"كن أبي وصديقي..."

نشر بتاريخ : 6 مايو 2019

موقفٌ لم أنسه حتى اللحظة، ولن أنساه. أتاني صديقي عندما كنت في الثانوية بوجهٍ بائس، استنكرتُ حالته فسألته:

- ما المشكلة يا صديقي .. هل ثمة ما يعكر صفو مزاجك؟

أجابني بصوتٍ هادئ يوحي بعدم الرضى:

- هل تشعر بالنقص لأن والدك قد مات ولم يعد بجانبك؟ 

أجبته أي نعم، فقال لي:

- أنا أيضًا أشعر نفس شعورك يا صديقي.

قال تلك الجملة وبدأ يسرد علي كل ما بداخله:

- أنت تشعر باليتم لأن والدك قد مات، أما أنا فأنا أشعر أكثر من كلمة يتيم يا صديقي؛ لأن أبي لا يريد أن يتعامل معي وكأنني شاب قد تعدى عمر الثامنة عشر، إنه يشعرني بتصرفاته وكأنني لابد أن أنفذ الأوامر لا أكثر. أردت أن أحسسه أنني أصبحت أكبر من أن يتعامل معي كأبٍ صارم وابن مطيع إلى أن يكون صديقي أستطيع أن أشعر معه بالحرية عندما أجلس بالقرب منه فأخبره بكل ما يدور في خلدي وكل ما يعكر صفوتي، فأحل مشاكلي باستشارته وأواجه صعوبة الحياة بالاستمداد من قوته لكنه لا يريد هذا.

استغربت للأمر، فسألته:

- اذكر لي موقفًا حصل معكما حتى أفهم ما تقصده جيدًا.

أجاب قائلًا:

- البارحة رجعت من السوق بعد أن ضاعت مني الأموال التي أعطاني إياها لشراء حاجيات المنزل. رجعت من السوق وعلي من البؤس ما لا يمكن أن تتوقعه أبدًا، وبدأت أفكر "كيف أخبر والدي؟ كيف لي أن أخبره أنني أضعت النقود التي أعطاني إياها". وصلت إلى المنزل ولم أشترِ بعض المتطلبات، استدعاني والدي بغضب حتى ارتعدت فرائصي، لأنني أعرف أن اليوم لن يعدي على خير. كان قابعًا في الغرفة وكأنه ينتظر دخولي، وما إن دخلت حتى قال:

- لم لمْ تشترِ كل ما أمرتك به؟

حاولت أن أخبره أنني فقدت الأموال لكنه يتعامل معي وكأنني طفل صغير مذنب ولابد أن يعاقبني وبشدة. أخبرته أنني نسيت. صرخ في وجهي ثم أمرني أن أذهب فورًا لشراء ما نسيته كما فهم هو وإلا فعقابي سيكون قاسيًا. أصبحت وقتها في مأزق، من أين لي أن أجد المال المطلوب حتى أشتري ما نقص؟

خلسة ذهبت إلى بيت صديقي وأخبرته أنني في أمس الحاجة للمال لكنه هو أيضًا لا يمتلك المبلغ المطلوب. أبي هامٌ بضربي عقابًا لما عملت إن لم أحظر له ما طلبه، ولكنني لم أعد صغيرًا حتى يعاقبني ويهزئني أمام العائلة. فكرت أن أسرق بعض النقود من جيب والدي لكنني رأيت أن عاقبة ما سأقدم عليه أكثر خطرًا من أن أخبره بالحقيقة.

رجعت إلى البيت وأخبرت والدي بكل ما حصل لي، لكنه لم يتقبل الأمر، فقام وضربني أمام أمي وأخوتي جميعهم وهو يوبخني ببعض الكلمات الجارحة. أخبرته أنني لم أعد صغيرًا وسأعيد ما ضاع مني، لكنه كان قاسيًا علي أكثر من اللازم.

أتى المساء فلم يقترب مني قرب الصديق لصديقه؛ حتى يفهمني أنه كان قاسيًا علي وأن ما عملته ربما كان خطئًا لكن يجب علي الانتباه في المرات القادمة، لا طبعًا لم يعمل هكذا، بل كان ينظر نحوي على مضض ولم يستدعني للعشاء وكأنه يعاقبني على فعلتي التي لم أعملها قصدًا.

لقد فهمت من خلال تصرفه أنني لابد أن أعمل حاجزًا بيني وبين والدي، لابد أن لا يعرف عن ما أقوم به البتة حتى لا يتصرف معي هكذا مرةً أخرى.

نظرت نحوه فقلت:

- وكيف أردت والدك أن يتصرف معك؟

- كان يجب أن يتصرف معي وكأنه صديقي، حتى أستطيع أن أخبره بما حصل، فإذا لم يقف بجانبي في مثل هذه المواقف فمن الذي سيقف بجانبي إذًا. لا أريده أبًا فقط، أريده أبي وصديقي.

وافقته في ما قال، حيث أن كل أب يجب أن يكون صديقًا لأبنائه قبل أن يكون أبًا لهم. فأن يكون الأب صديقًا لولده معناه أن يحميه من عمل الأشياء السيئة بتبصيره وإرشاده، أما إذا كنا أكثر رسمية مع أولادنا فمعنى هذا أننا نبني حواجز بيننا وبينهم، وهذه الحواجز ربما يكون ثمنها باهضًا، كأن يميل الابن للسرقة أو يتعود على عادات سيئة بصحبة أصدقاء سيئين وهلم جر.

نظر صديقي نحوي ثم قال:

- لستَ يتيمًا يا عبد الرحمن، اليتيم أنا.