«الدَّرِيس في صنعاء».. روحانية رمضان ما قبل الإفطار (تقرير خاص)

نشر بتاريخ : 23 مايو 2019

«الدَّرِيس في صنعاء».. روحانية رمضان ما قبل الإفطار (تقرير خاص)

قبل دقائق من الإفطار في شهر رمضان تبدأ المآذن بتشغيل آيات من القران، بينما الصائمون يجهزون مائدة الإفطار، وينتظرون بدء أذان المغرب، ويرتبط وجدان اليمنيون في صنعاء بشكل كبير في تلك الدقائق، والتي تعد لحظات لا تتجزأ من الطقوس الروحانية في رمضان.

يطلق عليها أبناء صنعاء اسم «الدَرِيس» بكسر الراء، وهي تسمية متعارف عليها بين معظم السكان الذين اعتادوا عليه منذ عشرات السنين، ويعد جزءً أصيلاً من الممارسات الرمضانية التي تصدح بها المآذن كل يوم، وإحدى أهم الإشارات التي تشير أن موعد آذان المغرب أصبح قريباً.

ورغم كل الظروف التي تمر بها العاصمة صنعاء في فرض الحوثيين قرارات جديدة على المساجد تمنع الصائمين من الاستمتاع بروحانية شهر رمضان، سواء من خلال كتم المآذن بصلاة التراويح أو إلزام المساجد بتشغيل ما يطلق عليه "التسبيح" بدلاً من «الدَرِيس» بالإضافة إلى منغصات أخرى تلوث حياة الناس التي تعودوا عليها.

تنبيه بموعد الإفطار

ويعد «الدَرِيس» المنبه الأول للصائمين بقرب موعد الإفطار، وعند بدء سماعه في مآذن المساجد تبدأ النساء في المنازل الاستعجال لتجهيز ما تبقى من الفطور، ويتحرك الرجال لتجهيز أنفسهم للإفطار وترك كل المشاغل التي كانت تلهيهم عن بدء الاستعداد للدعاء إما بشكل جماعي او فردي.

وقال عبد الله الفقية - مواطن يسكن في صنعاء - عندما تبدأ المساجد بـ «الدَرِيس» نتحرك فوراً للبحث عن تجهيز سفرة الإفطار إذا كنا بالمنزل، أما إذا كنا خارج المنزل فنهرول سريعاً نحو المنزل فتجد السيارات مسرعة والشوارع تبدأ بالخلو من المارة تدريجياً.

وأضاف في حديث لـ "يني يمن" إن كثيراً من الناس ينتظرون سماع المآذن وهي تبدأ الدريس ليستعدوا للإفطار، ورغم معرفتهم بالوقت من خلال الساعات بأيديهم، لكنهم أصبحوا متعودين على أن بدء القرآن بصوت المقرئ "القريطي" هو من يحدد قرب موعد افطارهم.

وعمل الإعلام الرسمي على ترسيخ «الدَرِيس» في أذهان اليمنيين بشكل عام كجزء من روحانية شهر رمضان، من خلال بثه في التلفزيون الرسمي والإذاعات قبل الإفطار، رغم انه ليس موجوداُ في غالبية مساجد المحافظات اليمنية الأخرى، وينتشر فقط في مساجد العاصمة صنعاء.

طقوس روحانية وأشجان

وارتبط الناس بـ «الدَرِيس» كممارسة روحانية مبهجة تضيف لهم كثيراً من الألفة في شهر رمضان، والذي يعد محفوراً في ذاكرتهم ومرتبطاً بوجدانهم كشعور روحاني، بالإضافة أن بقاء نفس الصوت في نفس التوقيت يثير أشجان الصائمين في ذكريات قديمة عاشوها في نفس التوقيت من أحباء لهم غادروا الحياة او ابتعدوا عنهم.

"محمد المطري" - رجل ستيني من صنعاء - يقول إنه لا يشعر بروح رمضان إلا عندما يسمع «الدَرِيس» يصدح في المآذن والذي أصبح جزء من ممارسته الروحانية بعد ساعات الصوم في نهار رمضان، وقال "لا أعرف نفسي إلا وأنا أسمعه قبل الإفطار لذا اشعر بالنقص عندما يمر يوم ولم أستطع سماعه".

وأضاف في حديث لـ "يني يمن" يثير وقت الفطور ووقت «الدَرِيس» بالتحديد بكائي أحياناً بشكل كبير حيث أتذكر عندما كنا في مائدة واحده مع ابي وامي الذين غادروا الحياة، وكل تفاصيل الطفولة والشباب، وايضاً أتذكر ابنائي الذين كبروا أصبحوا مغتربين اما في مدن أخرى أو خارج البلاد.

وارتبطت ذاكرة الصائمين في رمضان بصنعاء بمقرئين اثنين فقط هما "محمد القريطي" و "محمد حسين عامر"، وهما من يتم بث تسجيل لهم وهم يتلون آيات من القران الكريم قبل الإفطار، فيما يطلق عليه بـ «الدَرِيس» ولا يتم بث أي تلاوة لغيرهم من القراء.

الحوثيون واللون الطائفي

ومنذ سيطرتهم على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، عمل الحوثيون على فرض سلسلة من القرارات على المساجد، حيث فرضوا ما يسمى بـ "التسبيح" وهي عبارة عن تكرار للحسبلة (حسبنا الله ونعم الوكيل)، بالإضافة إلى أدعية متنوعة على خصومهم في الحرب، ويتم ذلك قبل آذان المغرب طوال أيام السنة، وفي رمضان يتم بثه في مكبرات الصوت قبل «الدَرِيس».

وأصدر الحوثيون قرارات بكتم مكبرات الصوت أثناء صلاة التراويح، فيما يواصلون بث محاضرة يومية عبر مكبرات المآذن في المساجد لزعيمهم عبد الملك الحوثي، ويعملون أيضا خلال أيام السنة على بث تلاوة جماعية لسورة "يس" بين صلاتي المغرب والعشاء. كل هذا الضجيج السماعي للمواطنين محاولة لتكريس لون مذهبي واحد ورفض للتنوع الذي يعيشه اليمنيون منذ آلاف السنين.