الحياة السياسية في اليمن من الثورة إلى الإنقلاب

إعداد: د. نجيب سعيد غانم

نشر بتاريخ : 26 سبتمبر 2018

الحياة السياسية في اليمن من الثورة إلى الإنقلاب

تمهيد

اتسمّت الحياة السياسية في اليمن منذ الأيام الأولى للثورة سواء في الشطر الشمالي من الوطن وفي شطره الجنوبي بالكثير من المشاركات الحزبية لسياسيين يمنيين ارتبطوا بالعمل السياسي الحزبي الخارجي بحكم تلقيهم للتعليم خارج اليمن وتحديداً في القاهرة، وقد شهدت الممارسات السياسية الحزبية الكثير من دورات العنف وسالت فيها الكثير من الدماء.

ففي الوقت الذي شهدت صنعاء قيام الحكومة برئاسة محسن العيني بإنتمائه البعثي ولعدة دورات في بداية الستينات وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، وبعد اغتيال المقدم إبراهيم  الحمدي شهدت صنعاء محاولة إنقلابية فاشلة قام بها الحزب الناصري دفع ثمنها غالياً من دماء الكثير من قيادات الصف الأول فيه.

ولم يكن الوضع في جنوب اليمن وتحديداً في عدن أفضل حالاً بل كان أسوأ بكثير ممّا كان يجري في صنعاء، حيث شهدت كل السنوات التي أعقبت خروج المستعمر البريطاني في الثلاثين من نوفمبر 1967 الكثير من دورات العنف والصراع الدموي بين رفقاء السلاح وأعضاء الحزب الواحد خاصة بعد أن تمّ دحر رموز جبهة التحرير وانفراد الجبهة القومية بالحكم في عدن والمحافظات الجنوبية، ففي الوقت اقيل  قحطان الشعبي من منصبه كرئيس للجمهورية  عام 1969وجرى اعتقاله حتى يوم وفاته عام 1982 فقد جرى تصفية فيصل عبداللطيف الشعبي أول رئيس وزراء لحكومة جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عام 1970 المؤسس الأول لحركة القوميين العرب في عدن، واستمرت دورات العنف بين الرفاق حيث جرى إعتقال وتصفية الرئيس سالم ربيع علي عام 1978، وتوّج الرفاق الماركسيون أعضاء الحزب الإشتراكي اليمني دورات العنف الدموي تلك بأحداث 13 يناير 1986 والذي ذهب ضحيتها الرئيس عبدالفتاح إسماعيل وكثير من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب.

شهدت اليمن بعد قيام الوحدة عام 1990 هدوءً نسبياً لكن سرعان ما عادت حوادث الإغتيالات السياسية تطال هذه المرّة بعض من أعضاء الحزب الاشتراكي خلال الفترة الانتقالية 1990-1993، وكان  من أسبابها الصراع على السلطة وتصفية حسابات سياسية سابقة ووقف ورائها النظام السابق في اليمن.

وبالرغم من دخول اليمن الموحد أول انتخابات تشريعية ومشاركة جميع الأحزاب السياسية التي  أعلنت عن قيامها بعد الوحدة، وقيام حكومة ائتلافية بين الأحزاب الثلاثة الفائزة في الانتخابات وهي المؤتمر الشعبي العام والحزب الإشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح, إلا أنّه سرعان ما  سقط هذا الائتلاف الحكومي بقيام حرب الإنفصال في مايو 1994 والذي اعقبه خروج الحزب الإشتراكي من المشاركة في الحكومة وقيام حكومة ائتلافية من المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح خلال الأعوام 1994 وحتى 1997 , الذي اعقبها انتخابات طالها الكثير من العنف وشراء الذمم  والتزوير من قبل المؤتمر الشعبي العام والذي ظل منفردا بالسلطة حتى قيام ثورة التغيير الشبابية الشعبية السلمية في 11 فبراير 2011.

