي والسياسي اليمني، ورهانات كل القوى المحلية، والإقليمية، والدولية، ونعتقد أن إطالة أمد الحرب وتأجيل استعادة محافظة تعز، يخدم مصالح كل أطراف الصراع ما عدا الجماهير اليمنية وجزء من السلطة الشرعية -هناك جزء من السلطة مستفيد -فالحوثيون ومن خلفهم إيران يَرَوْن:

أن استمرار الحرب يحقق عدداً من الأهداف، منها تذويب قطاعات صالح العسكرية، والأمنية وجزء من الجماهير المؤيدة له عقائديا أو نفعيا أو جبريا في سياق المشروع الحوثي، وتزامنا مع تهيئة كل الشروط لتصفية الحليف صالح والاستفراد بالمجال والقرار.

تصفية الحليف علي عبد الله صالح تعني عمليا انفراد الحوثيين بالمجال الجغرافي والمؤسسي الخاضع للجماعة الانقلابية، وهذا يوجد حالة موضوعية تعتبر الحوثيين سلطة واقعية منفردة -فاعل غير الدولة في الجغرافية المهيمن عليها، حيث سترث منفردة المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، والموارد وتدير الحياة اليومية في ذلك المجال كسلطة واقعية.

إن استمرار الاحتراب يضعف رمزيا وعمليا دول التحالف العربي، ويمنح فائضاً رمزياً وواقعياً للحوثيين باعتبارهم قوى لا يمكن اقتلاعها عسكريا، وهذا يفرض واقعيا التعامل مع مع جماعة الحوثيين كطرف رئيس، علاوة عن رفع معنويات الجماهير المؤيدة لها وتماسكها وخضوع الجماهير المناوئة لها جبريا. وبالمقابل دول التحالف العربي، لها استراتيجية مغايرة مع تلك الأهداف المعلنة في بيانها الأول عند تدخلها العسكري من خلال عاصفة الحزم ومن ثم إعادة الأمل (مارس ٢٠١٤ ). لقد تدخلت دول التحالف لإنهاء الانقلاب وإعادة السلطة الشرعية، إلا أنها اتبعت إجراءات وسياسات مخرجاتها لا تحقق ذلك، حيث عمدت الى إضعاف السلطة الشرعية وإبقائها خارج الجغرافية الوطنية اليمنية المستعادة، وتأجيل الحسم العسكري، بعبارة أخرى لم تمكن دول التحالف العربي السلطة الشرعية من ممارسة حقها الأصيل في ممارسة السيادة وإدارة الشأن العام، حيث عمدت إلى تأثيث جماعات بديلة لها في المناطق الجنوبية وتحديدا في العاصمة المؤقتة، تتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي والمليشيات العسكرية والأمنية - الأحزمة الأمنية والنخب المناطقية: الحضرمية والشبوانية ..الخ، الموالية لها وتحديدا هنا لدولة الامارات.

إنها عمليات وإجراءات هدفها وأد عدن كعاصمة مؤقتة من خلال كل ما سبق، إضافة الى تحفيز وتعميم مزاج شعبي طارد لكل ما هو وحدوي أو سلطة شرعية.

إن ما تقدم يصرح ان استراتيجية دول التحالف غير المعلنة تتمثل في تقسيم اليمن الى ثنائية شمال وجنوب، بما يمكنها من السيطرة على المجالات الاستراتيجية والاستثمارية في لحظة غياب الدولة ومؤسساتها، علاوة على إضعاف القوى الوطنية وقوى التغيير وتصعيد قوى موالية ونفعية. إن تحقيق تلك الاستراتيجية -المتمثّلة بإعادة تشكيل الجغرافية اليمنية في ثنائية هوية وطنية شمال وجنوب، وإضعاف القوى المتموضعة مع مخرجات الحوار الوطني واليمن الفيدرالي وفِي مقدمتها القوى التي قادت ثورة فبراير 2011، تطلب تأجيل استعادة محافظة تعز رغم أهميتها الوطنية والرمزية والاستراتيجية والديموغرافية، الأمر الذي فرض جملة من الأسئلة من قبل النخب اليمنية والمهتمين بالشأن اليمني، لم تجد لها إجابات من قبل دول التحالف العربي. ونستطيع المساهمة في الإجابة، حيث تعد محافظة تعز الحامل الجماهيري للمشروع اليمني الجمهوري ومتعدد الأقاليم، والحاضنة المجتمعية لقوى التغيير والتحديث، كما تعد وفقا لأطروحات دول التحالف القاعدة الجماهيرية لحركة الإخوان المسلمين -المتمثّلة بالتجمع اليمني للإصلاح -المستهدفة من قبل دول التحالف وبصفة أكيدة وملحة الامارات العربية المتحدة، وتلك الأطروحة تفتقر للمصداقية فهي ذريعة لتحقيق الأهداف غير المعلنة لها، ولابد أن نشير هنا الى عوامل أخرى تتمثل بالموقع الجغرافي والتمازج المجتمعي بين محافظة تعز والمناطق الجنوبية لعبت دورا كبيرا في تأجيل استعادتها، قبيل تأثيث المناطق الجنوبية بما يمكنها من إدارة المؤسسات والحياة اليومية للمواطنين، وعندها يتم إعلان استقلالها عن الشمال اليمني، وقبل هذه الخطوة من المفترض أن تكون جغرافية المحافظة مجالا صراعيا على شاكلة الموصل أو حلب، يتم فيها استنزاف كل الجماعات: التجمع اليمني للإصلاح، الحوثيون، الجماعات المذهبية الأخرى والجماعات المؤيدة للرئيس السابق علي عبد الله صالح والجماعات الموالية للسلطة الشرعية ومخرجات الحوار الوطني، وسوف تتداخل هوية الصراع مذهبيا سنة و "وشيعة"، ملكيين وجمهوريين، وإخوان مسلمين وأحزابا سياسية متقاطعة معها..الخ.  إنه صراع بين جماعات شمالية في جغرافية شمالية، وبناء على ما تقدم تفترض هذه الورقة:

  • أن حصار محافظة تعز وتأجيل استعادتها كاملة هدفه استعادة الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب قبل عام 1990م جغرافيا، وطرد أبناء المناطق الشمالية من المناطق الجنوبية بإجراءات قصدية تجد لها قبولا شعبيا بفعل تحفيز وتعميم المزاج الشعبي الانفصالي، وكل ما تقدم لا يفصل جغرافيا فحسب؛ بل مجتمعيا ونفسيا..الخ.
  • تهيئة المدينة كحقل صراع لاستنزاف القوى، بما يفضي الى وضعية تقبل فيها كل الأطراف تسوية هشة، توقف الاحتراب مؤقتا. ولاختبار الفرضيات آنفة الذكر، سوف نتتبع السياسات والاجراءات التي اتخذتها دول التحالف منذ انطلاق عاصفة الحزم 2014 حتى يومنا هذا نوفمبر 2018، حيث نعتقد أنها سياسات ثابتة تجاه القطاع المنفصل محافظة تعز، وعليه حافظت الورقة على مفردتي تحالف صالح الحوثي، رغم تخلص الأخير من الاول، استجابة لهدف الدراسة ومنهاجها التتبعي للحالة المدروسة محافظة تعز كثابت وليس متغيراً.
  • احتلت مدينة تعز المحاصرة مساحة تغطية واسعة في وسائل الاعلام والتقارير الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية، وقد صاغ تأخر رفع الحصار عنها واستعادتها من تحت نفوذ تحالف الحوثي ـ صالح ـ بعد ما يقارب ثلاث سنوات من انقلاب 21 سبتمبر 2014 وانطلاق عمليات عاصفة الحزم في 26 مارس 2015ـ جملة من الأسئلة لدى المختصين والمهتمين تماما كما هو الحال لدى العامة وتعاد تلك الأسئلة بشكل تكراري مع كل حدث تشهده المدينة ويمكننا تجميع المسوغات الباعثة في عدد من الاستفسارات الرئيسية:

* شدة الحصار وطول مدته وأثره المحدث مجتمعيا .

