الحرب النفسية وأثرها على المجتمعات والجيوش(2 + 3)

الحرب النفسية وأثرها على المجتمعات والجيوش(2)

سنتابع الحديث عن هذا الموضوع  تكملة لما بدأناه في المقال السابق

يستعين العدو بشتى الوسائل لتحقيق أهداف الحرب النفسية، فهو يستعين في الحرب بنشرات الاستسلام التي يوزعها بالطائرات على القوات المقاتلة وفي الصفوف الخلفية وعلى القواعد المتقدمة والأمامية والخلفية.

ويستعين في الحرب بمكبرات الصوت والإذاعة للحث على الاستسلام،

القيادة الحصيفة المسيطرة هي التي تمنع العسكريين وغيرهم من التقاط منشورات العدو والإصغاء إلى مكبرات صوته وإذاعته.

وقد استعان الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) بأساليب الحرب النفسية، فنجح الحلفاء في تحطيم معنويات الإيطاليين مما أدى إلى استسلامهم بأعداد ضخمة،

كان الإيطاليون يقبلون على سماع الإذاعات المعادية ويتناقلون أخبارها ويصدقونها في أغلب الأحيان، لذلك انهاروا بسرعة وقبلوا شروط الاستسلام،

بالمقابل لم ينجحوا في تحطيم معنويات الألمان واليابانيين لأن الألمان واليابانيون كانو يمنعون سماع الإذاعات المعادية،

اما في أيام السلم فان العدو يستعين بوسائل شتى أهمها وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وما أكثرها (عبر الإنترنت) ويستعين العدو أيضا بنشرات الاستسلام والمنشورات الصحفية ويستخدم مكبرات الصوت والأفلام السينمائية والملصقات والصور والإذاعات والإشاعات والمخربين والجواسيس والوعد والوعيد وإشاعات الانحلال الخلقي والفساد والذعر والخوف والتشكيك بالقيم والمثل العليا.

فما هي الحلول الجذرية البسيطة السهلة التي يعالج بها الإسلام آفات الحرب النفسية؟

ظهر لنا مما تقدم أن أهم أهداف الحرب النفسية هي: التخويف من الموت والفقر، ومن القوة الضاربة للمنتصر، والدعوة إلى الاستسلام، وبث الإشاعات والأراجيف،، وبث اليأس والقنوط، لكن الإسلام عالج كل تلك المخاوف، فالمؤمن لا يخشى الموت، لأنه يؤمن بأنه لا يموت إلا بأجله الموعود. قال تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [يونس: 49]،  وقالت تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34] وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله )[آل عمران: 145]،  وقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]، وقال تعالى: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) [آل عمران: 154].

إن المؤمن يعتقد اعتقادا راسخا بأن الآجال بيد الله سبحانه وتعالى، وما أصدق قول خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة: "ما في جسمي موضع شبر إلى وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

والمؤمن لا يخاف الفقر، لأنه يعتقد اعتقادا راسخا بأن الأرزاق بيد الله سبحانه، وأنه يرزق نملة داخل صخرة في قعر بحر محيط فكيف ينسى الإنسان؟

قال تعالى: (وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة: 212]، وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا‏ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2-3]، وقال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6].

والمؤمن لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أيام الفتوحات الإسلامية بعدة أوعدد، بل كان انتصارهم بإيمانهم وعقيدتهم ثم بإعداد ماستطاعوا  ، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ؛ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 249]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ. لآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 65-66]، وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ،‏ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران: 173].،،،

 

الحرب النفسية وأثرها على المجتمعات والجيوش(3)

نتابع معكم في هذا المقال الحاقاً لما بدأنا في المقالات السابقة ما تبقي من حلول الإسلام الجذرية التي حمى بها المجتمع والجيش من الحرب النفسية.

والمؤمن لا يستسلم للهزيمة ولا يفكر في الاستسلام أبدا لأن عقيدته تقول أن المؤمن الحق لا يهزم فيدرك في قرارة نفسه سبب هزيمته، فربما هزم لخلل أحدثه أو مخالفة ارتكبتها او إعداد لم يبذل فيه وسعه  او ظلم وقع منه، فيصلح خلله وما أفسده ثم يعيد الكرة وسينتصر لا محالة، قال تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140]، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8]، وقال تعالى: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) [يونس: 65].

كما أن المؤمن لا يصدق الإشاعات والأراجيف ولا يبثها، بل يقضى عليها في مهدها ويفضح مروجيها ولا يسكت عليهم وليس كما هو حالنا هذه الأيام للأسف, قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6]، وقال تعالى: (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) [الأحزاب: 60]، وقال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83].

والمؤمن يقاوم الأفكار المنحرفة الدخيلة على مجتمعه، لأن لديه من مقومات دينه وتراث حضارته ما يصونه من تيارات الأفكار والعقائد الوافدة التي تناقض دينه وتراثه وتذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ،‏ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ‏؛ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ‏؛ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون: 1-6].

وقال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي، وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108].

والمؤمن لا يقنط أبدا من نصر الله ورحمته قال تعالى: (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53]، وقال تعالى: (قال ومن يقنط من رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) [الحجر: 56]، وقال تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم: 36]، وقال تعالى: (وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ) [فصلت: 49].

تلك هي الحلول الجذرية السهلة البسيطة التي يعالج بها الإسلام آفات الحرب النفسية، ولو قارنا بينها وبين الحلول التي اعتمدها غير المسلمين نجد عظمة الدين الإسلامي في حماية المسلمين من شرور الحرب النفسية وآثارها المدمرة،

قرأت مقولة منصفة ل(برناردشو) في رسالته ( نداء العمل) قال فيها: "إن محمدا يجب أن يُدعى منقذ الإنسانية، ولو أن رجلا مثله تولى قيادة العالم الحديث، لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة الذي هو في أشد الحاجة  إليهما".

من خلال ما ذكرناه يتضح أن الحرب النفسية مهما كانت كثيفة ومركزة إلا أنها لا تؤثر في المؤمن الحقيقي،

لكن ما نلاحظه اليوم في المجتمعات الإسلامية وخاصة في المجتمع اليمني وفي خضم الحرب الدائرة فيه منذ سنوات نجد ان تأثير الحرب النفسية على المجتمع قد يكون أمضى من تأثير الحرب العسكرية، والسبب في ذلك واضح فضعف الإيمان والصلة بالله يؤدي إلى ضعف المعنويات وضعف المعنويات تؤدي إلى الضعف العام والخمول والخوف والقلق، كل تلك الأسباب تصنع مجتمعاً هشاً سرعان ما تتجاذبه الشائعات يمنة ويسرة!

أقراء أيضاً

التعليقات

مساحة اعلانية