14أكتوبر .. من الثورة إلى الوحدة

صلاح باتيس

نشر بتاريخ : 14 أكتوبر 2018

14أكتوبر .. من الثورة إلى الوحدة

لم تكن ثورة الـ14من أكتوبر63م إلا امتدادا لثورة الـ26 من سبتمبر62م وتتويجاً لنضال الشعب اليمني التواق للتخلص من الاستعمار البريطاني المباشر لعدن وهيمنته على بقية النواحي الجنوبية والشرقية من الوطن التي أطلق عليها الاستعمار(محميات عدن الشرقية والغربية) فموقع عدن على طريق التجارة الدولية كان مطمعا للغزاة منذ أمد بعيد حيث حاول البرتغاليون قبل الإنجليز بسط نفوذهم على موانئ اليمن في عدن والشحر من قبل.

كانت القوى الوطنية الحية في عدن قد تأطرت في تنظيمات سياسية و نقابية ومهنية لمقاومة خطط الاستعمار ضمن حركة تحرير وطني انتظم فيها كل الأحرار اليمنيين من كل بقاع اليمن لاسيما الحواضر التي نالت قسطاً من التعليم كعدن المستعمرة ومحمية حضرموت وسلطنة لحج وإقليم تعز وتهامة ممن استوطنوا عدن طلبا للعمل او لمواصلة التعليم. إلا أن موجات نزوح الأحرار اليمنيين من صنعاء وتعز بعد فشل حركة 48م ضد الإمام قد أعطى للحركة الوطنية في عدن زخماً أكبر من حيث تركز النشاط السياسي والثقافي المناوئ للإمامة  واحتضان أندية عدن للأحرار واحتفاء صحفها ومنابرها الإعلامية بمقالاتهم وخطاباتهم.

فكل الصحافة الوطنية في عدن أصبحت صوت الأحرار ضد الإمامة كما هي صوت الثوار ضد الاستعمار البريطاني. ومن هنا ظهر ما عرف لاحقاً بمصطلح واحدية الثورة اليمنية أكتوبر وسبتمبر.

في الجنوب اليمني لم تكن هناك وحدة سياسية قبل الاستقلال عن بريطانيا عام 1967م فقد كان هناك 23 سلطنة ومشيخة  تدين بالطاعة لممثل حكومة التاج البريطاني في مستعمرة عدن مقابل حمايتها من أي عدوان خارجي عليها وقليل من الأموال التي يمنحها الانجليز لحكام تلك السلطنات في صورة مرتبات سنوية بحسب تأثير كل حاكم محلي وأهمية موقع الأرض التي يقيم عليها دويلته.

عرف التاريخ المعاصر ثلاث حركات رئيسية كان لها الدور الأبرز في تحرير عدن والمحميات :

1- رابطة أبناء الجنوب العربي كحزب وطني انتهج النضال السلمي حتى تلاشى وانتهى على يد حكومة الثورة بعد الاستقلال .

2- جبهة التحرير التي انتهت تقريبا مع سيطرة منافستها الجبهة القومية على الحكم سنة 1967م وكان لها حضور مسلح إضافة لحضورها المدني .

3- الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل .وهي الحركة الأكثر تنظيما وديناميكية من سابقاتها وذلك لتبنيها من قبل حركة القوميين العرب كحركة قومية ايدلوجية منظمة ..وهي التي اكتسحت كل مخالفيها واستفردت بالحكم طيلة فترة الدولة الجنوبية حتى عام 1990م.

وهناك حركات أخرى لكنها لم يكتب لها تسجيل حضور بارز في حركة التحرير وقد ذاب معظم عناصرها في الجبهة القومية مؤخراً.. كالبعث العربي الاشتراكي والشيوعيين.