* قدرات دول التحالف العربي مقارنة بتلك التي لدى تحالف الحوثي ـ صالح.

* محدودية الدعم المقدم من قبل دول التحالف العربي للمؤسسة الأمنية والعسكرية الشرعية بالمعدات المتوسطة والثقيلة، والذخيرة الكافية للأسلحة الخفيفة، وكذا تقديم الدعم اللوجستي الكافي لتحقيق الأهداف.

* امتناع الشخصيات الرسمية المخولة بالتصريح من قبل دول التحالف تقديم تفسير لتأخير استعادة المدينة، وتجاهل الأطروحات والأصوات المطالبة بذلك.

* إيجاد جماعات عقائدية (السلفية المدخلية) وحزبية ورموز مجتمعية منفصلة عن مجال السلطة الشرعية ومرتبطة بالأجندة الإماراتية، حيث يقدم لها الدعم المادي والعتاد العسكري بما يحسن مواقعها في ميزان القوى في حقل الصراع السياسي والعسكري.

لقد اتخذت هذه الورقة محافظة تعز كحقل اختبار لتلك السياسات المتبعة من قبل دول التحالف، اعتقادا منا على أن مدينة تعز حقلا منفصلا للصراع، ذات علاقة بمخرجات استراتيجية الصراع المتبعة من قبل الأطراف المتصارعة المحلية والإقليمية، بعبارة أخرى استعادة مدينة تعز لن يؤدي إلى تغيير ميزان القوى في الحقل والسياسي والعسكري فحسب، بل سوف يوفر فائض قيمة وطني وديمغرافي وحامل جماهيري لاستعادة الدولة اليمنية الجمهورية متعددة الأقاليم، كما سيسرع استعادة مؤسسات الدولة وجغرافيتها المتبقية، وإعاقة تحقيق ذلك نقطة التقاء مشتركة بين أطراف الصراع على المستوى المحلي والإقليمي، كما سنأتي على ذلك لاحقا.

إن أهمية تعز الاستراتيجية والديموغرافية والوطنية من حيث الرساميل الوطنية والثقافية والاستعداد الجماهيري للاتساق مع الشرعية واستعادة/ والحفاظ على الدولة اليمنية متعددة الاقاليم، وفقا لمخرجات الحوار الوطني، ومن خلال المتابعة ودربة الاهتمام بالمجال محل الدرس افترضنا أن:

  • دول التحالف العربي وتحالف الحوثي ـ صالح تشتركان في حصار تعز وتفترقان بالأهداف ؟

ولاختبار الفرضية آنفة الذكر سنحاول تجميع واعادة تركيب عدد من الاحداث والاجراءات والتصاريح بهيئة تراكمية تجيب جملتها عن تلك الأسئلة وتختبر الفرضية.

أولا: الموقع والخصائص الديموغرافية والجيو ـ استراتيجية:

* الموقع: تقع في الجزء الجنوبي من العاصمة صنعاء ويحدها من الغرب البحر الاحمر (حيث تسيطر على مضيق باب المندب)

* المساحة: تبلغ مساحتها (10462 كم مربع)

* التقسيم الإداري: تضم المدينة 23 مديرية وتعتبر مدينة تعز مركز المحافظة وعاصمتها الإدارية.

* المكانة الاقتصادية: تنتمي لها أكبر البيوت التجارية والاقتصادية.

* الجيو - استراتيجية: تعتبر العمود الاقوى والرابط بين المناطق الشمالية والجنوبية وخاصة مدينة عدن، وتسيطر على 1000 كم مربع على ساحل البحر الاحمر، ويقع في تلك المساحة مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي من خلاله يمكن التأثير على سير الملاحة الدولية في حال استخدام الأسلحة المتوسطة فقط من تلك الشواطئ.

* عدد السكان: تشير احصائيات التعداد السكاني لعام 2004 بأن عدد سكان المحافظة (2393425) نسمة بنسبة 12.2 % من سكان الجمهورية، وهي بذلك تحتل المرتبة الاولى ويقدر عدد سكانها حاليا بـ: 3100000 نسمة، منهم 51 % إناث، ونعتقد أن تعداد سكان المحافظة أكثر من ذلك الرقم الرسمي الذي استند إليه التقدير الحالي، حيث عمد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح على التلاعب بأرقام تعداد المحافظة بهدف تقليص تمثيلها في مجلس النواب، فقد كانت تمنح المحافظات عددا من الدوائر الانتخابية وفقا لتعدادها السكاني.

ثانيا: تعز في الذاكرة الجمعية:

تحتل المدينة رأسمال وطني وسياسي وثقافي في الذاكرة الجمعية الوطنية، بفعل ارتباطها بالحركة الوطنية و التحديثية، فهي فضاء نشأة الاحزاب السياسية وجغرافية انتماء قادتها. منذ المقدمات الاولى لنشأة الدولة اليمنية الحديثة عام1962 (شمالا) و1967 (جنوبا)، فتلك الفترة وفرت ثنائية مجالية لتلك النخب والسكان للحركة والوجود و النشاط التجاري والسياسي و الاهلي و الوطني، حيث كانت مدينة عدن جاذبة لأبناء المحافظة و استقر فيها العديد حيث شاركوا في الحركة الوطنية التحررية من الاستعمار البريطاني (1839 ــ 1967) و تولوا في المراحل اللاحقة مناصب عليا قيادية في الحزب و الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوبا)، كما لعبوا نفس الدور في الحركة الوطنية ضد الحكم الامامي اللاهوتي في المناطق الشمالية، حتى القضاء على الإمامة والتأسيس على أنقاضها الجمهورية العربية اليمنية (شمالا)، واستمرت مساهمة ابنائها شمالا وجنوبا في مختلف المراحل الوطنية والتنموية والوطنية والتحديثية، كما ساهمت نخبتها التجارية في تمويل الحركة الوطنية في كامل الجغرافيا الوطنية اليمنية دون تمييز أو فصل للنشاط حسب المجال الجغرافي.

إن موقع المحافظة وفعاليات وتعدد ابنائها ساهم في توحيد العمل السياسي والحزبي في الجغرافية الوطنية، حيث كانت الاحزاب السياسية القومية والشيوعية تؤسس لها فرعين شمالا وجنوبا، ليس لانقسامها وإنما لتقسيم النشاط حسب بيئات الاشتغال المختلفة، ولكنها تعقد بعض اجتماعات قيادات الاحزاب والحركة الوطنية في المناطق المتاخمة للمناطق الجنوبية، فضلا عن تدريب أفراد المقاومة في جغرافية المحافظة، وبالمقابل كانت النخبة السياسية المناوئة للحكم الامامي من تعز و بقية المناطق الشمالية تهرب الى مدينة عدن، خوفا من بطش النظام الامامي، وأسست هناك أي في عدن النواة الاولى للمؤسسات الأهلية و الوطنية، واصدرت الصحف، ولم تقتصر هجرة أبنائها نحو عدن بل انتشروا في كامل الجغرافية الوطنية فلا تكاد تجد قرية الا و تجد فيها شخصا من ابناء تعز مدرسا أو مهندسا أو طبيبا او حرفيا او بائعا متجولا أو عامل بناء حتى يومنا هذا.

وبالعودة الى خصائص سكان المدينة نستطيع القول انها مدينة ذات طابع مدني بامتياز، وسكانها لا يميلون لحمل السلاح، بل تعد المحافظة القاعدة التنموية والاقتصادية، أما على المستوى التعليمي فإنها تعد أكثر المدن التحاقا بالتعليم وعدد الخريجين وأدنى نسبة أمية، واخيرا تمتاز بضعف العصبية القبلية والمناطقية حد الاختفاء بفعل عمليات التحديث والتنمية وانتشار ابنائها بالمهجر.

إن كل ما تقدم اوجد لدى ابنائها بالقوة والفعل انتماء يتجاوز الجغرافية المناطقية وجذر قيم ومبادئ الجمهورية والمواطنة المتساوية، وجعل منها الحامل الجماهيري المساند للشرعية والجمهورية متعددة الأقاليم.