وبناء على ما سبق  نستطع القول أن اليمن في تاريخه الحديث وتحديداً منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم لم تستطع ان تنتج توافقا جمعيا ونسيجا متناغما لعقد اجتماعي سلمي يؤمن أرضية صلبة وقاعدة متماسكة لسلام ووئام اجتماعي ويكون بمثابة حائط الصد الذي تسقط أمامه كل  مشاريع الاستلاب  الطامعة في السلطة والثروة ( سواء تلك التي تحرّكها قناعات محلية أوموروثات كهنوتية وامامية او تلك  التي تغذيها أطماع ورغبات إقليمية ودولية ) و سواء على مستوى السلطة والحكام  أو على مستوى قادة الفكر والرأي والعمل السياسي فضلا على مستوى  القواعد والعموم في أوساط الجماهير اليمنية. 

وقد رأينا  أنّه عندما تبلورت رغبات عارمة عند شباب الثورة في التغيير وعند كثير من الفئات الاجتماعية اليمنية والسياسية وبعض الأحزاب السياسية المعارضة، كيف تواطأت كثير من النخب  الحاكمة والسياسية وغيرها وتوافقت مع رغبات اقليمية ودولية لوأد تلك الثورة واجهاضها في مهدها قبل ان تشبّ عن الطوق  وتصبح عصية على التطويع والانكسار،  كما رأينا كيف نقضت الكثير من تلك النخب السياسية العهود المواثيق والمبادرات من بعد الإقرار بها والتوقيع عليها مسنودة برغبات محمومة إقليمية ودولية.

الاجابة على الاسئلة الكبرى

هل ساهمت التعددية في توغل وإحياء الامامة من جديد تحت رداء الاحزاب

  • لم تساهم التعددية كقيمة اخلاقية وكمكسب ديمقراطي، ولكن ساهم بعض من قادة الاحزاب (خصوم التغيير) من خلال  التناغم والتعاون مع الحركة الكهنوتية المتمثلة في الانقلاب الحوثي العفاشي على السلطة الشرعية رغبة في التشفي والانتقام من حركة التغيير والاصلاح والتجديد التي احدثتها ثورة  فبراير 2011 مو وربما كذلك تصفية لحسابات خاطئة عند حزب السلطة أنذاك وعند بعض الأحزاب السياسية التي ظنّت أنها تصفّي حسابات سابقة مع دعاة الإصلاح والتغيير في الوطن ولم تكن تعرف أنّها تضحّي بمصلحة الوطن وبضياع  سلطة وهيبة الدولة.
  • دخلت بعض الأحزاب في سياق التعددية الحزبية مستفيدة من قانون الأحزاب والمنظمات الجماهيرية الذي أقرّه دستور دولة الوحدة بعد عام 1990م وهي تحمل في طيّاتها وفي مكوناتها العقدية والفكرية جينات الإمامة والولاية والكهنوت وظلّت تراوغ وتناور وهي تنحت ببطء في جسد الشرعية والتوافق الحزبي السياسي لصالح المشروع الإمامي من خلال اكتساب مزيدا من الوقت لإنضاج ثمار المشروع الإمامي عبر التمكين للكثير من كوادرها وأبنائها للتغلغل داخل منظمات المجتمع المدني وداخل نسيج المجتمع اليمني، وداخل مؤسسات الدولة  الإعلامية والسيادية والاقتصادية وغيرها وداخل مؤسسات القطاع الخاص.
  • عمل الحزب الحاكم آنذاك (المؤتمر الشعبي العام) على دعم تلك الاحزاب ذات الجذور الإمامية من خلال حسابات خاطئة وكارثية  تحت غطاء إحداث معادل عقدي وفكري لحركة الاصلاح والتغيير الجادة في اليمن بغية إضعافها وإبهات دورها الرائد في حركة التغيير الاجتماعي، كما قام الحزب الحاكم بدور كبير في إضعاف أداء احزاب  المعارضة السياسية  تارة بالتنصل من كل الاتفاقات والتفاهمات معها على برنامج للإصلاح والانقاذ الوطني،  وتارة بتفريخ أحزاب كرتونية هلامية  مناوئة لأحزاب المعارضة وتارة باستصدار صحف ونشرات ومواقع إعلامية وذباب الكتروني، كانت مهمتّها الأساسية مهاجمة احزاب المعارضة السياسية والنيل من رموزها حتى وصل الامر بالتهديد بالقتل وقد نفّذت بعضا من تلك التهديدات.
  • توافقت رغبات اقليمية ودولية على كبح جماح الحماس والارادة  الشعبية اليمنية في إحداث تغيير في سلطة الحكم العسكرية المزمنة والتي امتدت لقرابة اربعة عقود دفاعا عن سلطة الحكم العسكري  الذي كان يلبي كل مصالح الخارج ولو كان على حساب اليمن واليمنيين.