قامت ثورة أكتوبر المجيدة على أساس التحرر من الاستعمار البريطاني وبناء دولة يمنية حديثة كما هي في ادبيات وتصورات الجبهة القومية .المحرك الأساسي للثورة والحزب الوحيد الذي حكم اليمن الجنوبي طيلة 23من عمرها قبل اندماج الشطرين عام 90م. وهذه الأفكار التوحيدية كان يتشاركها كل عناصر حركة القوميين العرب فرع اليمن-بحسبهم العمود الفقري للجبهة القومية- وهم ينحدرون من كل اصقاع اليمن دون تمايز مناطقي او مذهبي او جهوي. وقد انعكست هذه الافكار والمبادئ أولا في توحيد جنوب اليمن في دولة موحدة قبل توحيد الشطرين في وقت لاحق وكان هذا أحد أبرز أهداف ثورة 14 اكتوبر.

إلا أن صراعات داخلية وتحولات فكرية وايدلوجية عصفت بقيادة الدولة في عدن حينما انتهجت الدولة الوليدة مسارا بعيدا عن فلك دول الجوار والمنطقة وانحرفت عن اهداف الثورة وتطلعات الشعب وتضحيات الثوار. فقد اتجهت نحو الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا .مما فاقم شقة الخلاف مع النطام الحاكم في الشمال الذي كان يدور في فلك المعسكر الدولي المقابل.

مع نهاية الحرب الباردة عاودت جهود التوحيد الوطني نشاطها بشكل حثيث لتنجز مشروع وحدة الوطن التي تعثرت قرابة الربع قرن منذ اندلاع الثورة والاستقلال الوطني.

ان الانتكاسات التي منيت بها مسيرة بناء الدولة في اليمن سواء قبل او بعد التوحيد في العام 90م لم تكن ذات جذور اجتماعية او تاريخية بقدر ما كانت أخطاء النخبة السياسية في الشطرين ثم في دولة الوحدة وحتى اليوم.

فعلى مدى نصف قرن من الاستقلال لم يكن يعكر علاقة الشعب اليمني في الجنوب والشمال وعلاقاته الاسرية والاخوية الا عراك الساسة ومطامع قوى النفوذ.

ومن خلال انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل عقب ثورة التغيير السلمية وحركة الحراك الجنوبي السلمي. ووقوفه على جذورالصراع غير المتناهي وخاصة القضية الجنوبية وجد ان مشكلات التنمية المتعثرة والصراعات غير المنتهية تكمن في صراع النفوذ على السلطة والثروة منذ الاستقلال في 1967م  .فكان المدخل لنزع هذا الفتيل المتفجر بالذهاب نحو صيغة جديدة للدولة اليمنية في العصر الحديث من خلال تبني نظام سياسي يضمن الشراكة الوطنية في السلطة والتوزيع العادل للثروة .بما يفضي للتكامل والتوازن في عملية التنمية .فكان محور الإصلاح السياسي الذي تبناه مؤتمر الحوار الوطني الشامل وتضمنته مسودة الدستور الاتحادي الجديد هو إعادة تشكيل النظام الإداري للدولة على شكل دولة اتحادية من ستة أقاليم تضمن تنمية مستدامة في ظل تنوع ثقافي وتصالح اجتماعي يجسد معنى الشراكة الوطنية وينبذ ثقافة التهميش والاقصاء.

ونحن نحتفي بثورة أكتوبر العظيمة اليوم يجب ان نستذكر بكل فخر أهدافها الوطنية الكبيرة .وتطلعات قادتها واحلام شهدائها الابطال في بناء يمن ديمقراطي موحد نفتديه بالدم والأرواح.

وهذه صرخة الثوار التي كنا نرددها كل صباح في طابور المدرسة والمعسكر والمزرعة:

(لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية وتنفيذ الخطة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية)

(بالروح والدم نفديك يايمن)

هذه الشعارات كنا نرددها طيلة 23 عاما من حكم الحزب الاشتراكي اليمني للجنوب من الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م وحتى تحقيق الوحدة اليمنية 22 مايو 1990م على أساس أنها روح وغاية ثورة 14 أكتوبر المجيدة.

فكيف يحق لمن يدعي اليوم أنه يناضل من أجل استقلال الجنوب وحصول أبنائه على حقوقهم الكاملة أن يخالف أهداف ثورة الجنوب الخالدة ويخون دماء شهدائها الأبرار ويلتف على مكتسبات الجنوبيين خاصة واليمنيين عامة؟