إن الخصائص المجتمعية آنفة الذكر هي ذاتها التي أوجدت اسباب حصارها من قبل دول التحالف العربي وتحالف الحوثي - صالح كما سنأتي الى ذلك.

ثالثا: تعز فضاء تحت الرقابة الدائمة (المدينة اللغم)

كان الرئيس السابق علي عبد الله صالح يردد في لقاءاته بشكل شبه دائم إن مدينة تعز مثل اللغم إذا رفعت قدمك عنه انفجر عليك، وذلك بفعل دورها في كل المراحل الوطنية، وبصفة خاصة في ثورتي:26 سبتمبر1962 ضد الحكم الإمامي، وإعلان الجمهورية العربية اليمنية (شمالا) وثورة 14 اكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني، وإعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوبا)، ومؤخرا المساهمة الفعالة في الثورة الشبابية الشعبية في 11 فبراير 2011، حيث انبثقت اول الساحات الاحتجاجية من جغرافيتها ضد نظام صالح.

لقد ترجم الرئيس السابق علي عبد الله صالح تلك المقولة عمليا أثناء فترة حكمه ـ وما بعدها ـ، فقد حاصرها بـ 11 لواء عسكريا، اضافة الى القوات الخاصة و الشرطة العسكرية و الأجهزة الاستخباراتية، وعين على رأسها قيادات موالية طيلة فترة حكمه، كما عمل على تقويض البيئة الاستثمارية من خلال إعاقة اقامة المشاريع الاستراتيجية من مياه وكهرباء، و خدمات صحية، علاوة على تعطيل ميناء المخا التاريخي، ومشروع تحلية المياه للمدينة، حيث كانت تنتظر فيها الأسر حصتها من المياه مرة كل شهر او شهرين ، أما الكهرباء فالانقطاع يطول لساعات طويلة و متكررة، وعلى هذا المنوال تقاس بقية الخدمات، و في نفس السياق فقد عمد الى إضعافها، من خلال اضعاف البيوت التجارية التاريخية لها، وإحلال بديل عنها منظومة من الموالين والشركاء له من ابناء مناطق شمال الشمال، وتقاسم معهم المنافع والارباح، واعفاهم من الالتزامات الجمركية او التنافسية عند التقدم للمناقصات، الامر الذي جعل من منافستها أي تلك الشركات والمؤسسات الناشئة امرا ضعيف الاحتمال، أما ما يتعلق في مجال الالتحاق بالمؤسسة العسكرية والأمنية و الاستخباراتية فقد قلص حد الاختفاء فرص التجنيد، باستثناء اعداد ضئيلة ومن أسر محدودة جدا و موالية له.

ففي عهده تحولت مناطق التجنيد ونسب تمثيلها حيث حصرها في مناطق وقبائل شمال الشمال، فعلى سبيل المثال وليس الحصر ينتمي، وفقا لتقديرات شخصيات عسكرية مطلعة، 95 ألفا بين جندي وضابط لمدينة مثل ذمار بينما تعز لا يزيد عدد المنتمين من ابنائها الى تلك المؤسسات العسكرية والأمنية عن 4 آلاف شخص، وبالمثل بقية المحافظات ذات التطلع السياسي في المناطق الجنوبية.

وإذا ما تساءلنا عن حصار المدينة بواسطة القطاعات العسكرية الأمنية والمليشيات الحوثية إثر انقلاب الحوثي - صالح في 21 سبتمبر 2014، فالجواب يأتي أن المدينة محاصرة من الجانب الشرقي والغربي بواسطة القطاعات الموالية له وتم الاضافة إليها مليشيات موالية للحوثي وتتمثل تلك القوات في كل من اللواء 35 مدرع، اللواء 22 " حرس الجمهوري "، اللواء170 دفاع جوي، اللواء 17 مشاة الموالي للحوثيين، قوات النجدة والامن العام، أجهزة المخابرات المساندة، مجاميع مليشياوية عقائدية وافدة من مناطق شمال الشمال.

وقدر مصدر مطلع أن تعداد تلك القوات يتجاوز 20 ألفا بكامل عتادهم من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

وبناء على ما تقدم ينبثق سؤال: ما هي الأهمية التي تحتلها المدينة لدى تحالف الحوثي – صالح؟ وعليه نجيب بالقول إن هناك اسبابا ذاتية واخرى موضوعية:

1ـ الذاتية: هناك ثأر وانتقام من المحافظة وابنائها لدورها في ثورتي 26 سبتمبر 1962 ضد الحكم الامامي الذي يعد الحوثيون امتدادا سلاليا له وثورة مضادة لها، وكذلك الثورة الشعبية ضد الحكم العائلي للرئيس السابق علي عبد الله صالح والتي ادت الى ازاحته من رأس الحكم رسميا.

2ـ الموضوعي:

- فقدان جغرافية المحافظة الاستراتيجية يضعف الموقف التفاوضي والوجودي لهما الحوثي ـ صالح) كطرفين رئيسيين من أطراف النزاع وفق مرجعيات التسوية الإقليمية والدولية.

- استعادة المدينة من قبل السلطة الشرعية ودول التحالف يوفر فائض قيمة معنوية لدى ابناء المدينة ويمتد تأثيره الى بقية المناطق الواقعة تحت نفوذ حليفي الانقلاب، مما يؤدي الى تحفيزها للمقاومة، واعلان مساندتها للسلطة الشرعية، بعبارة اخرى إخضاع مدينة تعز واستمرار حصارها يخفض من استعدادات بقية المناطق للمقاومة ومساندة الشرعية.

- بقاؤهما العسكري والمليشياوي على مقربة من المناطق الجنوبية، يشكل تهديدا دائما للأخيرة ويعيق في نفس الوقت تقدم الجيش الوطني والمقاومة الشعبية من محافظة تعز والمناطق الجنوبية باتجاه العاصمة صنعاء مرورا بالمناطق والمحافظات الواقعة بينهما.

- استعادة المدينة سيؤدي الى التدفق الديموغرافي من قبل أبناء المنطقة تجاه بقية الجبهات العسكرية ومعسكرات التدريب لتحرير بقية المناطق، وهذا ما يجعل من انهاء الانقلاب واستعادة الدولة امرا محتوما، كما ان السيطرة والبقاء في المنطقة الغربية والساحل الغربي يوفر بيئة لتهريب الأسلحة والمؤن، علاوة على تهديد الملاحة الدولية، بما يجبر دول التحالف العربي على الذهاب نحو تسوية قبل تحقيق الاهداف المعلنة لها تحت الضغط الدولي.

- البقاء في المناطق الشرقية والغربية يوفر من المداخيل الضريبية المتأتية من المنطقتين الصناعيتين شرق وغرب المدينة وحولهما تتمركز قوات تحالف الحوثي - صالح، والتي تقدر بـ 25 مليار ريال يمني، ما يعادل 60 مليون دولار سنويا وفقا لتقديرات محافظ مدينة تعز.

- اعاده ترتيب اولويات وتطلعات ابناء المحافظة بحيث يحتل صدارتها مطلب البقاء والوجود وليس تحرير المدينة واستعادة الدولة.

