ثورة 11 فبراير اليمنية... أحلام معلّقة على جدار الشتات

نشر بتاريخ : 13 فبراير 2019

ثورة 11 فبراير اليمنية... أحلام معلّقة على جدار الشتات

"أحلامنا التي تبخرت تحولت إلى سحاب، وستمطر يوماً ما، غالباً ما تكون السحب المظلمة هي الأكثر غزارة"، بهذه العبارة يواجه "محمد المقبلي"، قسوة الشتات والمنفى، ضمن آلاف من شباب الثورة اليمنية "11 فبراير (شباط) 2011" الذين غادروا البلاد قسراً قُبيل وبعد، اجتياح المسلحين الحوثيين للعاصمة صنعاء، ومدن يمنية أخرى.

كان "المقبلي"، أحد أبرز الوجوه الشبابية التي انخرطت في العام 2011 في ثورة سلمية ضد نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، رافعين شعارات تطالب بدولة مدنية بعيداً عن المحسوبية وحكم الفرد الواحد؛ ثم لحقت بهم أحزاب وقوى سياسية عدة، أضافت زخماً كبيرة لحركة الاحتجاجات، علاوة على الانشقاق الذي حدث في صفوف بعض تشكيلات الجيش، ووجد الحزب الحاكم آنذاك، المؤتمر الشعبي العام، وجد نفسه وحيداً، في حين تتسرب السلطة من بين يديه.

قاوم صالح عاماً كاملاً، لكنه رضخ بعد ذلك إلى الأمر الواقع، فسلّم السلطة لنائبه (الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي)، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التي عمّت أغلب مدن البلاد، بموجب "المبادرة الخليجية" الموقعة بين حزبه، المؤتمر الشعبي العام، وأحزاب اللقاء المشترك (تجمع المعارضة)، أقرت ضمن بنودها تسليم صالح للسلطة مقابل منحه حصانة من الملاحقة القانونية.

شهدت البلاد بعد ذلك هدوءً نسبياً، مع تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي ضمّت جميع أطياف الكتل السياسية، مع تواصل أعمال مؤتمر الحوار الوطني الذي تم خلاله صياغة دستور جديد للبلاد، وعلى العدالة الانتقالية، وعلى إصلاحات انتخابية.

حتمية التغيير

يستند مناصرو الثورة إلى ما يعتقدونه "حتمية التغيير" آنذاك، وأن الأوضاع في اليمن قد وصلت إلى درجة لا تحتمل الإصلاح.

يقول نبيل الشرجبي، أستاذ إدارة الأزمات في جامعة الحديدة، إن الأوضاع في اليمن قد بلغت من السوء درجة أن البلاد دخلت، لأول مرة في تاريخها، ضمن قائمة الدول الفاشلة، ما استدعى عقد "مؤتمر لندن" لإنقاذ اليمن من ذلك المأزق، كما أن مختلف الأوضاع الأخرى كانت بنفس درجة السوء.

ويستشهد بما أسماه "انكشاف كثير من المآسي والفساد والتربيطات الأسرية والجهوية وتركيبات الحكم والمصالح في اليمن، وكيف كانت تُدار الأمور، وفق منافع حفنة قليلة جداً من العائلات، وهذا دليل يؤكد على ضرورة الخروج وقتها".

انقلابٌ فحربُ

صبيحة 21 سبتمبر (أيلول) 2014، نفذت جماعة الحوثي انقلاباً على السلطة، واجتاح مسلحوها العاصمة صنعاء، وأحكموا قبضتهم على مؤسسات الدولة وحاصروا الحكومة، ودخلت البلاد في فوضى عارمة، أعقبتها حرب ما تزال تدور رحاها حتى اليوم، بين الجيش الوطني والمقاومة الشعبية الموالية لرئيس هادي، والمدعومة من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من جهة، وجماعة الحوثي المدعومة من إيران من جهة أخرى، خلفت آلاف القتلى والجرحى علاوة على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بالغة السوء.

انقلاب الحوثيين على الشرعية أجهض كل الجهود الرامية إلى استقرار الأوضاع في الجمهورية الفقيرة، وأدى تعنّت الجماعة المسلحة ومماطلتها إلى إفشال كل مشاورات السلام التي قادتها، وما تزال تقودها، الأمم المتحدة من أجل وقف الحرب واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

بعد مُضي ثماني سنوات عجاف من عمر الثورة، يعتقد المقبلي أن "ثورة 11 فبراير ما تزال كفكرة وحلم، مزيج بين الأمل والألم؛ أمل الثورة وألم الواقع الذي وضع في طريقها، كي يوقف خطواتها نحو المستقبل، ويمنعها من الوصول إلى زمن النور الذي صاغ بوصلته تضحيات الشهداء والجرحى والمختطفين".

