كابوس العودة!

نشر بتاريخ : 16 أغسطس 2019

كابوس العودة!

إنه العام الثالث لي في تركيا، صديق لي يسألني:

- ألن تزور وطنك هذا العام؟

- أجيب: بلى ولكن بعد إنهائي للماجستير، بقي القليل وبعدها سأذهب بالمرة دون عودة، فلماذا أذهب مرتين وأعود في غضون أشهر معدودة؟!

لا أخفيك عزيزي القارئ أنني لا أفكر في الذهاب! أرغب بالمكوث في تركيا أكبر فترة ممكنة، ربما سأكمل الدكتوراه هنا أيضا، المهم أن أجد عذرا للبقاء.

- صديقي الآخر: لكن منذ ثلاثة أعوام وأنت هنا، ألم تشتق إلى أهلك ووطنك؟ إنه العيد قد أتى يا رجل؟ هل بسبب الحرب لا تستطيع العودة.

لا أحب أن يشفق عليا أحد، فيكون ردي عادة:

- نحن بخير، لا توجد حرب! فقط بعض المشاكل في الشمال يفتعلها الحوثيون المدعومون من إيران، ومشاكل في الجنوب تفتعلها مليشيا الإمارات.

- وأردف لهم: لكن مدينتي محررة وسأزورها عما قريب ريثما أنهى الماجستير.

في الحقيقة أشتاق للوطن.. أرغب حالا في العودة وزيارة الأرض والأحباب ولو لأسبوع واحد، لكن كيف؟

المطارات مغلقة من قبل التحالف العربي وتكلفة التذكرة الواحدة في حال فتح أحدها لا تقل عن ألفين دولار - ذهاب/إياب - ويجب التوقف ترانزيت في مطار آخر لأيام.. تعمل طائرتان خردتان وحيدتان تابعة للخطوط الجوية اليمنية - المشغل الوحيد والمحتكر - وهو ما يفاقم المعاناة.

أحدث نفسي بصوت مسموع كالمجنون:

- أن أتيت إلى تعز عبر صنعاء سيعتبرني الحوثيين "داعشي" قادم من تركيا وسأسحل إلى المعتقل، وإن قدمت عبر عدن ستعتبرني مليشيا الحزام الأمني المدعومة إماراتيا - إخواني إرهابي - كما يسمون ويروجون بهتانا وزورا، وسأودع في سجونها السرية إن لم أغتال.

ذنبي أني من مدينة قاومت الحوثيين ورفضت مشاريع الإمارات التخريبية، وجريمتي الوحيدة أني استقريت في بلد لا يقبل الظلم كتركيا.

في ليلة العيد فكرت كثيرا، لم أنم من الهم والقلق.. فجأة قررت دون سابق ميعاد أن أزور الوطن بأي طريقة وبأي ثمن كان!! نعم، أنا في حالة شوق لا يوصف.. لأهلي، لأصدقائي، ريحة تراب بلدي الخصبة لا تغادر أنفي.

أورهان، أقرب أصدقائي، يشاطرني الغرفة إنه يعرف كل شيء عن وضعي.. لقد قرر مساعدتي.

في الصباح أتى إلي وأخبرني بأنه سيأخذني إلى أحد رجال الدين حيث سيساعدني في الوصول إلى تعز دون المرور من صنعاء أو عدن. هو صحفي مثلي يعلم أيضا أن الوضع هناك محتقن ولا شيء يغلب آلة الدمار!! النهب والسلب والتهجير القسري يسود.

ذهبنا سويا إلى الشيخ حسين أوزدغان. شرحت له ما يحدث في اليمن.. كان يعرف كل شيء عكس ما توقعت! دعا لنا بالهداية والصلاح، ثم دخل معي في الموضوع:

- حسنا بني، سأجد لك طريقة تمكنك من الذهاب إلى تعز مباشرة لكن بشرط أن تبقى فيها يوما واحدا فقط، وفي حال لم تعد في نفس اليوم فلن تسطيع العودة إلى تركيا إلا العام القادم؟!

- استطردته مستغربا: عفوا لم أفهم ما تقصد؟ كيف ذلك؟

- بدأ يوضح لي وهو يبدوا متشائما: توجد بوابة زمنية ستفتح من الخامسة صباحا وحتى اليوم التالي نفس التوقيت، إن لم تعد منها خلال 24 ساعة ستغلق ولن تفتح مرة أخرى إلا العام القادم، فكر جيدا واتخذ القرار الآن، يجب أن أعود بسرعة فغدا عيد وأنا من سيخطب في جامع الفاتح.

بدأ لي كأن الأمر فيه خدعة أو مزحة.

- هههه شيخ حسين إنك تمزح!

- بنبرة حادة: أنا جاد.

فكرت محتارا وكان الخوف من المجهول ينتابني، ثم قررت المضي قدما.. يوم واحد يكفي لعناق أهلي وأرضي.