رابعا: تعز القطاع المنفصل:

اثناء زيارة رئيس هيئة الاركان العامة للجيش الوطني (آنذاك) اللواء محمد علي المقدشي للمواقع العسكرية في جبهات القتال في محافظة مأرب وتخوم صنعاء، سأله مراسل قناة تلفزيونية يمنية: وماذا عن تعز المحاصرة ؟ أجاب على عجل و دون ان يتوقف او يقدم تفسيرا إنها قطاع منفصل، مما احدث ردة فعل شعبية و إعلامية كبيرة تحولت الى قضية رأي عام، مما أجبر ناطقا رسميا في مكتب رئيس هيئة الاركان على الرد: تعز تعد قطاعا منفصلا بالمعنى العسكري الصرف، حيث هناك ثلاث قطاعات عسكرية منفصلة: القطاع الغربي الشمالي، القطاع الجنوبي الغربي، و القطاع الشرقي الشمالي، و كل منها يتبع غرفة عمليات خاصة بالقطاع، نظرا للعامل الجغرافي، و تتبع رئاسة الاركان عملياتيا. الا أننا نعتقد ونؤكد ذلك من خلال مصدر مطلع، ان ذلك التصريح كان بمثابة احتجاج ضمني وفي نفس الوقت رسالة الى قيادة المنطقة الرابعة التي تتبعها تعز، وتشرف عليها تمويلا وتجهيزا الامارات العربية المتحدة، التي أوقفت القوات التابعة لها عند استعادة مدينة عدن وبقية المناطق الجنوبية عند الحدود الفاصلة بين الشمال اليمني وجنوبه (قبل عام1990)، بل لم تقدم الدعم المادي و اللوجستي لقطاعات الجيش و المقاومة لتعز المحاصرة وفقا لتعليمات القيادة الإماراتية، التي تتحرك بناء على استراتيجية معدة لترتيب الجغرافية الوطنية، التي تتطلب جملة من التدخلات و الاجراءات، منها ما يتعلق بالمناطق الجنوبية وأخرى تتعلق بتعز وذلك كما يلي:

1 - عملية السهم الذهبي:

 أعلنت السلطة الشرعية ودول التحالف في14 يوليو 2015 انطلاق عملية السهم الذهبي لتحرير عدن من سيطرة قوات الحوثي - صالح، وتمكنت المقاومة المسنودة بقوات التحالف من تحرير عدن بالكامل في17 يوليو 2015، ولحج في 4 أغسطس 2015، والضالع في الايام الاولى من يونيو 2015، وفي اكتوبر استعادت باب المندب، الا ان القوات المدعومة من دول التحالف توقفت عند الحدود الشطرية الفاصلة بين الشمال والجنوب اليمني عند تلك الحدود التي كانت قائمة قبيل21 مايو 1990.

ومن خلال تتبع الإجراءات المتخذة في المناطق الجنوبية يتبين دون عناء انها ستقود حتما الى فك ارتباط المناطق الجنوبية من خلال اعلان استقلال يعلنه المجلس الانتقالي الجنوبي، بناء على قرار الجمعية الوطنية ــ باعتبارها ممثلة الإرادة الجنوبية ــ التي أسسها المجلس الانتقالي الجنوبي ذاته.

ان ذلك الهدف المتمثل في فك ارتباط المناطق الجنوبية عن الشمالية لا يتوقف عند إضعاف السلطة الشرعية وإحلال المجلس الانتقالي الجنوبي بديلا عنها، او إنشاء وحدات عسكرية موالية للإمارات خارج نفوذ السلطة الشرعية، وكذا السيطرة على الموانئ والمطارات والجزر، بل يتطلب تزامنا حصار مدينة تعز لعزلها عن سياقها الجيو - وطني مع المناطق الجنوبية من جانب اول وتقطيعها جغرافيا وانهاك سكانها من جانب ثان.

2ــ تجزئة تعز وإنهاكها شرط قبْلي لتنفيذ استراتيجية دول التحالف:

لقد أدى الحصار منذ ما يقارب ثلاثة اعوام الى: فصل مناطق شرق المدينة عن غربها، مما اجبر السكان على عبور طرق جبلية وعرة تمتد اكثر من 70 كيلو مترا، و تحتاج اكثر من اربع ساعات الى قطعها، بينما يبلغ الطريق الرابط بين شرق المدينة وغربها ثمانية كيلو مترات فقط، وادى ذلك الحصار الى إلحاق اذى كبير بالسكان، خاصة الاطفال و النساء، و حُرم كثيرون من زيارة عائلاتهم، خوفا من بطش الحوثيين وقوات صالح، الذين أقاموا نقاط تفتيش في مناطق سيطرتهم، علما ان المدينة ظلت في فترة سابقة تعاني من حصار شامل: منع عنها الماء و الغذاء و مواد الإغاثة، مما أجبر مركز الملك سلمان إلى انزال المساعدات الغذائية والدوائية و الإغاثية بواسطة الطيران ، أما على مستوى المنظومة الصحية فلا تعمل الا ثلاث مستشفيات من سبعة وسط شحة دوائية ونقص في عدد الأطباء الذين نزحوا خارج المدينة، ويتزامن ذلك مع توقف العملية التعليمية، بفعل عدم صرف رواتب المدرسين، أو بفعل تحويل المدارس الى ثكنات عسكرية، أو تدميرها. وفي نفس السياق تدهورت الاحوال المعيشية وتوقفت الحياة الاقتصادية بفعل عدم صرف الرواتب لمدة تمتد الى عشرة أشهر ومن ثم يتم صرف مرتب او نصف مرتب وينقطع مرة اخرى لشهور وكذا نفاد مدخرات السكان مما أدى الى توقف الحياة الاقتصادية، واخيرا ما يتعلق بالمقاومة والجيش الوطنية فإنه يتم انهاكه واستنزافه من خلال آلية التمويل والدعم اللوجستي من اجل البقاء وليس الانتصار.

3 - فصل الساحل الغربي عن تعز:

 بناء على ما تم الإشارة إليه في المحور السابق، وتحديدا ما يتعلق بالحصار و فصل المدينة الى منطقة شرقية وغربية بفعل حصار تحالف الحوثي - صالح، تحركت الامارات العربية المتحدة خلف خطوط المنطقة الغربية التي يهيمن عليها الانقلابيون للسيطرة على الساحل الغربي، و تمكنت من السيطرة التدريجية على المواقع الاستراتيجية و المنافذ البحرية، حيث سيطرت إداريا وعسكريا بشكل كامل على مدينة المخا و الساحل الغربي، بما في ذلك مضيق باب المندب، وجزيرة ميون الاستراتيجية، التي أنشأت لها الامارات قاعدة عسكرية دون إعلام السلطة الشرعية تماما، كما حولت ميناء المخا الى قاعدة عسكرية مُنع من دخولها محافظ مدينة تعز عند زيارته محطة الكهرباء في المنطقة من قبل القيادة الإماراتية، وتشير المعلومات الى أن هناك طلبا تقدمت به الامارات للرئيس عبد ربه منصور هادي لاستقطاع عدد من المديريات من محافظة تعز وضمها الى  إقليم عدن، وتتمثل تلك المديريات بـ: المخا، ذباب، موزع، مقبنة، الوازعية. وتتضح استراتيجية الامارات في بعدها الاستثماري في استقطاع الساحل الغربي بهدف السيطرة على السواحل والمنافذ والجزر البحرية في إطار مشروع شركة موانئ دبي.

4 - ثنائية الحصار و" دعشنة " المدينة:

بعد استقطاع الساحل الغربي اصبحت المدينة في حصار من منافذها الرئيسية، الشرقية، و الغربية، حيث الاول منفذها الى عدن وصنعاء، و الثاني الى مينائها البحري المخا و محافظة الحديدة الاستراتيجية، و ذلك ما وضع المدينة في حصار جغرافي و انساني و صحي، مع انقطاع المرتبات ونفاد المدخرات، وركود حد التوقف للحياة الاقتصادية، ويتزامن مع ذلك و هو الاهم الدعم العسكري اللوجستي المحدود او بالاصح الشحيح الذي يحقق استمرار الاحتراب دون تحقيق الانتصار، لارتباط كل ما تقدم بجملة الاهداف غير المعلنة لدول التحالف، وتحديدا دولة الامارات التي تسعى لتحقيقها في البيئة المجتمعية المنهكة و ذلك كما يلي:

أــ استهداف التجمع اليمني للإصلاح:

 من اهم الاهداف والاهتمامات ذات الاولوية للامارات استهداف التجمع اليمني للاصلاح المصنف بأنه تيار اخواني رغم إعلانه الاستقلال عنه، وهو إحدى القوى الرئيسية التي تصدرت مقدمة الحقل السياسي والصراعي إثر" الثورة الشبابية الشعبية11  فبراير2011 في قاعدته الجماهيرية المدنية و السياسية الرئيسية تعز، وتلك القاعدة تشكل الثقل السياسي و الحزبي الى جانب المكون القبلي و العسكري، و تعمل دولة الامارات منذ دخولها الجغرافية اليمنية على فصل الجناح القبلي عنه من خلال التواصل المباشر مع الرموز القبلية، او من خلال دعم قيادة محافظة مأرب، و منها اغلب قيادة المحافظة - المنتمية للتجمع اليمني للإصلاح من خلال فتح قنوات التواصل مع القيادات العليا للإمارات ـ و منها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ـ بما يؤدي ذلك تدريجيا الى فصلها عن مكونها السياسي و تموضعها في تبعية تمويلية جبرية بسبب ضعف السلطة الشرعية، و عدم قدرتها على تلبية المتطلبات التنموية و الحربية و تجزئ الجغرافيا و السلطة الواقعية في صنعاء تحالف الحوثي - صالح - و عدن المجلس الانتقالي الجنوبي، وتزامنا مع ذلك يتم القضاء على الجناح العسكري و المقاوم للتجمع اليمني للإصلاح الموزع و المتواجد في كافة الجبهات في الجغرافيا اليمنية والمقدر بعشرات الآلاف، وذلك من خلال آلية دعم الاحتراب و ليس الانتصار، ونتفق مع وجهات نظر ديفيد هيرست فيما يتعلق بمكانة دور التجمع اليمني للإصلاح "أكبر مجموعة مقاتلة منظمة على الارض ضمن القوات البرية للتحالف في اليمن هي التجمع اليمني للإصلاح، الذي اقل ما توصف به علاقته الحالية مع السعوديين هي أنها متضاربة، ولعل لذلك علاقة بأن شريك ولي العهد محمد بن سلمان المقرب من ولي عهد ابوظبي محمد بن زايد شديد العداء للتجمع اليمني للإصلاح، الذي ينتمي الى الاخوان المسلمين".

وبالعودة الى حصار تعز ومعقل التجمع اليمني للإصلاح فان انهاك المدينة واستنزاف مكون التجمع اليمني للإصلاح يضعف من ممكنات بقائه متربعا على أولوية القوى في الحقل السياسي والعسكري والقبلي عند استعادة مدينة تعز بواسطة العمليات العسكرية او عبر تسوية سياسية.

ب ـ موضعة كتائب أبو العباس: (حماة العقيدة)

تماما كما عمدت دولة الامارات الى دعم التيار السلفي (المدخلي) في الفضاء المجتمعي عقائديا ومليشياويا المعادي لجماعة الاسلام السياسي والسلفية المعتدلة في المناطق الجنوبية بزعامة الشيخ السلفي الموالي للإمارات هاني بن بريك، قدمت الدعم المالي واللوجستي لكتائب حماة العقيدة بقيادة عادل عبده فارع الملقب بأبو العباس - شكل الرجل مجموعة مقاتلة من ابناء المدينة القديمة، وهو سلفي التوجه واحد طلاب مركز دماج السلفي في صعدة، الذين نزحوا ابان الاجتياح الحوثي للمركز مطلع عام2014، وتشير المصادر الى ان هناك اتفاقا بين السعودية والامارات بدعم فصيل " حماة العقيدة " بالسلاح النوعي لتحقيق إضعاف واستنزاف قوات التجمع اليمني للإصلاح والجماعات السلفية المعتدلة، استنادا الى كون الرجل ليس له طموح في السيطرة على الحكم والسلطة، فهو من اصحاب نظرية "ولي الامر" بشكل مغاير عن الفصائل والاحزاب السياسية.

لقد شكلت كتائب حماة العقيدة جدلا واسعا حول علاقتها بالإمارات والسلطة الشرعية، الأمر الذي اجبرها على الانضمام اسميا الى قوائم الجيش الوطني و تحديدا اللواء 35 مدرع، إلا أنها لا تتبع سلطة اللواء، و تتلقى الدعم المالي و السلاح النوعي من مدرعات عسكرية و اسلحة متوسطة بما يحقق لها التفوق النوعي، ولم يعد ذلك الدعم خفيا حيث صرح محافظ تعز بأنها تتلقى الدعم المالي و النوعي و لا تنفذ قرارات المجلس المحلي للمدينة أو قيادة المحور بتعز، إلا بما لا يتعارض مع توجيهات دولة الامارات، وقد شهدت مدينة تعز العديد من المواجهات العسكرية بين الجيش الوطني و المؤسسات الأمنية من ناحية و كتائب حماة العقيدة من ناحية أخرى والتي تسيطر على عدد من المؤسسات الحكومية، علاوة على اقتحامها لادارة الامن و البحث الجنائي لإخراج بعض المحتجزين، وكذا اختطاف عدد من العاملين في تلك المؤسسات، مما دفع باللجنة الأمنية العليا في المحافظة الى اصدار بيان تطالب الحكومة باتخاذ اجراءات قانونية ضد من تسبب في هذه الازمة، وتساءل مدير الامن في تعز في موقع آخر عن دور الامارات التي يفترض أنها تعمل على استعادة الشرعية عبر مساندة قوات الجيش الوطني و المقاومة، واردف قائلا: ان هذه الممارسات توضح دور ابو العباس رجل الامارات في المحافظة، متهما الكتائب بمحاولة تشكيل حزام أمني كما هو الحال في عدن، وهو ما ترفضه كل المكونات السياسية في المحافظة وترفض تشكيل مليشيات خارجة عن تشكيلات الجيش الوطني. وتتأكد وجهة نظر قيادة محافظة تعز من خلال الدعم المتواصل المالي واللوجستي النوعي لكتائب حماة العقيدة، وكذا عملية القصف الجوي على جبل العروس الاستراتيجي خلال شهر نوفمبر2017 الذي استهدف مواقع للجيش الوطني، و اذاعة محلية موالية للشرعية و دول التحالف، واعتبرت الضربة خطأ في الهدف، بينما الهدف حسب اعتقادنا فتح المجال لسيطرة كتائب حماة العقيدة على الموقع الاستراتيجي المطل على المدينة، والذي تتواجد فيه هوائيات الارسال ومدافع حماية المدينة، واذا ما ربطنا ما تقدم بتصنيف" ابو العباس " بالإرهاب من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، وبالتوافق مع دول التحالف فإن كل المؤشرات تدل على ان هناك توجها لتسليم مفاصل المدينة للميليشيات، ومن ثم دعشنتها، لأنها ستدخل في مواجهات مع الجيش الوطني والمقاومة والمؤسسة الأمنية، و ذلك ما يموضع المدينة في مسار مماثل لمدينتي حلب و الموصل، وهذا ما يوفر مسوغات التدخل لمكافحة الإرهاب، ويوفر في نفس الوقت مبررا للاستمرار و البقاء لدولة الامارات في المنافذ والموانئ و الجزر اليمنية، وكذا تهيئة المجلس الانتقالي الجنوبي لإعلان الاستقلال، استنادا الى القرار الصادر عن الجمعية الوطنية التي أنشأها.

ان مدينة تعز تعاني هشاشة الوضع الامني، حيث صرح محافظ المحافظة أن الميزانية التشغيلية للمؤسسة الأمنية 1500 دولار شهريا، فضلا عن افتقارها للآليات والأسلحة، بعبارة اوضح ستكون المدينة فضاء استنزاف لمختلف الفعاليات السياسية والمقاومة والمليشيات، بما في ذلك تلك الموالية لتحالف الحوثي - صالح، التي من المتوجب إبقاؤها بعيدا عن حدود المملكة العربية السعودية.

