مستقبل المؤتمر الشعبي العام

نشر بتاريخ : 3 مايو 2019

مستقبل المؤتمر الشعبي العام

تأسس حزب المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 1982م، في الجمهورية العربية اليمنية، ضم في صفوفه مختلف المكونات السياسية التي كانت تعمل بصورة سرية، ليكون المؤتمر كتلة سياسية تقابل الحزب الاشتراكي في جمهورية اليمن الديمقراطية، والذي كان يتبنى تحقيق الوحدة اليمنية عسكرياً.

كان يُنظر لحزب المؤتمر كنقطة التقاء لمختلف القوى والتوجهات، لا سيما القوى المعتدلة، فهو حزب شعبي ينتهج الاعتدال والوسطية، وينبذ التعصب والانغلاق وهو ما يحسب له، وما يحسب عليه، أنه غير مهيكل، غير منظم، على الرغم من الجهود التي بذلتها بعض الشخصيات التي سعت لإصلاحه عقب تحقيق، وتفعيل دور مؤسساته وهيكلته بصورة ممنهجة وحديثة إلا أن تلك الجهود لم تفلح في انتشاله من الغوغاء والعشوائية، ومنع توظيفه لخدمة الهاشمية السياسية، بسبب هيمنة الرئيس الراحل علي صالح، واستحواذ أسرته على الحزب، إضافة إلى تغلغل القيادات الهاشمية السياسية، وتولي البعض منها مناصب عليا داخل الحزب كـــ “يحيى المتوكل، أحمد الشامي،  أحمد العماد، طارق الشامي، وأحمد الكحلاني”  وآخرون، من الذين تمكنوا من خدمة جماعة الحوثي من خلال مواقعهم داخل حزب المؤتمر الشعبي العام، ومناصبهم في الدولة.

تلازم وجود حزب المؤتمر بموقعة في السلطة، حيث حكم اليمن من الثمانينات حتى 2015م، منفرد أو بالشراكة، وارتبطت فعالية حزب المؤتمر بموقعه في السلطة وبرئاسة مؤسسه علي صالح، حتى مقتله في 4 ديسمبر 2017م، على يد ميليشيا جماعة الحوثي. كذلك عُرف بأنه حزب براجماتي وينتشر في مختلف المحافظات اليمنية وتنتمي له الغالبية من موظفي الدولة المدنيين والعسكريين.

تعرض حزب المؤتمر الشعبي العام لهزات عنيفة، منها ما تسببت في إضعافه ومنها ما تسببت في تشرذمه، وأهمها:

1- ثورة 11 فبراير:

مع اندلاع ثورة 11 فبراير، وعقب مجزرة جمعة الكرامة التي ارتكبتها القوات الموالية لعلي صالح بحق المعتصمين السلميين، والتي راح ضحيتها أكثر من 50 شهيد، دفعت بكثير من قيادات حزب المؤتمر إلى الاستقالة نتيجة التعامل الوحشي مع المتظاهرين، ومن ثم تشظي الحزب بين جناحي علي صالح الذي ظل يتمتع بالقوة الأكبر من جماهير الحزب، وجناح نائبه والرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي الذي تسلم السلطة نتيجة للمبادرة الخليجية التي نفذها صالح بعد مماطلة. ومن تبقى مع علي صالح من القيادات السياسية الحكيمة، تركته بعد تحالفه مع جماعة الحوثي وإسقاط العاصمة صنعاء بيد ميليشيا جماعة الحوثي.

2- مقتل علي صالح:

مثّل مقتل علي صالح ضربة كبيرة لحزب المؤتمر الشعبي العام، كونه ترك فراغاً قيادياً وصراعاً على رئاسة الحزب، وأربك المشهد السياسي، وقفزت إلى السطح، تساؤلات حول مستقبل المؤتمر الشعبي، لا سيما وأن القيادات التي يُفترض أنها تتولى زمام القيادة، مشتتة جغرافياً بسبب الحرب، إضافة إلى اختلاف الرؤى بين القيادات المؤتمرية. واختلاف أقطابها.

