دعوى أمام محكمة فيدرالية أمريكية ضد أبوظبي.. القيادي الإصلاحي إنصاف مايو يقاضي متعاقدين أمريكيين بتهمة محاولة اغتياله في عدن
في تطور قانوني وسياسي بالغ الحساسية، رفع عضو مجلس النواب اليمني ورئيس فرع التجمع اليمني للإصلاح في عدن إنصاف علي مايو دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية أمريكية، يتهم فيها ثلاثة متعاقدين أمنيين أمريكيين سابقين بتنفيذ برنامج اغتيالات سياسية في اليمن، قال إنه كان ممولاً من دولة الإمارات العربية المتحدة. وتؤكد تقارير أمريكية حديثة أن القضية فُتحت في محكمة فدرالية بسان دييغو وكُشف عنها مؤخراً بعد أن ظلت غير معلنة لفترة.
وتستهدف الدعوى كلاً من أبراهام غولان، وإسحاق جيلمور، وديل كومستوك، وهم شخصيات ارتبطت سابقاً بشركة Spear Operations Group، وهي شركة أمنية خاصة تأسست في ولاية ديلاوير الأمريكية عام 2015 قبل أن تُحل لاحقاً. وبحسب أوراق القضية، فإن المدّعين يتهمون هؤلاء بتنفيذ محاولة اغتيال خارج نطاق القانون، وارتكاب أفعال تندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
محاولة اغتيال في عدن أعادت الملف إلى الواجهة
وبحسب تفاصيل الدعوى، فإن إنصاف مايو كان هدفاً مباشراً لمحاولة اغتيال نُفذت في مدينة عدن أواخر عام 2015، عندما تعرض مقر حزبه لهجوم بعبوة ناسفة بعد وقت قصير من مغادرته المكان. وتقول أوراق القضية إن فريق الاغتيال تعقبه إلى مقر الحزب ثم زرع عبوة متفجرة على باب المكتب، في عملية كانت تستهدف تصفيته جسدياً. وقد أعاد الإعلام الأمريكي هذا الأسبوع نشر تفاصيل تلك الليلة استناداً إلى نص الدعوى وشهادات المدّعي نفسه.
ويقول مايو، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، إن نجاته من الانفجار لم تُنهِ آثار العملية، بل أدخلته وعائلته في سنوات من الخوف والقلق والنزوح القسري، وأجبرته لاحقاً على مغادرة اليمن والإقامة في المملكة العربية السعودية. وتؤكد الدعوى أنه يسعى الآن إلى الحصول على تعويضات مالية وأضرار عقابية نتيجة ما تعرض له.
اعترافات سابقة تعزز ملف الدعوى
وتستند الدعوى، بحسب التقارير، إلى اعترافات وتصريحات علنية سابقة أدلى بها المتهمون أنفسهم في مقابلات إعلامية، أبرزها ما نُشر في تحقيق BuzzFeed News عام 2018، والذي كشف لأول مرة عن وجود برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن تشرف عليه شركة Spear Operations Group. وقد نُسب إلى أبراهام غولان حينها قوله بشكل صريح:
“كان هناك برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن.. أنا كنت أديره”.
هذا الجوهر أكدت عليه لاحقاً تقارير حديثة أعادت فتح الملف بعد ظهوره مجدداً أمام القضاء الأمريكي.
وتشير أوراق الدعوى إلى أن الفريق كان قد تلقى قائمة أولية تضم 23 هدفاً للتصفية، وأن إنصاف مايو كان من بين الأسماء المدرجة ضمن هذا البرنامج، بل كان – بحسب التقارير – الاسم الوحيد الذي كُشف عنه علناً في تصريحات المشاركين السابقين.
اتهامات بتمويل إماراتي مباشر
وتحمل الدعوى بُعداً سياسياً بالغ الخطورة، إذ تزعم أن الإمارات العربية المتحدة تعاقدت مع الشركة الأمنية الأمريكية لتنفيذ عمليات تصفية نوعية في اليمن، في إطار استهداف شخصيات تعتبرها أبوظبي خصوماً سياسيين أو تهديداً لمصالحها في البلاد. وتشير الوثائق إلى أن قيمة العقد بلغت 1.5 مليون دولار شهرياً، إضافة إلى حوافز مرتبطة بنجاح الاغتيالات، بحسب ما ورد في القضية وتقارير أمريكية حديثة.
وتقول الدعوى أيضاً إن عناصر الفريق حاولوا في مرحلة من المراحل الحصول على وضع قانوني مدمج ضمن القوات الإماراتية أثناء تنفيذ المهام، اعتقاداً منهم أن ذلك قد يوفر لهم غطاءً أو حصانة قانونية في حال انكشاف الأمر.
أسئلة قانونية وأخلاقية ثقيلة
ويرى قانونيون أن هذه القضية لا تتعلق فقط بمحاولة اغتيال شخصية يمنية بارزة، بل تفتح الباب أمام ملف أخطر يتعلق باستخدام متعاقدين عسكريين أمريكيين سابقين في تنفيذ عمليات قتل سياسية خارج القانون داخل دولة تشهد نزاعاً مسلحاً.
كما تطرح الدعوى أسئلة شديدة الحساسية بشأن دور الشركات الأمنية الخاصة في الحروب الإقليمية، وحدود مسؤولية الحكومات التي تتعاقد معها، فضلاً عن مدى الرقابة الأمريكية على العسكريين السابقين الذين ينتقلون من الخدمة الرسمية إلى “سوق القوة القاتلة” في مناطق النزاع.
صمت المتهمين وأبوظبي
وبحسب التقارير، لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من المتهمين الثلاثة بشأن الدعوى الجديدة، كما لم تُصدر وزارة الخارجية الإماراتية موقفاً معلناً رداً على هذه الاتهامات حتى لحظة إعداد الخبر. وكانت الإمارات قد نفت في السابق الاتهامات المتعلقة بتمويل اغتيالات سياسية في اليمن، مؤكدة أن أنشطتها تندرج ضمن مكافحة الإرهاب، وهو توصيف يرفضه حقوقيون وقانونيون بشدة.
الخلاصة
تكشف دعوى إنصاف مايو عن فصل شديد الخطورة من الحرب الخفية في اليمن، حيث تتحول البلاد – بحسب ما تشير إليه الوثائق – إلى مسرح لعمليات اغتيال عابرة للحدود تنفذها شركات خاصة وجنود سابقون، بعيداً عن أي مساءلة واضحة.
وفي حال مضت هذه القضية قدماً داخل القضاء الأمريكي، فإنها قد لا تكون مجرد دعوى تعويض شخصية، بل اختباراً قانونياً وسياسياً كبيراً يكشف كيف تحولت الحرب اليمنية إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات عبر المال والسلاح والمرتزقة.




التعليقات