اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة الجزء الثاني ..
الحكاية كاملة 


جمهورية من قرح يقرح
كطفلٍ صغير يصدح بلبل الثورة ذو النظارة السوداء "محمد البصير" بصوتٍ لا تفارقه شحرجة معتادة برائعته المغناة "جمهورية ومن قرح يقرح" فيزرع في نفوسنا كماً هائلاً من المشاعر المختلطة، ويشعل في قلوب كل من يستمع إليها شرارة حماس كبير، كحماس ذلك المذيع في إذاعة صنعاء عند اعلان بيان ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وانتصار الجمهورية. تعتريني منذ الصغر حالات استغراب كبيرة لتحمسه الكبير وهو يلقي تلك المقطوعة المغناة، كانت حالة الاستغراب هذه تصنع في عقلي علامات استفهام لا تنتهي، اصراري على معرفة الدافع الذي جعل رجل مسن مثل "محمد البصير" ينتشي بشدة على المسرح دفعني للقراءة والبحث أكثر في بدايات الجمهورية وما قبلها لاكتشف لغز ذلك الحماس الذي بثه في نفوس كل من استمع اليه، ونشوة تلك الروح المفعمة بالولاء المقدس للجمهورية. كنتُ قبلها اعتبر الروايات المؤلمة التي تحاكي زمن ما قبل الثورة التي يحكيها جدي نوع من المبالغة والأساطير، لم أعر لها ذلك القدر من الاهتمام، ربما لصغر سني! كان يحكي لي بألم كيف كان وكلاء الإمامة من "بيت اسحاق" في منطقة وصاب يذلونهم، وينهبون محاصيلهم من الذرة، وحتى البيض والسمن والعسل، وكيف استولوا بالقوة على الأراضي الزراعية التابعة لأجدادي وحولوهم إلى مجرد سُخرة لا حول لهم ولا قوة، كنت أستمع إليه بصمت وهو يسرد تفاصيل ظلم هؤلاء الهاشميين للأهالي، وكيف كان عكفي الإمام وعسكره "الطواف" يمارسون التعذيب بحقهم، شعرت بالدهشة عندما رأيت آثار جراح غائرة على ساقه، سألته ما هذا ؟ فأجاب بحرقة أنها آثار لتعذيب بالسلاسل كان يمارس في "قلعة الدن" مركز المديرية على كل من يثبت إنه ينقص قدحاً واحداً من المحصول المقرر اعطاؤه لهم، أو رفض ذبح رأساً من الغنم لجنود الإمام الذين أتوا لاعتقاله. صادفتُ ذات مرة زميلاً لي عائداً من صنعاء، علمت منه ان صديقه أهداه رواية، كان يُسهب في مدحها لدرجة إنه حفظ بعض صفحاتها، كان يقول لي إنها تحكي تاريخنا القريب، وخاصة التاريخ الأسود لبيت حميد الدين، كُنت متحمساً جداً لقراءتها فأخذتها خلسة من حقيبته ذات يوم، كانت هذه هي ثاني رواية اقرأها في حياتي بعد "وإسلاماه" لعلي أحمد باكثير، كان الغلاف الخارجي للرواية قد سقط، لم اعرف عنوانها إلا عند فتحها في الطريق فإذا بها "الرهينة" لزيد مطيع دماج. شخصياً لا أعتبر الرهينة مجرد رواية فقط، إنها وثيقة تاريخية شاهدة على هذه الحقبة السوداء من حكم الإمامة الهاشمية لليمن، لقد صورت الرواية بشكل تراجيدي مذهل كيف قسمت الإمامة المجتمع اليمني إلى طبقات، ليسهُل عليها التهامه من قبلهم بيسر، تكلمت عن السادة والعبيد، عن الرق والإمتهان والإذلال والعنصرية، وغيرها من صنوف القهر، الذي كان يمارسه الإماميون الهاشميون باسم الله وآل البيت، كان اشد فصولها قتامة والذي تدور حوله الرواية هو الإتجار بالبشر، وكيف حول الهاشميين ابناء الشعب اليمني بعد أن اذلوهم وأجاعوهم وافقروهم الى سلعة رخيصة تأخذ كرهينة لضمان عدم التمرد والخضوع التام  لهم فيما بعد. أكملت قراءة الرواية بعد أسبوعين، قبل أن أتم فصولها تذكرت ذلك المسن "محمد البصير" وتراقصه على أنغام معزوفته تلك، أدركت حينها ان حركاته اللاإرادية على خشبة المسرح لم تأت من فراغ، لقد عايشوا هذا الظلم وتجرعوا ويلاته لقرون، لقد اذاقهم الإماميون السلاليون الويلات، فأتى سبتمبر الجمهورية كفجر طال انتظاره، بعد أن طال القهر وبلغت القلوب الحناجر. ها هو الزمن يعود الان يا محمد البصير، عاد هذا العهد المظلم وعادت معه "التوزة" والقيد والبؤس والإذلال من جديد، عاد التاريخ وخطف السلاليون ذلك الحلم الجميل الذي كنت تتراقص على انغامه، لقد غيروا قِناعاتهم فطعنونا من الخلف، وأتونا اشد وحشية، ولكن هذه المرة باسم الجمهورية وبلباس جمهوري! صدقني لم ندرك معاناتكم إلى عند رؤيتنا لهذا القبح يتجلى أمامنا فجأة وعلى غفلة منا والزمن، ويذيقنا صنوف العذاب، لقد أوغل الإئمة الجدد في تجهيلنا بالتاريخ الأسود لهذه العصابة حتى تمكنوا من رقابنا من جديد. ها هو المارد اليمني يعود إلى المقاومة على وجوده وأرضه وتاريخ وإرث أجداده، وهانحن نواصل مشوار الزبيري وعلي عبد المغني والسلال وعبد العالم وغيرهم من السبتمبريين الأحرار، نتحمل بألم ثمن طيبتنا واخلاقنا وتساهلنا مع السلالة وندفع الثمن غالياً، لقد خرجنا معاهدين من مضى والأجيال القادمة على الاستفادة من دروس التاريخ، وأن تكون هذه المعركة هي نهاية هذا الغبار والوجع الذي أنهك ذاتنا وتاريخنا لقرون من الزمن، وبداية فجر بلا إمام وقيد وسلالة تعتبر الخصي والحيوانات المنوية وسيلتها الوحيدة للتعالي على اليمنيين وحكمهم بالقوة . ها هي دماؤنا تختلط بدمائكم على تراب هذه الأرض الطيبة، لتكون شاهدةً على ميلادٍ جديد لجمهورية تلفظ البغاة والغزاة وهاشميي قريش الإماميين، وتستفيد من دروس التاريخ، وتعيد امجاد سبأ وحمير وذو ريدان ونشوان الحميري والثائر سعيد الفقيه من جديد. إن كنت تراقصت على اوتار هذه المعزوفة الجمهورية العظيمة يا "محمد البصير" فأحفادك اليوم خطوها بدمائهم، ورددوها بصوت جمهوري قض عروش المجرمين "جمهورية ومن قرح يقرح".
اليمن الكبير : حضرموت التاريخ والحضارة ..الحكاية كاملة

أقراء أيضاً

التعليقات

أخبار مميزة

مساحة اعلانية

اليمن الكبير || “سقطرى جزيرة الدهشة”



وسيبقى نبض قلبي يمنيا