وتتأكد وجهة نظرنا من تساؤل محافظ تعز" كيف يمكن لنا تحقيق انتصار و نحن ندير المعركة بعشر دبابات عتيقة و منتهية في ساحة قتال شاسعة مقابل مئات الدبابات والعتاد لدى الانقلابيين... إن التوازن مختل، واختتم قوله بأن استعادة المدينة امر ممكن و في المتناول اذا توفرت الإرادة لدى التحالف، واذا ما تخلت إحدى دول التحالف (الامارات) عن اعتقادها بأن تعز تحتضن اكبر تواجد للتجمع اليمني للإصلاح، الامر الذي جعلها تتخذ قرار استمرار الاحتراب دون تحقيق انتصار، ويتفق العديد من الخبراء العسكريين ومنهم مصدر قيادي عالي بأن استعادة المدينة وتحريرها أمر ممكن اذا ما توفرت الإرادة والخطة المحكمة.

خامسا: مواقف أطراف الحصار والوضع الانساني

اذا تتبعنا مواقف الأطراف : تحالف الحوثي -صالح ، السلطة الشرعية ودوّل التحالف العربي ، الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوربية الراعية ، ومنظمة الامم المتحدة ، نلاحظ جلها دون عناء ان جلها استثمرت الحصار وتدهور الوضع الإنساني لتحقيق أهداف سياسية ، وذلك كما يلي :

أــ تحالف الحوثي - صالح:

لقد اتبع تحالف الحوثي صالح استراتيجية المدخل الإنساني لكامل الجغرافية الخاضعة لنفوذه ، حيث عمد إلى تدمير المنظومة الصحية ، وإعاقة وصول المساعدات الانسانية بما في ذلك نهبها ،  والامتناع عن دفع الرواتب لفترات تمتد لعشر أشهر ومن ثم يصرف راتب شهر أو نصف راتب ثم يعود الانقطاع لفترة طويلة وهكذا ، وتزامن مع كل ذلك نهب المدخرات والاموال المودعة في البنك المركزي وكل الوزارات والمؤسسات الإيرادية ،   وكذا تعيين مشرفين في مؤسسات ووزارات الدولة من قبل ما يسمى اللجنة الثورية لإدارتها واستلام المداخيل بما يحول دون توريدها الي خزينة البنك المركزي ، اضافة الى كل ما سبق هناك عمليات تغييب لمظاهر الدولة وتعميم الفوضى ، بما يفقد المجتمع القدرة على المقاومة  والاحتجاج وفقا للقوانين ، وبذلك  تنخفض مطالبة  السياسية نحو الحياتي والوجودي ليس اكثر من جانب ويرتفع الضغط الاخلاقي والسياسي من قبل الحكومات الامريكية والاوروبية والرأي العام  الدولي على السلطة الشرعية ودول التحالف العربي لإيقاف العمليات العسكرية قبيل تحقيق الأهداف ، بعبارة اخري بقاء تحالف الحوثي -صالح  بكامل قوته وعتاده ان لم نقل أكثر قوة ونفوذ وسيطرة .

ب ــ الدول الراعية الغربية والمجتمع الدولي :

اننا  في  هذه الورقة نميز بين المرجعيات الدولية الانسانية ،  ومصالح الدول المهيمنة على صناعة القرار الدولي أو التأثير فيه ، بعبارة اخري  ان المنظمة الدولية تخضع لحد ملحوظ لمصالح البلدان المهيمنة ودائمة العضوية في مجلس الأمن ، وهذا  ما جعل تلك الدول وممثلي الأمم المتحدة بمن فيهم ممثل الأمين العام لليمن ، يستثمرون الوضع الإنساني لتحقيق  أهداف سياسية من خلال الضغط  على السلطة الشرعية ودوّل التحالف العربي لإيقاف العمليات العسكرية ، والذهاب نحو تسوية سياسية قبل / قبيل تحقيق  الأهداف ومنها تقويض قوة تحالف الحوثي -صالح وبصفة خاصة الحوثيين الذراع الإيراني الرابض في خاصرة المملكة العربية السعودية .

ان الضغط الدولي لإيقاف العمليات العسكرية تحت مبرر الوضع الإنساني ، في مستواه الظاهر والمعلن موقف ملتزم اخلاقيا وإنسانيا  وفي طبقاته الدنيا عند الحفر نحوها ، نجد ان هناك أهداف مغايرة ذات ابعاد استراتجية للولايات المتحدة الامريكية والدول الأوربية تتمثل في اعادة ترتيب الفضاء اليمني في سياق ترتيب المنطقة العربية ، وذلك من خلال الاستدعاء الطوعي أو القسري للهويات العقائدية والقومية والمناطقية وتأثيثها لتصبح أطرافا أصيلة في الحقل السياسي والفضاء المجتمعي ، بعبارة اخرى الهدف غير المعلن الحفاظ على الحوثيين وتأصيلهم  في الحقل السياسي ، وهذا ما يفسر التصريحات السابقة والمتزامنة مع تحركات الشخصيات السياسية والأممية الدولية الداعية للذهاب نحو تسوية النزاع سلميا  ، كلما حققت العمليات العسكرية للجيش الوطني ودوّل التحالف  انتصارات تقود نحو استعادة العاصمة  صنعاء وبقية المناطق الاستراتجية ،  ولهذا  نلاحظ بوضوح تغييب  الحديث  عن الانقلاب  او القائم به  وعلاقته بكل ما تبعه من انتهاكات  وتدهور للحياة الانسانية ، ولتأكيد ذلك سوف نذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر بعض مواقف ممثلي الامم المتحدة تجاه تجاوزات تحالف الحوثي - صالح :

        •       تعرض موكب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية استيفن أوبراين لإطلاق النار  على موكبه في 18 فبراير 2017 عند مدخل  مدينة  تعز من قبل تحالف الحوثي - صالح مما أجبره والوفد المر افق له على إلغاء الزيارة الهادفة للاطلاع على اوضاع المدينة المحاصرة منذ ما يقارب ثلاث سنوات ، ولَم يتخذ ممثل الأمين العام أو الامم المتحدة إجراءات ملائمة لذلك الفعل بما يؤدي لرفع الحصار او ممارسة الضغط على تحالف الحوثي - صالح  لتخفيف الانتهاكات والحصار في اضعف الأحوال.

        •       منع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في اليمن اسماعيل ولد الشيخ والوفد المرافق له من الخروج من بوابة مطار صنعاء  من قبل مسلحين  حوثيين تجمعوا  منذ الصباح عند احدى بوابات مطار صنعاء في 22 مايو 2017 ، مِمَّا دفعه نحو الخروج من بوابة اخرى وأثناء مرور الموكب تعرض لإطلاق ناري الا انه تمكن من الوصول الى مكتب الامم المتحدة في صنعاء ، وواصل جدول زيارته  لتحقيق  هدف الزيارة المتمثل بتنشيط عمليات المفاوضات وإبرام هدنة إنسانية ، ولم يتحقق ذلك الهدف ولم يتبعها كذلك  اتخاذ الإجراءات  من قبل الامم المتحدة تجاه  إطلاق النار على ممثل الأمين العام للأمم المتحدة .

        •       عندما  قدم وزير حقوق الانسان ( السلطة الشرعية ) لممثل  الأمين العام للأمم المتحدة اسماعيل ولد الشيخ ، تقارير الانتهاكات لحقوق الانسان  من قبل تحالف الحوثي - صالح. ، رد منوها الى استيعابه لواقع  انتهاكات حقوق الانسان والتى تعتبر احد نتائج الحرب الدائرة حاليا .

ج ــ السلطة الشرعية ودوّل التحالف :

بالرغم من اعلان حكومة الشرعية تعز مدينة منكوبة  في 24 اغسطس 2015 ، الا انها لم تعمل على استعادتها او تخفيف الحصار عليها من خلال الضغط على دول التحالف  لتقديم الدعم بالذخيرة  والمرتبات  والتغطية الجوية لقطاعات الجيش الوطني في المدينة  او حتى الضغط من خلال اعتمادها مقرا لجزء من الحكومة  وذلك ما سيؤدي الى الضغط غير المباشر على دول التحالف لاستعادتها  وكذا رفع معنويات  أبناء المدينة وقطاعاتها العسكرية  لتحقيق انتصارات  بالفائض المعنوى والمتوفر المادي والانساني ، الا ان ذلك لم يحدث ويري محللون سياسيون أن  تراخي قوات الشرعية في مهمة فتح الحصار عن تعز عسكريا يرتبط باستخدام الحصار كورقة ضغط سياسي على طاولة المفاوضات التى تجري بين الحين والآخر بصدد الوصول الى تسوية سياسية وقبل كل محاولة لدفع الأطراف للعودة الى الحوار تحرك قيادة التحالف العربي جبهات تعز عسكريا . ونعتقد ان الأمر يتجاوز المفاوضات السياسية نحو استراتيجية غير معلنة لدول التحالف العربي وتحديد المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات  اللتان تهدفان من بقاء الحصار الى :

        ⁃       الحفاظ على قطاعات صالح العسكرية  بما يحافظ على بقاء التوازن مع الحوثيين في حال حدوث مواجهات بين الحليفين في صنعاء وحسمت لصالح الحوثيين.