تيارات ثلاثة:

منذ مقتل صالح وحتى اليوم لا يزال المؤتمر الشعبي العام محل تذبذب وانقسام وتشتت وكل المحاولات التي تمت على طريق لملمته باءت بالفشل، وما زال الصرع على تركته مستمر، ويأتي هذا في ظل التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية، التي تسعى لاستمالة رجاله، واستخدام أدواته ضمن الصراع اليمني المتعدد الأقطاب، ومحاولات إماراتية لرفع العقوبات عن نجل صالح، العميد أحمد علي، والدفع بقيادات المؤتمر لمساعدته والدخول في تحالفات جديدة توسع صراع الإمارات مع الأطراف اليمنية داخل الشرعية وخارجها.  وهذا ساهم في ظهور تيارات ثلاثة تفرعت من المؤتمر الشعبي العام، لها رؤى وقيادات مختلفة.

1- تيار صنعاء والذي يترأسه صادق أمين أبو راس، والذي يعتبر في نظر قيادات المؤتمر التي في الخارج، وفي نظر كثير من أعضاء المؤتمر، تيار غير شرعي، كون ترأسه للحزب تحت تهديد سلاح ميليشيا الحوثي المسيطرة على العاصمة صنعاء، إضافة إلى أن الاجتماع الذي تم فيه تعيين أمين أبوراس، كان مخالف للنظام السياسي للمؤتمر، كونه لم يحصل على أغلبية اللجنة. إضافة إلى أن هذا التيار أصبح تابع و مسير من قبل جماعة الحوثي، ويمثل رؤيتها. في الوقت نفسه يحظى هذا التيار بدعم معنوي، من خلال استمرار تعامل بعض الدول الأوروبية والعربية والأمم المتحدة معه، ومن جانبها تقدم حزب المؤتمر على نفس الصورة التي سبق وأن رسخت في أذهان انظمة هذه الدول.

2- تيار “القاهرة-أبوظبي” وهو بدوره لا يعترف بتيار صنعاء، وأعلن معاداته لجماعة الحوثي بعد انسلاخه منها، إضافة إلى وجود قيادات مؤتمرية ضمن هذا التيار، لا تعترف بشرعية الرئيس هادي مثل “أحمد علي صالح، أحمد الكحلاني، وأبوبكر القربي”، وعلى رغم محاولات الرئيس هادي للملمة شتات الحزب، بالتعاون مع شخصيات مؤتمرية كسلطان البركاني، وأحمد بن دغر، وغيرهما، من الذين يسعون إلى تجميع قيادات المؤتمر، تحت مظلة واحدة، سعى الرئيس هادي لعقد لقاء بقيادات مؤتمرية  في القاهرة، إلا أن محاولته باءت بالفشل،

فقد تخلف عن لقاء القاهرة، ستة من أعضاء اللجنتين العامة والدائمة، بجريرة أن الرئيس هادي أراد من هذا الاجتماع الحصول على تأييد تلك القيادات لزعامته للحزب، بينما هم يرفضون زعامته مطلقاً.  ويدفعون بأحمد علي صالح نجل الرئيس السابق لتولي قيادة الحزب خلفاً لوالده، وهذه المسألة تعترضها جملة من العوائق التنظيمية في الوقت الراهن. لأن المؤتمر العام هو من يختار الرئيس والأمين العام، لذا من الصعب عقد مؤتمر عام والبلد في حالة حرب، وأعضاء المؤتمر مشتتون على جميع محافظات اليمن.

