نريد استثمار رمضان لكننا نفشل.. ما السبب؟

نشر بتاريخ : 2 مايو 2019

نريد استثمار رمضان لكننا نفشل.. ما السبب؟

على سبيل إيصال الفكرة، دعني أحكي لك هذه القصة. قبل أشهر كان هناك معرض للمعدات الزراعية في مدينة كونيا التركية؛ بمعنى أن الشركات التي تهتم بصناعة المعدات الزراعية تحضر هذا المعرض فيأتي كل من يهتم بالزراعة سوآءا كان من داخل البلد أم من خارجها فيشترون ما يحتاجونه من الشركات المصنعة نفسها. لأن الكثير من الأجانب يحضرون هذا المعرض استدعتني إحدى الشركات للترجمة. لقد كان صاحب الشركة يعمل ليل نهار من أجل هذا الموسم الذي لا يتعدى الخمسة أيام.  سألته مرة “لماذا تتعب نفسك كل هذا التعب؟” أجابني أن هذا موسم لا يتكرر في السنة سوى مرة واحدة، ولابد من استغلال أمثال هذه المواسم بحكمة وفطنة وبذل جهد كبير وإلا فكل ما قدمته الشركة من الأموال في سبيل الانضمام للمعرض ستذهب سدى.

قد يكون كلامه طبيعيًا بالنسبة لك لكنه شدني كثيرًا، فتذكرت شهر رمضان وعرفت حينها لماذا الله سبحانه وتعالى جعل هذا الشهر فيه من الحسنات والأجور المضاعفة ما لا يوجد في غيره.

انتهت الخمسة أيام وبدأت أتحدث مع صاحب الشركة ما إن كان ممنونًا من الموسم أم لا، فأجابني أنه بذل الكثير من الجهد لدرجة أنه لم ينم في تلك الأيام سوى سويعات قليله ناهيك عن الإرهاق والتعب، لكنه في المقابل كسب أموالًا طائلة في فترة وجيزة إضافةً إلى العدد الكبير من الزبائن.  تذكرت وقتها لماذا في شهر رمضان بالذات نستطيع كسب الأجر العظيم؛ وذلك باستغلالنا لكل الفرص بالعمل ليلًا ونهارًا في سبيل ذلك.

سألته مرةً ثانية “ولكن الكثير من الزبائن لا يشترون، يسألون فقط ثم يأخذون كرت الشركة ويذهبون؟” أجابني أن هؤلاء سيشترون ولكن فيما بعد.  فطنت لما قاله وتذكرت أيضًا أن مجاهدتنا لأنفسنا في هذا الشهر معناه ترويض النفس للاستمرار في الطاعات وكسب الأجر طيلة السنة.

أن تقضي رمضان في مشاهدة الأفلام والاستمتاع بالسهرات مع الأصدقاء فهذا معناه أنك تهدر موسمًا ثمينًا يمكن أن تعيش بفضله حياتك كلها في سعادة، ليس إهدارًا فقط بل خسارة إن لم تستغله.

قد يقول البعض أننا كلنا نريد أن نستغل رمضان لكن لا نستطيع.. فما السبب؟

جاء رجل إلى الحسن البصري – رحمه الله – وقال له يا أبا سعيد: أجهُّزُ طهوري وأستعدُ لقيام الليل ولكني لا أقوم, ما سبب ذلك؟ فقال له الحسن: قيدتك ذنوبك. نعم، فالذنوب والمعاصي سببٌ للحرمان من كل خير.

إن الكثير منا قبل رمضان يعزم على اغتنام الشهر وأنه سيفعل كذا وكذا من الطاعات، حتى إذا ما بلغه ضاعت تلك العزيمة، وتهاوت تلك القوى. يتساءل بعد ذلك عن السبب، فأقول له أنه لم يعي جيدًا عظم ثواب هذا الشهر وفضله، فمن علم عظيم الأجر وكثرة الثواب للطائعين لا تنفرط معه العزائم ولا تضعف عنده تلك القوى؛ لأن الثواب جليل القدر، عظيم الرفعة، ليس هذا فقط، بل يكفيه أن الله تعالى هو المُكرم المنعم المتفضل فطاعته شرف، والوقوف بين يديه منقبة، واغتنام موسم الخيرات غنيمة يهبها الرحمن لمن رضي عليه من خلقه.

أن تستغل شهر رمضان في الأكلات الفاخرة ومشاهدة المسلسلات والأفلام مع تجاهلك للطاعات واغتنام الثواب والفرص مثلك مثل ذلك الذي يخسر مئات الآلاف من أجل المشاركة في معرض الزراعة ثم يتجاهل زبائنه ذاهبًا وراء رغباته بزيارة المدينة والاستمتاع بمناظرها.

أخيرًا، ما الخطوات إذًا لاستغلال هذا الشهر؟

أولًا يجب أن تتوفر لديك النية الصادقة لاغتنام كل ساعة من ساعاته وكل لحظة من لحظاته؛ فالنية الصادقة هي البداية لكل الأعمال الناجحة. ثانيًا العزيمة القوية؛ فأي عمل لا ينجح أبدًا إن لم يتبع النية الصادقة عزيمة قوية، فالعزيمة هي المحرك الأساسي للأعمال. أما الأمر الثالث فهو محاولة التفرغ من أجل الطاعات واستغلال هذا الموسم الثمين، أخيرًا أن تعمل أعمال مختلفة عما تعمله في بقية السنة حتى تشعر بفضل هذا الشهر، كأن تقرأ الآيات مع التفاسير فتعرف عن دينك أكثر وتفهم معاني الآيات والكلمات التي لا تعرف معانيها، أيضًا لا تنسى الدعاء لنفسك وللمؤمنين، ولا تنسى أن تجعل شهر رمضان محطة تستريح فيها من مشاغل الحياة وتعيد فيه روحك إلى الحياة من جديد فيكون نسبة إصابتك بالأمراض النفسية قليلةٌ جدًا مقارنةً بالآخرين.

شهر رمضان هو موسم العباد أمام الرحمن فاستغلوه بالطاعات والدعاء وترويض النفس على عمل الخير والاستمرار فيه.