        ⁃       بقاء تلك القطاعات العسكرية والمليشاوية الموالية لتحالف الحوثي -صالح بعيد عن حدود المملكة العربية السعودية.

        ⁃       بقاء المناطق الجنوبية منفصلة عن امتدادها  الوحدوي ، حتى يتم  تأثيثها وتدريبها على ادارة شؤونها  بأستقلال عن السلطة الشرعية  والسلطة الواقعية في صنعاء وهذا يستوجب انشاء احلال سلطة بديلة عن الشرعية تتمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي بعبارة اخري هناك عمليات قصدية هدفها فصل المناطق الجنوبية عن المناطق الشمالية والعودة الى ما قبل الدولة الموحدة المعلنة عام 1990م.

وبناء على ما تقدم يمكننا القول ان الحصار والوضع الإنساني يتم استثماره لتحقيق أهداف سياسية من قبل كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية..

الخلاصة.

إن الموقع الجغرافي للمدينة الواقعة جنوب الشمال والمتسقة جغرافيا مع المناطق الجنوبية (اليمن الجنوبي سابقا) قد وفر لها فرص الهجرة نحو المناطق الجنوبية والاستقرار فيها والامتزاج في نسيجها المجتمعي والوطني والاقتصادي منذ المرحلة الاستعمارية (1839 – 1967) وما بعدها حتى يومنا هذا، وساهم مستوى التعليم والالتحاق به، والوعي السياسي، ومهارة الأيادي العاملة، والنشاط التجاري لأبنائها في الهيمنة والحضور المؤثر في مختلف تلك القطاعات في الجغرافيا اليمنية الشطرية أو الموحدة، وقد هيمنت بيوتها التجارية على مفاصل النشاط التجاري والصناعي، علاوة على حجم حضورها البائن في المؤسسات الأكاديمية والجهاز الوظيفي المدني في الدولة.

لقد راكمت المدينة رأسمالاً وطنياً من خلال إسهام أبنائها في حركة تحرير الجنوب اليمني المحتل والقضاء على الحكم الإمامي شمالا، وكذا انخراط أبنائها في تأسيس النواة الأولى لمؤسسة المجتمع الأهلي والأحزاب السياسية.

لقد كانت وما زالت المدينة الحاضنة المجتمعية للحركة الوطنية والمقاومة العسكرية ومقرا للتخطيط والإعداد للعمليات الوطنية، ولهذا كانت على الدوام تحت رقابة السلطة الحاكم، وتحديدا إبان حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي كان يدرك أهميتها وصعد منها إلى رأس السلطة، وإذا أضفنا إلى كل ما سبق الكثافة الديمغرافية والموقع الجغرافي المطل على الساحل الغربي في البحر الأحمر وميناء المخا التأريخي، وتدني التعصب المناطقي والمذهبي، كونها مدينة سنية وهذا ما يوفر عنصرا آخر للانسجام بسلاسة مع المناطق الجنوبية السنية.

إن ما تقدم يساهم في تفسير أسباب اشتراك أطراف النزاع على حصارها: الحوثيون – صالح يدركون أنها الحامل الجماهيري لليمن الجمهوري متعدد الأقاليم وفضاء طارد للتعصب المذهبي والمناطقي، وبعبارة أخرى إذا ما تم استعادة المدينة، فإن ذلك سوف يوفر فائضا معنويا محفزا لبقية المناطق المهيمن عليها من قبل تحالف الحوثي – صالح، للانتفاضة والانخراط مع الشرعية، علاوة عن إمداد الجبهات بالمقاتلين بفعل الكثافة الديمغرافية ونزوع شبابها نحو الالتحاق بالجبهات للدفاع عن الجمهورية والقضاء على الثورة المضادة بهيئتيها الإمامية (الحوثيون) والعائلية (منظومة وأسرة الرئيس السابق علي عبدالله صالح).

وبالمقابل دول التحالف، تحديدا دولة الإمارات واستراتيجيتها الساعية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا إلى ثنائية وطنية شمالية وجنوبية، الأمر الذي يتطلب بقاء المدينة منفصلة ومنهكة من خلال استنزافها بالحصار وعمليات الاحتراب دون تحقيق الانتصار، وذلك حتى يتم تأثيث المناطق الجنوبية وتهيئتها لإعلان فك الارتباط.

ومن المتوقع وفقا لجملة من المؤشرات –منها دعم الجماعات العقائدية ومحاولة فرض قوات حزام أمني في مدينة تعز- أن تكون جغرافيتها حقل صراع متعدد الهويات؛ سني – شيعي، جمهوري – ملكي، سلفية مدخلية – سلفية معتدلة، إنها استراتيجية تحاول أن تماثل المدينة بحلب والموصل، اعتقادا من دول التحالف أن ذلك سيؤدي إلى إضعاف الحوثيين (قلق سعودي) والتجمع اليمني للإصلاح (قلق إماراتي)، وتخفيض مطالب الجماهير المنادية بترجمة مخرجات الحوار الوطني، ومنها اليمن الجمهوري متعدد الإقليم، ومن ثم القبول بتسوية تستجيب لمصالح دول التحالف تحت وطأة تدهور الأحوال المعيشية وانعدام الآفاق والخوف من صوملة اليمن.

وختاما نؤكد وجهة نظرنا من خلال إعادة تغيير تموضعات القوى في الحقل السياسي والتفاوضي، حيث قام الحوثيون بتصفية حليفهم صالح، وتكفلت دول التحالف وتحديدا الإمارات العربية المتحدة بإيجاد فاعل آخر غير الدولة في المناطق الجنوبية المجلس الانتقالي الجنوبي ومليشياته تماما كما هو الحال في العاصمة صنعاء، وبذلك تتغير خارطة القوى المتضمنة في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، وقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة، إنه واقع جديد تلتقي فيه جماعة الانقلاب ودوّل التحالف - إذا ما استمرت السياسات والاجراءات القائمة- إن تحقيق تلك الاستراتيجية لدول التحالف وتحديدا لدولة الامارات يتطلب تأجيل استعادة محافظة تعز واستمرار حصارها كما كان عليه منذ 2014، دون الأخذ بعين الاعتبار العمليات العسكرية التي رفعت جزءاً من الحصار . وتتأكد وجهة نظرنا المتعلقة بتأجيل استعادة المحافظة من خلال الانتقال الى العمليات العسكرية لاستعادة الساحل الغربي، الذي يهدف إلى تضيق الخناق على الجماعة الحوثية لتحسين الموقف التفاوضي وتطمين الدول الراعية المتوجسة من الفراغات الأمنية ومخاطرها على الملاحة الدولية باعتبارها بيئة ملائمة للقرصنة والتنظيمات الإرهابية.

إن إطالة أمد الحرب خدم كل الأطراف بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوربية المصدرة المنتجة للسلاح بمختلف أنواعه، حيث يمكنها ذلك من إعادة تشكيل الفضاء المجتمعي اليمني في إطار منطقة الشرق الأوسط، علاوة على الأموال الطائلة المتأتية من بيع السلاح وكذا رفع منسوب الضغط الاخلاقي على دول التحالف بفعل انتهاكات حقوق الانسان والتفاوض على ذلك لتحقيق مزيد من المكتسبات .