3- تيار الرياض: يسعى الرئيس هادي، إلى السيطرة على حزب المؤتمر الشعبي من قبل مقتل علي صالح، فقد دفع بقيادات مؤتمرية مؤيدة له إلى تنظيم لقاء عريض في الرياض، تصدره أعضاء في اللجنة العامة في الثلث الأخير من شهر أكتوبر 2015، وأعلنوا في نهايته أنهم أقروا فصل صالح ومعاونيه من الحزب وإحالتهم للمساءلة التنظيمية والمساءلة الجنائية، واختاروا رئيس الجمهورية هادي رئيسا للمؤتمر، وجددوا بقاء بن دغر وعبد الكريم الارياني بصفتيهما السابقتين: النائب الأول والثاني على التوالي. لكن هذا التدبير على قوته كفكرة لم يحدث أي تأثير لا لجهة هادي ولا لجهة صالح، وبعد مقتل صالح، يسعى الرئيس هادي إلى اعادة ترتيب البيت المؤتمري بل انه اعاد رموز سابقين وعينهم في مواقع قيادية داخل الشرعية، اخرهم نبيل الفقيه وزيرا للخدمة المدنية وحافظ معياد مستشارا للرئيس. ويحظى الرئيس هادي بدعم من قبل قيادات مؤتمرية مثل رشاد العليمي، محمد الشايف، وعثمان مجلي، وصغير بن عزيز، والعديد من الشخصيات المهمة في المؤتمر، إضافة إلى ما يقوم به رجل هادي عضو اللجنة العامة، ووزير الداخلية المهندس أحمد الميسري في المناطق الجنوبية والشرقية، من عملية حشد لشخصيات مؤتمرية داعمة لتوجه الرئيس هادي. ويمكن القول بأن هذا التيار هو التيار الأكثر حضوراً في المشهد السياسي.

القوى المؤثرة في المؤتمر الشعبي العام

في الآونة الأخيرة تزايدت تصريحات قيادات حزب المؤتمر الشعبي حول تماسك الحزب، وتوحد قياداته في الداخل والخارج، وهو كلام غير دقيق عبارة عن فقاعات سياسية يهدف إلى تمرير مخطط يتم الإعداد له من قبل بعض القيادات المغلوبة على أمرها، في الواقع هناك خلافات بين قيادات المؤتمر وخلافات واضحة تمارس على أرض الواقع من الرياض، صنعاء، إلى عدن، إلى القاهرة، إلى أبوظبي، وأصبحت أكثر من عاصمة تستقطب قيادات المؤتمر المؤثرة، خصوصاً الطبقة المؤثرة من الصف الأول والموجودة في الخارج، في الرياض وأبوظبي والقاهرة وعمان وبيروت. وظهرت محاولات كل من الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة وإيران ودول أخرى اللعب على وتر تشتّت الحزب، بل وأحياناً العمل على زيادة تشتيته، والتقرب من قيادات بارزة فيه، وأصبحت بعض قياداته مرتهنة لقوى داخلية وخارجية. وأبرز هذه القوى:

1- جماعة الحوثي: تمارس جماعة الحوثي أعمال مسيئة جداً بحق قيادات حزب المؤتمر التي تقطن في مناطقها، وتمنعها من التواصل مع الخارج، ومع أشخاص ضمن الشرعية أو مناطق سيطرتها، لأن هذا الأمر قد يكون سبباً لتخلص الحوثيين منهم بحجة الخيانة ومحاولة الهرب”. ويُعد الحوثيون، بدعم من إيران، أحد الأطراف التي تسعى لاستخدام رجال المؤتمر، واستخدام تركته في الإدارة، من خلال التقرب من بعض رجال صالح، خصوصاً أقاربه، وفي مقدمتهم نجل شقيق صالح، العميد يحيى محمد صالح، وتمنع جماعة الحوثي قيادات المؤتمر من المشاركة في المشاروات التي تعقد خارج مناطق سيطرتها خوفاً من هروبها، ماعدا الشخصيات التي تثق بها مثل جلال الرويشان والذي تجمعه علاقة مصاهرة مع بيت العماد، لذا ينظر له الحوثيون بأنه مأمون الجانب.

2- أبوظبي: كانت أبوظبي تراهن على صالح لإدارة شمال اليمن واستكمال تحقيق أهداف ثورتها المضادة في اليمن، والتي كان الرئيس الراحل وحزبه جزءاً أصيلاً فيها. وبعد مقتل صالح، ما زالت الإمارات ترى لحزب المؤتمر وظيفة أمنية في الشمال تشابه وظيفة السلفيين الحراكيين التابعين لها في الجنوب: قوة سياسية لها قواعد اجتماعيّة يمكن دعمها ماليًا وعسكريًا، لإدارة شمال اليمن وضمان المصالح الإماراتية فيه، متجاوزة السلطة المفترضة لحكومة هادي، لذا تسعى أبوظبي إلى منع أي تقارب بين قيادات المؤتمر مع شرعية هادي، وترى في هذا التقارب تهديداً لمصالحها في اليمن.

