21 سبتمبر.. نكبة وطن

نشر بتاريخ : 22 سبتمبر 2020

21 سبتمبر.. نكبة وطن

في مثل هذا اليوم من شهر سبتمبر، تحديداً قبل ستة أعوامٍ عجاف، كنت طالبة في المدرسة..

لا زلت أتذكر تماماً كيف كنت أنهار حين كنت أشاهد أحداث الانقلابِ على التلفاز، وما تلاه من أحداثٍ مريرة، أتذكر فرار الرئيس عبد ربه صوب عدن، وكيف اجتاح الحوثيون المحافظات واحدة تلو الأخرى، وكيف قُتِل القشيبي، وكيف ظهر عفاش متحالفاً مع الحوثيين ووو الخ...

وكيف كنتُ أعيش كل كبوة بحزن بالغٍ وأسى مرير!

21 سبتمبر.. ليس مجرد تاريخٍ بالنسبةِ لي!! بل هو اليوم الذي توشحت فيه أحلامي سواداً، ولا يزال هذا السواد يكسوها حتى اللحظة!

نعم.. فقد كنتُ متأملةً جداً بمخرجات الحوار الوطني، وكنت أتابع بكل شغف.. كنتُ أرسمُ خططاً كثيرة للثانوية العامة وما بعدها، ومستقبلي في الصحافة والعمل المجتمعي، وأفكر في المبادرةِ التي كنت أنوي البدء بها بعد دراسة وتخطيط طويلين، وكنت أنخيل النهج الذي سأشارك به في الحياة السياسية، وكيف سأكون شاهدة على اللحظات الفارقة في تاريخ اليمن وانطلاقها نحو الحرية والنهضة!

لكن كل ما كنت شاهدة عليه كان أوله بعد هذا التأريخ العظيم '21 سبتمبر' هو الهروب مع والدتي عبر الزقاق هرباً من الرصاص التي كان يطلقها الحوثيون على المتظاهرين العزل الذين خرجوا تنديداً ومناهضة للانقلاب آنذاك، وذلك حين جاءت تعيدنا من المدرسة في اليوم الذي كان آخر يوم دراسي لنا..

ما شهدته كان بريق الدموع في أعين إخوتي الصغار، وارتجاف أجسادهم الصغيرة، وابيضاض محياهم من الخوف عند سماع الصاروخ الأول الذي ضرب القصر الجمهوري، ولا زلت أتذكر جيداً سؤال أخي الصغير حين عم الرعب الأرجاء: قامت القيامة يا أماه؟!

أتذكر كيف نصبت مدفعية الهاوزر جوار منزلنا تماماً، وكيف احتضنا بعضنا بقوة وكأننا نودع بعضنا في ذلك اليوم.. والصرخات المكبوتة التي كنت أشعر بها في كل قذيفة هاوزر كانت تطلق في تلك الأثناء..

أتذكر انقطاع الكهرباء، حتى اللحظة..

أتذكر الشظايا التي شاهدتها تتطاير عندما قصفت الطائرة الأمن المركزي وأنا في الشارع، وكيف هربت مع خالتي واختبأنا في المخبز حتى انتهى القصف..

وأتذكر قصف الدبابات، والمواجهات التي كانت تستعر بين الحين والآخر..

أتذكر النزوح، والفراق، وكيف التحقت بالصف الثالث الثانوي في الوقت الذي بدأت فيه الامتحانات التجريبية تماماً، بسبب النزوح!

ثم العيش في سكن بعيداً عن أمي وأبي وإخوتي، من أجل الدراسةِ الجامعية!! وأي دراسة!!.. العبث الجامعي إن صح التعبير ولم تخني لغتي!

وكيف كنت أواجه كل الصعوبات وحدي، تدعمني مكالماتٌ أجريها مع والدتي وأبي وأخي صالح كل يوم..

حدث الكثير والكثير، وكل ما أتذكره للأسف هو الشعور بلعنة الانتماء في كل "نكبة" وكبوة ومصيبة تصيب اليمن من جنوبها حتى شمالها! وكيف أحاط بي اليأس وانطفأ نور التغيير في عَيْنَيّ..!

فلماذا تحتفلون يا جحافل السلالية؟! وبأي وجه!..

بعد أن تسببتم بأزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة الفقر في البلاد 80% بعد أن كانت 70% إبان حكم الهالك عفاش..

هل عندكم خبر؟! أنكم تسببتم بمقتل ما يزيد عن 100 ألف، واعتقال الآلاف، وأنكم جعلتم ما يقارب 7 ملايين طفلٍ لا يستطيعون النوم بسبب الجوع، وأكثر من 3 ملايين طفل ليس بمقدورهم الذهاب إلى المدرسة؟!

بل جعلتم العابثين المتربصين يجمعون خيرات البلاد في جيوبهم، ويوزعون بمعيتكم الوجع إلى كل منزل..

والأدهى، أنكم تسببتم بمقتل 35 مليون حلم!!

اليوم وبفضلكم، نملك واقعاً سياسياً مزرياً سوداوياً حالكاً متناقضاً، مفرغاً من أدنى مظاهرِ الحياة السياسية..

وواقعاً اجتماعياً خالياً من القيمِ الاجتماعية، واقع جثمت عليه القسوة والبغض والتنافر حتى انقطعت أنفاسه..

وواقعاً صحياً ليس بأحسن حالاً منهما، فاليوم يعود لليمن شلل الأطفال بعد أن انتهى في العالم كله، ليشل حركة الأطفال، وحركة الضمائر التي تبقت!!

اليوم نعيش اللادولة.. نرى العملة تنهار، والسلع تصبح بسعر الذهب، والمشتقات النفطية التي تزخر بلادنا بموادها الخام تنعدم تماماً، نرى تدهوراً غير مسبوق في التعليم والاقتصاد، وفي كل مناحي الحياة البسيطة!!

أصبحنا نفرح بأدنى وأبسط حق تتفضلون علينا به، بعد أن جعلتمونا نعيش حرفياً المثل الذي يقول "فجعه بالموت يرضى بالحمى"!

فبأي وجه تحتفلون في شهر يتنفسه كل يمني حر، شهر انتهى فيه الحكم الملكي الكهنوتي الإمامي، بانقلاب كان بادرة لابتداء عهد ملكي كهنوتي إمامي!! وبأي شعر حائر ارثي بلادي! فقد عجزت!! وبالكاد استطعت ترتيب هذه الكلمات..

في الحقيقة، كل ما نتمناه هو حياة كالحياة، وكل ما أتمناه هو أن يعي شعبي أن وقت التغيير الفعلي ليس بأبعد من هذا الوقت.