 

لماذا انتكست بعض الاحزاب على النظام الجمهوري الذي نشأت في ظله وتحالفت مع الامامة

  • الاحزاب التي انتكست على النظام الجمهوري إما أنّها كانت تحمل في تكويناتها الفكرية العقدية وخاصة عند مؤسسيها ورموزها الفكر الإمامي، أو أنّ بعضها  مال للتحالف مع الامامة رغبة بالانتقام من حركة الاصلاح والتغيير في المجتمع اليمني من خلال النيل من أحزابها ورموزها وقادتها وقواعدها، وتوجد أحزاب أخرى توافقت التوجيهات الصادرة لها من الخارج والتي قضت  بمؤازرة  المشروع الإيراني الذي دعّم وموّل ووجّه الإنقلاب الحوثي في اليمن مثل حزبي البعث بجناحيه السوري والعراقي في اليمن.
  • يعض من تلك الاحزاب (والتي نطلق عليها مجازا السياسية) لم يكن لديها مشروع بناء دولة ديمقراطية يسودها العدل والحرية والمساواة بين المواطنين في اليمن، ولمّا لم يكن لديها قاعدة شعبية ذات وزن معتبر يؤّهلها لكي تخوض غمار استحقاقات ديمقراطية حقيقية مثل الدخول في الانتخابات المحلية و التشريعية وغيرها، ولم يكن لها من غرض سوى الوصول إلى السلطة بأي طريقة كانت وجاء الإنقلاب الحوثي العفاشي على السلطة الشرعية في اليمن وعلى حكومتها التوافقية  حيث وجدت فيه ضالّتها في اقتناص بعضا من فتات السلطة الانقلابية ولو بمشاركة هامشية ولو  جاء على ظهر الدبابات الانقلابية.

 

الشرعية هل تستفيد من اخطاء الماضي في التعامل مع الامامة

وهل هي حامل للجمهورية

  • ابتداء لابد للسلطة الشرعية  اليوم أن تسرّع من تيرة إنهاء الانقلاب الحوثي عليها وتعود لتمارس كافة  مهامها السيادية على كامل التراب اليمني بحيث تنهي هذا الإنقلاب الإمامي الكهنوتي ليذهب إلى غير رجعة، خاصة وأنّ إطالة فترة الحرب وعدم الحسم تستفيد منها المليشيات الانقلابية التي تتغذى على أوجاع اليمنيين وتستثمر  معاناتهم الإنسانية على المستوى المحلي والاقليمي والدولي والتي كانت هي المتسبّب الرئيسي فيها، وقد لاحظنا كيف أنّها اليوم تقوم بتغيير عقيد الشعب اليمني الوسطية الاعتدالية وتقوم بتغيير منهاج ابنائه التدريسية والتعليمية لصالح  الفكر الامامي الكهنوتي ولصالح المذهب الشيعي الإثني عشري تحت دعاوى الولاية المزعومة، حيث تزرع فيهم عقيدة إيران المنافية لإجماع الأمة  تلك العقيدة الجامعة  لليمن ولليمنيين منذ البعثة وحتى اليوم.
  • إنّ الاستفادة من أخطاء الماضي هي مسئولية جميع اليمنيين قيادة وحكومة وشعبا، أحزابا ومنظمات جماهيرية، مفكرين وقادة رأي، رجالا ونساء، شباب وكهولا، لقد أدت الحسابات الخاطئة الى أوضاع كارثية يدفع ثمنها اليوم  اليمنيون من حاضرهم ودمائهم وأموالهم واستقرارهم, ولابد من وقفة متأنية وعميقة لدى كل القوى الفاعلة في المجتمع اليمني وخاصة قادة الرأي والفكر في الأحزاب السياسية وفي غيرها، وفي المنظمات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني، الكل مسئول على جرد حساب لتصحيح الأخطاء وللمضي قدما في طي صفحة الماضي البغيض واستشراف آفاق المستقبل بروح تفاؤلية يحذوها خدمة الوطن بحق والاستعداد  لتقديم الغالي والنفيس من أجل ان تنعم أجيالنا القادمة بالأمن والحرية والعدالة  والسلم الاجتماعي والاستقرار والتنمية.
  • لاشك أن السلطة التنفيذية القائمة ممثلة بالاخ رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي والحكومة  – وإن تعثّر أداؤها في الوقت الحالي -  إلا أنّ ذلك لا يعفيها  من أن تتحمّل مسؤليتها كاملة غير منقوصة في حماية الجمهورية فكرا ومنطقا، عقيدة وسيادة، أرضا وإنسانا، كذلك فإنّ شركاء العمل السياسي في الأحزاب اليمنية كلهم مسؤولون مسئولية تضامنية مع السلطة الشرعية في حماية الجمهورية كمكسب شعبي واستحقاق دستوري ناضلت من أجله أجيال وقدّم  الكثير من التضحيات من أجل اقرار هذا النظام على الأرض اليمنية. كل الجماهير اليمنية في كل محافظات الجمهورية مسئولة مسئولية كاملة في حماية النظام الجمهوري والدفاع عنه وعن كل مكتسباته وفي الوقت نفسه مسئولة عن محاربة كل أعدائه.