3- الرياض والولايات المتحدة: السعودية والولايات المتحدة من أكثر الدول التي تسعى لعودة رجال المؤتمر إلى الحكم. وتركز الولايات المتحدة على القيادات العسكرية والأمنية، التي دربت عدداً منها خلال سنوات ما قبل الانقلاب، وهي تضغط لإعادة الكثير منها إلى الواجهة. ومن المتوقع عودة وجوه عدة من قيادات الحزب ورجال صالح، إلى الحكم خلال الفترة المقبلة، إلى جانب قيادات اقتصادية بارزة عادت خلال الأشهر الأخيرة، مثل رئيس اللجنة الاقتصادية العليا، حافظ معياد، المقرب جداً من صالح ونجله العميد أحمد، بالإضافة إلى عودة محافظ البنك المركزي، محمد زمام. وهذه العودة تأتي جزءاً من صراع أطراف محلية وإقليمية مختلفة. وجزء من هذه العودة تدفع إليه قيادات في “المؤتمر” في محاولة لإحياء الحزب والدخول في حكومة الشرعية، لكسر احتكار أطراف أخرى، بعيداً عن أي إملاءات واختراقات خارجية للحزب، والدفع نحو توحيده. إضافة إلى مساعي الرياض لدفع مجلس النواب الذي يهيمن عليه حزب المؤتمر، لعقد جلسة في عدن أو المكلا من أجل تمرير اتفاقيات من العيار الثقيل، تصب في مصالح الرياض.

السيناريوهات

يمر حزب المؤتمر الشعبي العام بمرحلة حرجة نظراً لتعقيدات الوضع التنظيمي للحزب، والاختلاف حول قيادة موحدة، واختلاف رؤى القوى المؤثرة أو الداعمة للحزب، وبناء على ما سبق من تعدد لتيارات، واختلاف الرؤى والمصالح لدى القوى المؤثرة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات لمستقبل حزب المؤتمر الشعبي العام.

1- الاتفاق على قيادة موحدة: يتوقع هذا السيناريو  لملمة شتات الحزب، في حالة اتفاق وتوحد، الشخصيات الأكثر تأثيراً فيه، على قيادة موحدة، وهذه القيادات ستعمل على انعاش الحزب وإعادته إلى الواجهة بشكله السابق وهذه القيادات تتمثل في ” عبدربه منصور هادي، أحمد علي صالح، أحمد بن دغر، سلطان البركاني، أبوبكر القربي، عثمان مجلي، أحمد الميسري، كهلان أبو شوارب”. وسيتحقق هذا السيناريو في حالة دفعت الرياض وأبوظبي بهذه الشخصيات للاتفاق على قيادة موحدة.

2- انحياز المؤتمر للرئيس هادي: يتوقع هذا السيناريو سيطرة السلطة الشرعية في قيادة حزب المؤتمر الشعبي العام، والتحام بعض قيادات المؤتمر مع الرئيس هادي، كونه كان نائب أول لرئيس المؤتمر وأميناً عاماً عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية، ويمتلك الآن القرار والقوة، ويحظى بدعم سعودي، ويسعى لاحتواء قيادات المؤتمر وتعيينها في مناصب رفيعة في الدولة. والذي بدوره سيضعف التيار المتشدد لأسرة صالح المدعوم من أبوظبي. ويمنع الحوثيين من إعادة توظيف ما تبقى من التركة السياسية للمؤتمر الشعبي العام.

انقسام المؤتمر إلىى تيارات عديدة: يتوقع هذا السيناريو انقسام حزب المؤتمر إلى تيارات عديدة، تتوزع ما بين، صنعاء، الرياض، مسقط، القاهرة، وأبوظبي. وهذا سيخدم الحوثيين، ويمنحهم مبرراً للإدعاء بأنهم يمثلون مكوناً وطنياً في البلاد. وبدوره سيضعف الحكومة الشرعية، وسلطة الرئيس هادي. وسيخدم النفوذ الإماراتي في اليمن، ويعمل على توسعه في المحافظات الجنوبية وبعض المحافظات الشمالية. ويخلق عداءً مع الأطراف الداخلية الموالية لشرعية الرئيس هادي.