حين يغضب اليمنيون لقضية فردية ويصمتون أمام جراح وطن.. ماذا فعلت الحرب بضمير المجتمع؟
بقلم: د. صالح الجبري
رئيس مركز يني يمن الإعلامي
في اليمن، لم تعد المأساة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. اعتاد الناس على سماع أخبار الموت، والاعتقال، والفقر، والنزوح، حتى صار الألم نفسه خبرًا عابرًا لا يوقظ الغضب كما كان يفعل في السابق.
خلال الأيام الأخيرة، اشتعل الشارع في صنعاء حول قضية ميراث صدام حسين، وتحركت أصوات قبلية واجتماعية، وارتفعت المطالبات والوساطات، في مشهد يعكس أن روح الشهامة اليمنية لم تمت بعد، وأن المجتمع لا يزال قادرًا على الغضب حين يشعر أن حقًا ما قد انتُزع أو أن ظلمًا قد وقع.
لكن السؤال المؤلم الذي يجب ألا نخاف من طرحه: لماذا تتحرك هذه الروح في بعض القضايا، بينما خفت صوتها أمام مآسٍ أكبر عاشها اليمنيون طوال أكثر من عقد؟
أين كانت هذه الغضبة حين امتلأت السجون بالمعتقلين؟ أين كانت حين فقدت آلاف الأسر أبناءها في جبهات القتال؟ أين كانت عندما اضطر ملايين اليمنيين للعيش تحت خط الفقر والجوع؟ أين كانت عندما توقفت رواتب مئات الآلاف من الأسر، وتحولت الحياة إلى معركة يومية من أجل البقاء؟
لقد دخل اليمن منذ عام 2014 واحدة من أكثر مراحله قسوة. لم يكن الصراع مجرد معركة سياسية أو عسكرية، بل زلزالًا ضرب الدولة والمجتمع معًا. مؤسسات انهارت، وأحلام تبعثرت، وأجيال كاملة نشأت في ظل الحرب والخوف والانقسام.
ما حدث لليمن لم يكن خسارة جغرافيا أو سلطة فقط، بل خسارة ذاكرة ووعي جماعي. فالشعوب التي تعيش طويلًا تحت ضغط الحروب قد تعتاد الألم، ويصبح الاستثناء هو أن تغضب، لا أن تصمت.
لكن الخطر الأكبر ليس في الحرب نفسها، بل في أن يعتاد الناس نتائجها. أن يصبح المعتقل مجرد رقم، والنازح مجرد خبر، والطفل الذي كبر وسط أصوات السلاح مجرد تفصيل صغير في المشهد.
إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى غضب انتقائي، بل إلى ضمير وطني شامل. يحتاج إلى موقف أخلاقي واحد تجاه كل مظلمة، أيًا كان صاحبها، وأيًا كان مرتكبها. لأن العدالة التي تُجزأ تفقد معناها، والكرامة التي تُمنح للبعض وتُحجب عن آخرين تتحول إلى امتياز لا حق.
الحقيقة المؤلمة أن سنوات الحرب والانقسام أوصلت اليمنيين إلى مرحلة أصبح فيها السؤال عن النجاة اليومية يسبق السؤال عن الوطن نفسه. وهذه ربما إحدى أكبر الخسائر التي أصابت اليمن: أن يصبح البقاء أهم من الحلم، وأن يتحول الصمت إلى وسيلة دفاع عن النفس.
ورغم كل ذلك، ما يزال اليمن قادرًا على النهوض. لأن الشعوب التي تحفظ وجعها، وتراجع أخطاءها، وتواجه تاريخها بصدق، تستطيع أن تبني مستقبلًا مختلفًا.
ويبقى السؤال معلقًا أمام الجميع:
إذا كنا قادرين على الغضب من أجل قضية فردية، فمتى سنغضب بالقدر نفسه من أجل وطن كامل دفع أثمان الحرب والانقسام والضياع؟ بسبب انقلاب ميليشيات الحوثي الإجرامية على الدولة والشرعية وهذا هو أس وجذر المشكلة من الأساس .
اليمن لا يحتاج غضبة مؤقتة.. اليمن يحتاج صحوة ضمير.




التعليقات