 

الدور المناط بالاحزاب السياسية في الدفاع عن الجمهورية

  • على الأحزاب السياسية اليمنية  مسئولية كبرى في الدفاع عن الجمهورية سواء من سيعمل ضمن السلطة الشرعية او من سيكون في صفوف المعارضة مستقبلا - وبعد دحر الانقلاب الحوثي- عليهم المساهمة في بلورة  وترسيخ ما تعارف عليه اليمنيون من سابق في الدفاع عن النظام الجمهوري باعتباره انعكاس للذاكرة الجمعية التي توافق عليها اليمنيون منذ انطلاق ثوراتهم في 26 سبتمبر 1962و 14 اكتوبر 1963وفي 11 نوفمبر 2011.
  • عليهم جميعا تثقيف قواعدهم بترسيخ القناعات بالنظام الجمهوري باعتبار الشعب مالك السلطة، وهو يفوّض من يراه مناسبا لها وفق تداول سلمي  ولفترة زمنية محدّدة، وأنّ السطة الشرعية عقد اجتماعي بين المواطنين وبين المسؤول تعقد بالتراضي والقبول وعبر ما تعارفت عليه الشعوب المتحضرة في الوقت الحالي وهو ان يتم عبر صناديق الانتخابات من خلال انتاخبات حرّة ونزيهة، وأن من يصل الى السلطة وفق هذه الآليات والطرق الديمقراطية ليسوا مقدسين ومطلوب مراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الامر.
  • يتعين على الأحزاب السياسية اليمنية بعد حسم الانقلاب،  التوافق على تحريم عودة العسكر الى مقاليد الحكم في اليمن. فلقد اكتوى الشعب اليمني بعواقب حكم العسكر وتجيير المؤسسة العسكرية والأمنية لا لحماية الدستور واحترام انفاذ القانون ولكن للعمل وفق مشيئة الحاكم العسكري وتسخير مقدرات الجيش وأسلحته وافراده  لخدمة أجندات شخصية وأسرية وسلالية وغيرها.
  • على الأحزاب السياسية حاكمة ومعارضة ان تحدد بوضوح موقفها الذي لا مواربة فيه ببقاء المؤسسة العسكرية والأمنية خارج إطار أي عمل سياسي وتجريم أي توجه في ذلك, والعمل على ترسيخ القناعات الفكرية والسياسية لدى أفرادها وقواعدها ولدى الجماهير اليمنية  العريضة  بضرورة ابتعاد العسكر من التعاطي مع أي عمل  سياسي, حيث مهمّتهم الأساسية بنص الدستور والقوانين النافذة حماية الأرض اليمنية واحترام التداول السلمي للسلطة والاذعان لكل الخيارات التي تفرزها الارادات الشعبية عبر صناديق الانتخابات.