و نستطيع القول إن المتغير المتمثل برحيل الرئيس السابق على عبد الله صالح قد أوجد فاعلا غير الدولة في صنعاء وصنعت دول التحالف وتحديدا الامارات العربية المتحدة فاعلا آخر غير الدولة في المناطق الجنوبية، وأضعفت دول التحالف مجتمعة السلطة الشرعية حتى أفقدتها حقها في ممارسة السيادة في جغرافيتها وجعلت منها الطرف الأضعف، بحيث تكون مهمتها تسليم السلطة لهيئات وطنية جديدة بناء على اتفاقيات جديدة تؤسس بناء على الواقع الجديد بعبارة أخرى القطع مع المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية والمرجعيات الاممية ذات العلاقة .

إن العمليات العسكرية التي تمت بعد تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي وما تبعها من انعكاسات ومنها الضغط الاخلاقي على المملكة العربية ، و دعوة وأطروحة وزير الدفاع الامريكي [20] في 29 أكتوبر 2018 - دون النظر مؤقتا الى مخاطر تلك الاطروحة التي كشفت ان الحوثيين سوف يكون لهم حكما ذاتيا، مع الحفاظ على أسلحتهم المتوسطة والمليشات، ودعا ماتيس الى بقاء الجميع في مواقعهم بعبارة اخرى إيجاد تعدد في الكيانات والسلطات بما يماثل الحالة الصومالية، ومع ذلك ارجح ان تكون تلك العمليات العسكرية هدفها تحسين الموقف التفاوضي وإضعاف قدرات الحوثيين المهددة للمملكة العربية السعودية ، إذا لم يتم استعادة محافظة تعز ، وعليه نؤكد على ضرورة التدخل الوطني من خلال كافة القوى الوطنية والاجتماعية والسياسية والحزبية والعسكرية اليمنية ، والعمل على سرعة استعادة محافظة تعز ذاتيا في حال عدم تحقيق ذلك من قبل التحالف، بما يربك المشهد ومواقع الجماعات فيه، ونرى ان يتم التحرك وتقديم الدعم والحوافز تزامنا نحو القبائل المحيطة بصنعاء، وخاصة تلك المهيئة لمواجهة الحوثيين، للبدء بعمليات قتالية، طبعا هذا في حال تحرك جبهة نهم او لم تتحرك.

إن بقاء الحوثيين فاعلا غير الدولة في صنعاء وبقية المناطق المهيمن عليها ، يرفع من ممكنات تنفيذ أطروحة وزير الدفاع الامريكي - التقاء المبعوث الاممي لليمن بوزير الدفاع الامريكي قبيل اعلان الاطروحة - ، وما لها من انعكاسات خطيرة قد تمتد لعقود ، وعليه نعود للتأكيد على أهمية استعادة محافظة تعز التي ستوفر فائضا معنويا ووطنيا، لا يحفز بقية المناطق والجماعات من الاتساق في إطار استعادة الدولة فحسب؛ بل سوف يغير خارطة القوى في الجغرافية ومنسوب القوة، ونختم بالقول ان المتغير المتمثل بتصفية صالح أوجد فاعلا غير الدولة في صنعاء ، ودوّل التحالف وتحديدا الامارات العربية المتحدة أوجدت فاعلا اخر غير الدولة في عدن العاصمة المؤقتة ، ودوّل التحالف مجتمعة ساهمت في إضعاف السلطة حد بقائها نصا في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية والمرجعيات الدولية ذات العلاقة ، وعليه استمرار محافظة تعز على حالها ، يجعل استعادة الدولة والسلطة ضعيف الاحتمال ، ويضعنا أمام ممكنين : تقسيم اليمن إلى ثنائية شمال وجنوب وفقا للمشروع الإماراتي او تقسيمها الى مجموعة من الأجزاء الجغرافية والسلطات وفقا لأطروحة وزير الدفاع الامريكي (أكتوبر 2018)

ونعتقد أن الهدف الاماراتي لن يتجسد نتيجة لسياسات دول التحالف لليمن قصيرة النظر، وإنما أوجدت واقعا مماثلا للحالة الصومالية ، ستضع له الولايات المتحدة ، إطارا قانونيا دوليا ، وسيتم خلالها استنزاف موارد المنطقة لعقدين او اكثر ، علما ان الوضع يستجيب ويحقق أهداف الحوثيين وإيران.

 

[1] مدينة تعز، موقع الموضوع، نشر في 21 ابريل 2016، شوهد في 24/11/2017 على الرابط: http://mawdoo3.com/%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9_%D8%AA%D8%B9%D8%B2

[2] لمزيد من التفصيل، أنظر على سبيل المثال وليس الحصر: إلهام محمد مانع، الأحزاب والتنظيمات السياسية في اليمن (1948- 1993) (صنعاء: سلسلة كتاب ثوابت، 1994).

[3] لمزيد من التفصيل، أنظر: سعيد أحمد الجناحي، الحركة الوطنية اليمنية من الثورة إلى الوحدة: 1962-1994 (بيروت: دار الجديد، 2006) ط2.

[4] محافظ تعز متحدثا في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الـ AUB، فيديو، تاريخ النشر 6/10/2017، على الرابط، شوهد في 24/11/2017 على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=-7PufFuIfTg

[5] المقدشي يكشف عن الجهة المسؤولة عن خذلان المقاومة في تعز، موقع الخبر، نشر في 24/3/2016، شوهد في 14/11/2017على الرابط: https://www.alkhabarnow.net/news/219563/2016/03/24/

 

[6] أبرز محطات الحرب اليمنية منذ 2015، الجزيرة نت، نشر في 14/11/2017، وشوهد في 22 نوفمبر 2017 على الرابط: http://cutt.us/X1QXL

 

[7] الحصار يفصل شرق تعز عن غربها، الجزيرة نت، نشر في 25/6/2017، وشوهد في 22/11/2017 على الرابط: http://cutt.us/l4ocd

 

[8] محافظ تعز متحدث، مرجع سابق.

[9] أطماع الإمارات في اليمن.. السيطرة على الساحل الغربي، الجزيرة نت، تاريخ النشر 16/7/2017، شوهد في 20/11/2017 على الرابط:  http://cutt.us/by7A9

[10] السعودية "تطلق النار على قدميها" في اليمن، عربي 21، نشر في 26 نوفمبر 2017، شوهد في 26 نوفمبر 2017 على الرابط: http://cutt.us/Kgrnk

[11] من هو أبو العباس قائد "حماة العقيدة" بتعز وما علاقته بالتحالف، يمن برس، نشر في 10/11/2015، شوهد في 24/11/2017 على الرابط: https://yemen-press.com/news61144.html

[12] المحافظ متحدثا، مرجع سابق

 

[13] اجتماعات أمنية بتعز لمواجهة كتائب أبو العباس، الجزيرة نت، نشر في 26/11/2017، شوهد في 26/11/2017 على الرابط: http://cutt.us/uv0ka

[14] تعز بين مليشيتين، العربي الجديد، نشر في 23/11/2017، شوهد في 24/11/2017 على الرابط: http://cutt.us/8ap1h

 

[15] المحافظ متحدثا، مرجع سابق

[16] نفس المرجع

 

[17] الحوثيون يعمقون مأساة الحصار في تعز، سكاي نيوز، نشر في 28/2/2017، وشوهد في 1/1/2018، على الرابط: http://cutt.us/i6ozC

[18] وزير حقوق الانسان يطلع ولد الشيخ على جرائم الانقلابيين الحقوقية، الأمناء نت، نشر في 17/7/ 2017، شوهد في 6/1/ 2018 على الرابط: https://www.al-omana.com/news59911.html

[19] تعز"مدينة المعابر" يخنقها الحصار... وتخذلها الشرعية والتحالف، العربي ، نشر في 20/8/2017، وشوهد في 6/1/2018 على الرابط: http://cutt.us/24HK8

[20] ) صحيفة أخبار اليوم العدد 4439، الاثنين 29 أكتوبر 2018