غريبٌ أنا !

نشر بتاريخ : 5 سبتمبر 2019

غريبٌ أنا !

أكثر من شعور الغربة لا شعور آخر داهمني خلال الفترة الماضية منذ دخولي تركيا إلى اللحظة، بديت على غالبية يومياتي كغريبٍ يُقبلُ عليَّ هذا الشعور حاملاً معه تناقضات واقعي من اليمن إلى هنا..

لا أقصد بحديثي هذا غربتي عن وطني وشعوري بالحنين إليه بين والآخر كما هو الحال عند الأغلبية، فتلك مشاعر قد انُتُزعت مني بفعل جفافٍ عاطفي كان يتمثل في احتضان العائلة، وآخرُ اجتماعيُ كان يتثمل في المناسبات والأعياد وما شابه.. بل غربتي في الواقع الجديد الذي تغير عليَّ بمقتضى الحال في مجتمع الأتراك..

غريبُ أنا، 

ذاك الشعور الذي انتابني عندما هبطت في المطار لحظة دخولي إلى تركيا برفقة صديقي.. لا إنجليزية كانت لديَّ ولا تركية لأسال أين تكون صالة الخروج..

غريبُ أنا، عندما كان يتحدث معي تركي في أمر ما فيعجز لساني عن الرد!

وإن تمكنتُ من إيصال فكرتي له بالخلط بين ما لديَّ من كلماتٍ متهالكة في اللغات على كل حال تصله ناقصة وهو يعلم ذلك.. غريبُ أنا، كنت أضطر أحياناً للتنصل من الحديث، أو الهروب من المواقف التي تُجبرني للحديث مع الأتراك أو حتى إيصال الكلام تشوبهُ الكثير من الأخطاء وأنا اعلم ذلك..

غريبُ أنا.. كُنتُ على مواصلات إسطنبول مثلاً، عندما لم يكن لي فيها إلا الله والخرائط، فتجاوزت عشرات المحطات في الاتجاهات الخاطئة، ثم أعودُ أجد نفسي في المكان الذي أريده بعد شق الأنفس..

غريبُ أنا، على أشياء كثيرة شغلت الكثير من الأصدقاء القدامى بالرد على عشرات الاستفسارات الصادرة مني تلافياً لجهلي بالواقع المتطور هنا، وسلوكيات التعامل اليومي..

غريبُ أنا، على تصرفات الأتراك تلك التي كانت قناعتي بحسب ثقافة مجتمعي وعاداته وقيمهُ تُعدُّ عيوباً، وآثاماً، وجرائم، وفضائح وذلُ، وعار، بدعوى الحب أو غيره، والتي تمتلئ يومياتي بعشرات المواقف منها أحياناً.

غريبُ أنا، على سيستم الأتراك الجامعي والذي أدرج تخصصي ضمن كلية الاتصالات وزاد على ذلك قَرَنَ الإذاعة والتليفزيون بالسينما رغم أن هذا خلط خطير بين متناقضين.

وها أنا ذا في هذه الأيام يداهمني من جديد شعور الغربة، عندما تتداول في رأسي تباعاً كلما يتعلق بالإعلام الرقمي الذي ينعتهُ البعض بلفظ "الإعلام الجديد"، والذي أشعرني بأن ما لديَّ من كمٍّ من المتابعة والثقافة المعرفة بتخصصي...الخ تزال باهتة جداً وفي مراحلها الأولية!

يبدوا أن شعور الغربة ذاك أمرٌ سيتكرر، لكن لم يمنعني ذلك من محاولاتي المستمرة في تقليصهِ، والقضاء عليه يوماً بعد آخر.