تحركنا سويا بسيارته صوب غابة بلغراد شمال اسطنبول.. مضينا وتعمقنا وسط الأدغال وكأننا في رحلة نشق الأرض فيها حتى وصلنا إلى شجرة كبيرة.. كان بها فتحة كالباب، وقفت مقابلها.

- خافتني: أقترب لا تخف من هنا.

نظرت إلى الأسفل:

- أنها حفرة! سأموت إن وقعت فيها.

بدأت بالتراجع للخلف، ثم دفعني حتى هويت، كانت دامسة للغاية، أغمي عليّ ولم أشعر بشيء.

استيقظت مع تكبيرات العيد، وجدت نفسي في ساحة الحرية، الجمع غفير يؤدون الصلاة، إنني في تعز الثورة! عيناي لا تصدق من شدة الذهول، كيف حصل هذا.

أثناء ما كنا نصلي في سجدتنا قبل الأخيرة وأنا أدعوا الله أن يوحدنا؛ إذا بقذيفة حوثية يبدو أنها من مدفع هوزر تضرب المكان وتحصد العشرات دفعة واحدة، الدخان ملئ الأجواء والدماء خضبت الأرض، كان المنظر مروعا والأشلاء في كل بقعة. لا توجد سيارات إسعاف، تم نقل المصابين عبر درجات نارية إلى المشافي، المشهد لا يوصف من هوله.

تركت المكان مرعوبا وانطلقت مسرعا إلى بيتنا، أحاول نسيان الحادثة، إنه العيد أتيت لأفرح لا لأحزن.

- مرحبا أمي، أبي.. أعانقهم بحرارة لقد عدت. 

تقول أمي ووجهها مكفهر نحوي غير مرحبة بي:

- لماذا عدت، هل تريد أن تموت؟

- أمي ما هذا الهراء؟ ها أنتم بخير.. اشتقت إليكم، ماذا عنكم؟

- لا، لم نشتق إليك! (تعابير وجهها لا يوحي بذلك) نموت ألف مرة في اليوم من الهلع.

- أمي دعكِ من هذا الهراء إنه العيد قد أقبل فلنبتسم، ثم تبادلت مع إخوتي العناق.

- هشام! أين البقية؟!

- إنهم مرابطون في الجبهات.

- ماذا تقول؟! إنه عيد!!

- الانقلابيون يستغلون أي فرصة تتاح لهم ليقطعوا خط الضباب المغذي الوحيد للمدينة، يريدون حصارنا.. خنقنا.

- الويل! لا يعتبرون للإنسانة حتى، حسنا أين هو الكبش سأذبحه فأنا محرم.

كنت قد تعودت أن أذبح الأضحية من قبل.

- أخي الأصغر ساخرا: لم نشتري عيد، لا توجد رواتب وكما تعلم نحن لا نعمل ولا نملك الكثير، لدينا أولويات.

- تضيف أختي: العيد عيد العافية.

بدأ وجهي يعبس، أين أنا؟ وفجأة، نسمع أصوات اشتباكات.

- ما الذي يحدث؟

- أحدهم من الجيران: الجيش يسعى لتأمين المدخل الغربي للمدينة، العدو منهار والمعنويات مرتفعة.

يأتي طيران التحالف للهبة، يغير الأولى والثانية.. الله أكبر.

ثم نسمع.. غارتين للتحالف تؤدي بحياة 15 جندي من أفراد الجيش الوطني، يقول التحالف أنه نفذها بالخطأ.

النداء عبر المكبرات:

- سرعة التوجه للمشفى للتبرع بالدم.

لبينا النداء وسارعنا لننقذ إخواننا، الوضع الصحي كارثي، لا توجد كهرباء ولا مياه!! أتمنى ان لا يصاب أحد من إخوتي بمكروه.

الأطباء يبذلون قصار جهدهم.. سألت أحدهم:

- كيف يعمل المشفى بهذه الإمكانيات الشحيحة؟ أين الشرعية ودعم التحالف؟؟.

- نحن نعمل دون رواتب وقوات المجلس الانتقالي في عدن منعت دخول المعونات والأدوية، ومحطة الكهرباء كلما تم إصلاحها؛ قصفها الحوثي!.

مات معظم المصابين متأثرين بجراحهم! في الطرف الآخر تستلقي عجوز على السرير بترت ساقيها.

- ما الذي أصابكِ؟

- لغم أرضي زرعته المليشيا الحوثية، لقد دسته في مدخل تعز الشمالي عندما ذهبت إلى الوادي لأحضر الماء من البئر.

أصابني الرعب، عدت مجددا للبيت، كنت أرى الناس في الشارع وهي تكابد لتعيش، فرحة العيد معدومة ولا أثر لملابس العيد على الأطفال.

لعنتي على تحالف السعودية والإمارات ومعهم الحوثيين إلى أين أوصلونا.. استفحل الفقر، والموت مخيم، الجرحى والمصابون بالكوليرا بالمئات.