يقول المقبلي في حديث لـ"اندبندنت عربية" إن "ثورة فبراير 2011 أنجزت الهدف الإجرائي الأول، وهو إسقاط نظام الحكم العائلي، كما أنجزت عبر العملية السياسية رؤية الدولة الجديدة المتمثلة بوثيقة الحوار الوطني الشامل الذي أدارته الأمم المتحدة بين القوى الوطنية في 2013".

غياب المشروع

يتصدر غياب المشروع أهم الانتقادات التي تُوجه إلى "11 فبراير"، لكن الشباب يعتقدون أنهم تعرضوا للخذلان، فـ"النخب والقوى السياسية خذلت الشباب، ولكي تنتصر الثورة يجب على الشباب أن يخلقوا مشروعهم السياسي المتخفف من العقد الأيدلوجية وأثقال الماضي، من خلال هذه المشروع تنتصر الثورة على عجز السياسة بأدوات السياسة ذاتها". وفق ما يراه "المقبلي".

ويرى أستاذ الفلسفة بجامعة صنعاء، معن دماج، أن أول ما يمكن ملاحظته حول ثورة 11 فبراير 2011 هو أن العصب الأساسي للحراك الثوري في اليمن ولتنظيم ساحات الثورة كانوا شباب الأحزاب في اللقاء المشترك (تكتل المعارضة)، وكانت البنية والقيادة محافظة وتقليدية استناداً لثقافة الأحزاب الكبيرة التي انضمت للثورة مثل الإصلاح والاشتراكي، واضطرت للالتحاق بالساحات حاملةً برنامجاً محدوداً وإصلاحياً في الأساس.

ويعتقد "دماج" في رده على سؤال "اندبندنت عربية" بشأن العوائق التي وقفت في طريق التغيير باليمن، أن "مشكلة الثوار، وهم من عموم المواطنين وليسوا فقط من الشباب، هي أنهم فشلوا في إنتاج أي شكل تنظيمي أو سياسي يعبر عنهم ويقودهم، وبقوا مرتهنين للقيادات التقليدية، عاجزين عن إيجاد قيادات من بينهم".

يتفق نبيل الشرجبي الأكاديمي والباحث مع ما ذهب إليه "دماج"، فإلى جانب "غياب البرنامج أو المشروع الذي يسمح للشباب بالتحول أو الانتقال من الشعارات إلى الممارسة"، فإن "قلة خبرة الشباب في السياسة سهّل على الأطراف الحزبية مهمة السيطرة عليهم، وكذا عدم امتلاكهم مقومات حماية ثورتهم، ومن لا يمتلك أدوات حماية ثورته فإنها ستفشل لا محالة".

استشراف المستقبل

تعيش اليمن وضعاً استثنائياً منذ أواخر العام 2014، فالحرب التي تزداد وتيرتها كل يوم تجعل من استشراف مستقبل البلاد ضرباً من التكهن، لا سيما في حال وصلت مشاورات السلام التي تقودها الأمم المتحدة إلى طريق مسدود، وهي أكثر السيناريوهات وجاهةً، استناداً إلى كثير من المعطيات.

يعتقد "الشرجبي" أن "حالة التيهان في اليمن وخاصة الفترة القادمة ستستمر، بسبب حالة الحرب، فلم يعد مطلب تنفيذ متطلبات التغيير أو الثورة ذات أولوية بل أمور أخرى، والسبب في ذلك أن اليمن دخلت فيما يسمى الحروب الممتدة، وهي الحروب التي تأخذ صيغاً اجتماعية ثقافية مذهبية، وهي الأخطر، ويتطلب علاجها فترات وبرامج وسياسات وأحزاب ونخب وقوانين ومؤسسات تختلف تماماً عما هو موجود الآن".

لكن التحول الديمقراطي في اليمن، وفق ما يراه "المقبلي"، قادم لا محالة ولا يمكن لليمن أن تستقر إلا بتحول ديمقراطي شامل ونظام اقتصادي عادل واحتكام السلطة والمواطن لقوة القانون والمستقبل للديمقراطية والحرية في اليمن".

نقلاً عن صحيفة اندبندنت العربية