- مخطاباً نفسي: كل ما نعيشه اليوم يتحمله من؟ سببه من؟ الحوثيون، لا بل السعودية والإمارات من جلبوه من جبال صعدة ونفخوه كالبالون حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم، ثم أوفوا المكيال ففرخوا كالدجاج المليشيات الانقلابية الأخرى في عدن.

ذهبت لزيارة الأصدقاء في حارتنا القديمة.. معظمهم قد مات من الجوع، يسألني كل من ألتقيه:

- لماذا أتيت من تركيا هل أنت مدرك وضعنا، انظر إلى حالنا.

- ولكن هذه بلادي محتم أن أعود إليها مهما طال الزمن.

مضى النهار وأنا أفكر ما الذي جعلني أعود لأعيش هذا الكابوس؟ يوم لكنه كألف، أشعر حقا بالندم. أوووف! ضاق صدري من أول يوم!! حقا أصبت بالإحباط واليأس.

عدت إلى الدار وانشغلت مع أهلي، دخلنا في حديث ودي وازادت حلاوته وأنا أحدثهم بإعجاب عن تركيا.. البنية التحية ومستوى التطور، ومجانية التعليم والصحة، كانوا منذهلين.

- يداخل أبي: كنا أفضل منهم في بداية الألفية، ثم يتساءل باستغراب: كيف نهضوا خلال فترة وجيزة؟

فجأة، أسمع الاذان؟

- أنه الفجر عليّ أن أعود إلى تركيا.

- أمي: كيف تعود! لم يمضي لك يوم، هل جننت؟.

- سأشرح لكِ لاحقا، أريد سيارة تقلني إلى ساحة الحرية بسرعة، أخي يجب أن توصلني حالا.

- من الخطر أن نمشي في هذا الوقت، فالحوثيون في هذا الظلام سيرون السيارة من خلال مصابيحها ولو من بعيد وسيستهدفونها، ثم أضاف ملفتا:

- عليك أن تعرف أيضا أن البترول معدوم، لدينا القليل سنحتاجه لأمر طارئ وإنساني لا سمح الله.

- صرخت في وجهه غاضبا: لا يهم يجب العودة، لن أبقى هنا، مستقبلي على المحك.

- الجميع: هل جننت؟ لن نجازف بحياتنا في هذه الساعة.. انتظر حتى الصباح.

أخذت مفتاح السيارة وانطلقت بنفسي:

- ساترك لكم السيارة عند منصة ساحة الحرية.

قدت بسرعة جنونية، كان الظلام دامساً والسحب تلف البدر، بدأ ضوء الصبح يبزغ.

- مع نفسي: يجب أن ألحق بوابة الزمن، لا يمكنني البقاء في هذا الكابوس، مؤكداً سأعود إلى الوطن لاحقا، لكن لدي حلم وأهداف عليّ تحقيقها.

سلكت طريقا مختصرة من شمال المدينة، كانت مفتوحة على موقع العدو.

- سألحق، بقي القليل لأصل.

انطلقت كالبرق، وصلت الساحة، البوابة لم تغلق بعد، تنحيت من السيارة، لا أصدق أنا محظوظ سأعود إلى تركيا!.

ثم فجأة أرى شيئاً يتجه نحوي قادم من تلك الجبال البعيدة، شيء كاللهب، يدنو مني بسرعة الضوء...

وفي أقل من لحظة قبل أن أصل إلى بوابة الزمن، ومع صوت أذان الفجر؛ إذا بدوي انفجار ضخم.. تحطم المكان وانتهى كل شيء، آه لم تكتمل الفرحة!! الدخان يملؤ المكان، ما الذي حدث؟

لا شك أنه صاروخ كاتيوشا حوثي، أين يدي اليمنى، رجلي اليسرى غير موجودة أيضا، يا إلهي نصف رأسي ليس موجوداً، لقد مت!! لا لم أمت أنا في كابوس.

- أسمع صوتا: أهلا بشهيدنا الجديد.

كان من الذين قد قتلوا صباح يوم العيد، وجدتهم جميعا.. وجوههم تتلألأ كالمصابيح.

- هل أنا شهيد بالفعل؟ الحمد لله، ولكن ليس الآن، لا أريد أن أموت.

أزداد نواحي وصراخي:

- أنا حي لدى الكثير لأنجزه.. لم أمت، ثم أفاقني أورهان.

- صدام ما بك هل أنت بخير.

- أين أنا؟!

- أنت هنا في البيت لقد أفزعتني، صراخك أيقضني من نومي!

نظرت من النافذة:

- هل أنا في اسطنبول؟

- نعم يا رجل، على العموم حان وقت صلاة العيد هيا لنذهب.

تكبيرات العيد تصدح الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.. أدركت أنني كنت في حلم! توضأت، صليت الفجر وذهبت للصلاة، كان خطيب العيد الشيخ حسين أوزدغان نفسه الذي رأيته في المنام، يا للدهشة؟! هل لازلت في الحلم؟ قبل أن يصعد المنبر نظر إلي متبسما حيث كنت في الصف الأول، ثم دنى مني هامسا: "حمدلله على عودتك سالما" .